أخر المشاركات بالمنتدى

» الاحالة || آخر مرسل: دكتور عبد الله الحياني || عدد الردود [ 0 ]    .::.     » عــــــــضوة جديدة أنا، هل من مرحب؟ || آخر مرسل: دكتور عبد الله الحياني || عدد الردود [ 4 ]    .::.     » الصرف والتركيب1 || آخر مرسل: الشيماء جمعة || عدد الردود [ 11 ]    .::.     » تدوة ثقافية || آخر مرسل: دكتور عبد الله الحياني || عدد الردود [ 0 ]    .::.     » هام لجميع الطلبة || آخر مرسل: النجاح || عدد الردود [ 0 ]    .::.     » برنامج ندوة شرح كتاب سيبويه الجديد || آخر مرسل: سارة سعد || عدد الردود [ 16 ]    .::.     » هام لجميع الطلبة || آخر مرسل: النجاح || عدد الردود [ 0 ]    .::.     » هام لجميع الطلبة || آخر مرسل: النجاح || عدد الردود [ 0 ]    .::.     » هام لجميع الطلبة \ المساعدة والمشورة في مشاريع التخرج ورسائل || آخر مرسل: النجاح || عدد الردود [ 0 ]    .::.     » الحذف عند عبد القاهر الجرجاني || آخر مرسل: دكتور عبد الله الحياني || عدد الردود [ 8 ]    .::.    


 
 منتدى اللسانيات قائمة المنتديات -> منتدى الكتاب
كتاب خداع المرايا للدكتور عيد بلبع(منقول)
 اسم مشترك: تذكرني؟
    كلمة السر:


انشر موضوع جديد   رد على موضوع

استعرض مواضيع سابقة:   

 
 
نشرة ارسل: الجمعة سبتمبر 14, 2007 4:04 pm  موضوع الرسالة: كتاب خداع المرايا للدكتور عيد بلبع(منقول)

سميه اسماعيل


معلومات العضو






غير متصل

 


قرأت هذا الكتاب ووجدت فيه الكثير من الآراء التي قد تفيد الباحث في مجال البحث البلاغي
خِدَاعُ الْمَرَايا
الدكتور
عـيد بلبـع

أستاذ البلاغة والنقد
بكلية الآداب ـ جامعة المنوفية ـ مصر
وكلية التربية للبنات بالمدينة المنورة ـ المملكة العربية السعودية



إهداء

إلى كل عقلٍ عربى يهدف إلى التخلى عن التفكير فى المكان .

إلى كل عقلٍ عربى يهدف إلى التفكير للأمام .

إلى عقلِ كل عربى يهدف إلى الدخول فى منظومة العقل العربى ،

وإلى الدخول بالعقل العربى فى منظومة معرفية .

أهدى هذه الصفحات




تقـديـم

لست أدافع فى أن الدافع المباشر من كتابة هذه الصفحات هو كتاب : " المرايا المقعرة " للدكتور عبد العزيز حمودة ، الذى صدر فى سلسلة عالم المعرفة الكويتية 2001 م ، وما أفرزه هذا الكتاب من ردود أفعال غريبة ، فلقد تلقفته الأيادى بلهفة المشتاق إلى الوقوف على أرض صلبة ، فالغائب المنتظر قد هبط علينا إذ دفعت به سلسلة علم المعرفة التى لا تُبارى فى اتساع الانتشار ، فقطاع كبير من الدارسين والباحثين فى شوق لا يُنكر إلى معرفة نظرية عربية فى اللغة والنقد .
وربما كانت العقول مدفوعة بدوافع شتى إلى هذه المعرفة ، فمن الممكن أن يكون الدافع هو الإمساك بدليل مادى على مدى تفوق العقل العربى على العقل الغربى وسبْقِه إلى إنتاج نظرية فى المعرفة اللغوية والنقدية ، وربما كانت العقول مدفوعة بتلقى جديد فى المعرفة لم يهتدوا إليه ، وربما لم يهتدِ إليه غيرهم ، على أى حال تلقت الأيادى الكتاب بغير شك فى أنه ينطوى على جديد فى الكشف عن مكنون العقل العربى .
ولقد كنت شاهداً على إحباطات كثيرة أصابت بعض المثقفين إذ لم يجدوا فى الكتاب ضالتهم المنشودة ، فبعد أن أنجزوه قراءة تولوا ولسان حالهم ينطق بأن هذه بضاعتنا رُدت إلينا .
ولست أنكر أن هموماً ثقيلة قد عصفت بى وأنا أقرأ صفحات هذا الكتاب ، كان مبعثها أنه لم يقل جديداً فى النظرية العربية ، بل إن ما قاله فى النظرية العربية كنت تلقيته وأنا أتلقى التعليم الجامعى فى السبعينيات ، بل إن نظرية النظم ـ تحديداً ـ تلقيت دروسها على يد أستاذى الدكتور / محمد زكى العشماوى ، وكنت فى الفرقة الأولى بكلية الآداب بجامعة الاسكندرية ، وأذكر جيداً كيف كان أستـاذى د. العشماوى يُشرِبُنا فكر عبد القاهر الجرجانى ، فأدركنا النظرية وفهمناها واستوعبناها وتمثلناها ، فانحفرت فى رؤوسنا ووجداننا حتى صرت أتقمص الشكل والهيئة والحركات الجسدية التى كان يقوم بها أستاذنا عندما أتعرض للحديث عن النظرية لتلاميذى بكلية الآداب بجامعة المنوفية .
وإننى إذ أتقدم بهذه الصفحات للمثقف العربى أرجو أن أكون قد وفقت فى طرح القضية ، كما أرجو ألا يقتصر تلقى هذه الصفحات بوصفها رداً كتاب ، فما لهذا الدافع اليسير طرقت القضية ، وما فى هذا الهدف الضيق أود أن ينصرف ذهن القارئ العربى .
وإننى ـ فى الوقت نفسه ـ لأرحب بكل كلمة تقويم ونقد ، بل نقض لهذه الأفكار المطروحة ، فلست أبرئ هذه الصفحات من بعض القصور .
ونسأل الله العون والمغفرة .
د/ عيد بلبع
كلية الآداب ـ جامعة المنوفية
كفر الدوار ـ يناير 2002 م






تمهيد
ألـف ـ بــــاء





ما العقل ؟
وماذا نعنى بقولنا : العقل العربى ؟
ربما كان من الأوفق أن نبدأ الحديث هنا بداية أكثر سذاجة ، ولنبتعد قاصدين عن محاولة التعريفات المنطقية ، فلعل البساطة التى تصل إلى حد السذاجة أقرب إلى الصواب لما تنطوى عليه براءة التفكير الطفولى المتلمس للحقائق بإثارة الأسئلة العميقة التى ربما وقف الكبار أمامها فاغرى الأفواه تعجباً ودهشة ، إننا نريد أن ننعم بهذه الحرية الواسعة التى ينعم بها الطفل فى إدراك الأشياء .
إن العقل إحدى إمكانيات البشر التى تتفاوت من إنسان لآخر ، وعمله التفكير ، فالإنسان قادر على التفكير الذى يدرك به الأشياء ، ويدرك به العلاقات بين الأشياء ، العلاقات الواقعة بالفعل ، والعلاقات التى يمكن أن تكون ، وفى المسافة بين الإدراكين يكون التفاوت الشديد بين بعض البشر وبعضهم الآخر ، فإدراك العلاقات القائمة بين الأشياء ـ بلا شك ـ نشاط عقلى ولكنه نشاط قاصر على إدراك معرفة قائمة ومستقرة فى الوجود ، وناتج هذا النشاط يتمثل فى تفسير الظواهر وتحليل المواقف ، وقد يصل النشاط العقلى إلى حدٍ كبير من التوقع والاستشراف ، وهنا يدخل العقل فى المرحلة التالية من النشاط المتمثلة فى إدراك العلاقات التى يمكن أن تكون ، وفيها ينتقل العقل من إدراك المعرفة الكائنة إلى إدراك المعرفة الممكنة ، أى يتحول من استهلاك المعرفة إلى إنتاج المعرفة .
وينبغى أن نتنبه إلى أن نشاط إنتاج المعرفة هذا لا يكون من فراغ ، أى لا يكون بقدرة ذاتية خالصة للعقل ، وإنما يكون بقدرة العقل على الاستقبال والإدراك لنشاط عقلى آخر ، وقدرة على تمثُّل هذا النشاط بوصف التمثل " نشاطاً عقلياً يتجه إلى إدماج موضوع معين ، أو موقف معين ، فى مخطط نفسى أشمل " ( 1 ) ، ومن ثم تصبح المعرفة التى ترفدُ العقلَ بها نشاطاتُ عقولٍ أخرى مكوناً من مكونات هذا العقل ، بمعنى أنها لا تزيده معرفة فحسب بل تزيده قدرة على الاستنتاج والاستنباط والتوقع .
إنها قدرة أكبر على إدراك ما لم يكن يستطيع إدراكه من قبل ، وقدرة مضاعفة على تمثُّل ما لم يكن يستطيع تمثله من قبل ، ثم قدرة على خلق التصورات التى لم تكن ، والتصورات الممكنة ، ومن هنا يدخل العقل فى القدرة على إنتاج المعرفة .
ودعنا نسميها : القدرة على التفاعل الذى يحقق التواصل المعرفى ، وإنما يكون هذا ممكناً بطرح تصورات جديدة ، ولا يمكن أن يكون بحال من الأحوال محصوراً فى السلوك التكرارى المنحصر فى " القدرة على قول ما قيل من قبل " ، فإن هذا النشاط الأخير نشاط مخادع مهما اشتمل على محاولات التوفيق والوقوف موقف الوسطية ، فما الوسطية سوى نمط من أنماط التكيف التى تدخل فى سلوك المواءمة وهو " نشاط نفسى للطفل يتلخص فى تحويل مخطط أولى بهدف التكيف مع موقف جديد " ( 2 ) ، ولكن الطفل هنا مستسلم لضغوط مواضعات اجتماعية شتى لا يقوى على دفعها ، أما إذا تجاوز نشاطُ المواءمة الطفلَ إلى من يُناط بهم التفكير فلا شك فى أنها ستكون مجهضة لنشاط العقل البشرى ، أو على الأقل عاملاً من أخطر عوامل إعاقته ، فالتكيُّف فى هذا المقام يعنى حمل الذات ـ بفكرها الحاضر وتراثها القديم ـ على التوافق والتواؤم مع الآخر يستوى فى ذلك أن يكون حداثياً أو غير حداثى .
وثم نشاط استهلاكى آخر لا يقل خطراً فى منحاه الاستهلاكى العقيم عن التكيُّف ، وإن كان أكثر إيجابية من التكيُّف ، ويمكننا أن نطلق على هذا النشاط : " التكييف " ، ويعنى حمل المنتج الفكرى للآخر على التوافق والتواؤم مع الذات ، وبذلك يتفق مع التكيُّف فى الانطلاق من التواؤم الاستهلاكى ، وقد لا يختلف عنه فى شىء سوى مـا يهيمن عليه من العنصرية ، وهى هنا غير مجدية .
أما التمثُّـل الذى أشرنا إليه آنفاً فهو انصهار الآخر فى الأنا بوصفه رافداً من روافده ، يرفده و لا يُلغيه ، ولا يُلغى فيه ، إذ تحتفظ الذات بملامحها الخاصة ، ولا يكون ذلك بدافع قصدى للمحافظة على الهوية ، ولكنه يكون بتمكُّن الهوية تمكُّناً حقيقياً من العقل يجعله قادراً على صهر الآخر فيها ، إن التمثُّـل الذى نعنيه قدرة أشبه بقدرة الجسم على امتصاص العناصر من الطعام ، إن هذه القدرة تمكِّن الجسم من الانتفاع بهذه العناصر ولكنْ بشروط الجسم ، فالمواد والعناصر الداخلة فى بناء جسم إنسان التى يستخلصها من النبات تدخل فى بناء جديد على صورة مختلفة عن التى كانت موجودة بها فى النبات ، وكذا العقل ، يمتص المعارف الرافدة له من التراث أو من الآخر ، من القديم أو من الحداثة ، ثم تدخل فى بنية جديدة لها ملامح هذا العقل وبصماته وخصوصيته ، وإن شئت قلت هويته ، وبذلك يتأكد لنا أن التمثل مرحلة فوق الإدراك والفهم والاستيعاب .
إنه القدرة على التفاعل الخلاق المنتج للمعرفة لتحمل فى طيها قدرة على نقد التصورات السابقة ونقضها فى آن واحد ، إذ إن العقل الذى يتمكن من هذه القدرة لا يرضى بحال من الأحـوال أن يكون عقلاً استهلاكياً يقف عند حدود استهلاك المعرفة الآتية إليه من جذوره التراثية أو الآتية إليه من الآخر ، وينبغى أن نعترف فى صدق وصراحة بأن محاولات اتخاذ موقف الوسطية والتوفيق ـ مهما كانت منطلقاتها ، ومهما كانت غاياتها ـ إنما هى محاولات استهلاكية فى جوهرها و صميمها .
يصدق هذا الذى قدمنا على عقل الفرد ، فماذا نعنى إذن بقولنا : العقل العربى ؟
قد يكون الأمر أبسط وأيسر منالاً إذا استحضرنا مفهوم الإذاعات المبثوثة عبر الأثير ، فإن الإذاعة معبرة عن فكر أمة وسياستها ومواقفها ، وهى لسانٌ واحدٌ ناطق بلسان مجموع ، وكذا العقل ، عندما يتجاوز هموم الفرد إلى هموم المجموع ، ومواقف الفرد إلى مواقف المجموع ، وغايات الفرد إلى غايات المجموع ، فعقل المجموعة إذن هو مجموعة من العقول تدخل فى منظومة واحدة ، تحدها هوية وطنية أو قومية أو دينية أو عرقية ، ويُظلها التفاعل والتواصل نقداً ونقضاً وتطويراً وبناءً .
لعل إحدى صور الإعاقة المتعلقة بالقطيعة المعرفية تتمثل فى القصور فى فهم ما يمكن أن تعنيه مقولة " العقل العربى " ، والحق أن كتاب " المرايا المقعرة " لم يكن بمعزل عن هذا القصور فى الفهم ، فبينما راح الصيحات النظرية المتعاقبة عن " العقل العربى " تتردد فى هذا الكتاب فقد جاءت الممارسة العملية التطبيقية فى الكتاب لتؤكد العزلة والذاتية ، وبينما راح ـ نظرياً ـ يردد الصيحات المتعاقبة حول ضرورة التواصل المعرفى مع التراث فقد أخذ عملياً فى تمزيق التواصل المعرفى مع المعاصرين ، وإذا كنا ننشد لهذا العقل موقفاً معرفياً خلاقاً مستقلا فينبغى أن نتعمق بالحوار ونتجاوز السطح الذى وقف عنده كتاب " المرايا المقعرة " ، ولا مناص من أن تكون البداية من " ألف باء " .
إن " ألف باء " مكاشفة العقل العربى تتمثل فى الوقوف على حقيقة مؤداها أننا عندما نردد مقولة " العقل العربى " فإننا بالقطع لا نعنى عقلاً واحداً ، ولكننا نعنى مجموعة من العقول تتفاعل فى نظام أو نسق واحد ، أو حتى مجموعة من المنظومات والأنساق التى يربط بينها وحدة الهوية ، ولا يمكن أن يحدث تواصل فى النشـاط العقلى إلا إذا تم التواصل بين هذه العقول ، تواصلاً تنتفى معه الذاتية الخانقة ، لتعمل هذه العقول عمل الفريق الواحد الذى تتجانس بنياته وتتضام عناصره ، بحيث يستقر فى عقول المجموع أن الإخلال بهذه البنية العقلية هو نوع من القطيعة المعرفية ، يستوى فى ذلك أن تكون هذه القطيعة بين أبناء الجيل الواحد أو بين الأجيال المتعاقبة .
*****

وفى وقفة المواجهة والمكاشفة هذه ينبغى أن نعترف فى صدق وصراحة بأن العقل العربى ليس عقلاً قاصراً ولكنه عقل مُعاق ، وأن أسباب إعاقته هى فى الوقت نفسه مظاهر هذه الإعاقة ، ولا تتم الإعاقة الواقعة على هذا العقل بفعل خارج عنه ، بل تتم بفعلٍ خارجٍ منه ، ومن وهْنٍ فى العزائم المحركة له .
أود أن أنبه إلى ضرورة استبعاد الربط الشائع بين مفهوم الإعاقة و العجز ، فإن القصور عجز لا يمكن تجاوزه ، ولكن الإعاقة ليست عجزاً ولكنها حدث يمكن تجنبه ، والإعاقة ليست عيباً فى قدرة العقل ولكنها عيب فى فعل العقل المتعلق بتحصيل المعرفة والإفادة منها أو إنتاجها .
ولا ضير من أن يقف هذا العقل مع نفسه الوقفة بعد الوقفة لإعادة ترتيب أوراقه ، وإمعان النظر بعد النظر فى أدواته وإجراءاته ، و لكن العجيب حقاً أن يأتى فعل الإعاقة هذا من صوت يجهر بالانتماء ويرفع الصرخات من أجل إنقاذ العقل العربى ، أما صاحب الصوت فهو د. عبد العزيز حمودة ، وأما الكتاب فهو " المرايا المقعرة " ، وإذا لم يكن ثم عقل عربى إلا ضرَب فى هذه المظاهر بسهم ، حتى غدت هذه المظاهر مصاحبة للنشاط العقلى العربى بشكل واسع ، ولكن اتخاذى من كتاب " المرايا المقعرة " نموذجاً ليس راجعاً إلى أن الكتاب هو أكثر الكتب انطواء على مظاهر الخلل المشار إليها ، ولكن أيضاً ـ وهو الأهم ـ أن الكتاب ينطوى على تناقضات بين الدعوة والممارسة ، فلعل هذا الكتاب هو الذى جمع بين شتات أسباب الإعاقة وصورها أدق تصوير ، وليس ذلك بمعالجته لهذه الظواهر ، ولكن بتحقق هذه الظواهر بسلبياتها المختلفة فى معالجة الكتاب نفسها ، وتتمثل أهم هذه المظاهر ـ فيما أرى ـ فى الآتى :
ـ القطيعة المعرفية
ـ التركيز على السلبيات
ـ خلل المنطلقات

*****

وإذا كنت فى معالجة هذه المظاهر اتخذت من كتاب المرايا المقعرة نموذجاً فإننى لا أتهم مؤلف الكتاب بالخداع والمخادعة ، ولكننى ـ فقط ـ أنبه إلى مخادعة الفكرة فى ذاتها ، بل لعلى لا أبالغ إذا زعمت أن مؤلف الكتاب نفسه ربما وقع فى شرك خداع الفكرة ، وأرجو أن يحسُن بى الظن فإننى أعنى ما أقـول ، على الرغم من المآخذ الكثيرة التى أخذتها على المؤلف ، فكلنا قابل لأن يخطئ ويصيب ، ولكن إلى أى حد يُعذر الأعلام فى الوقوع فى أخطاء تتعلق بـ ( ألف باء ) النهج المعرفى ؟
إننى فقط أبرئ نفسى من اتهامه بسوء النية ، ولكن فيما يتعلق بالخطأ فلا أحسبنى ألتمس عذراً فيه ، قد تكون الفكرة فى ذاتها خادعة بما تنطوى عليه من تداخلات مع أبعاد عاطفية ونفسية متعددة ، ولكن لِمَ يعرض أحدنا نفسه من البلاء لما يطيق ؟
ومهما تعمدنا من وصم دعاة القطيعة بسوء النية فإن نتيجة حتمية من نتائج جهودهم لا نستطيع إنكارها خلاصتها : أن هذه الجهود هى التى فتحت العقل العربى على الثقافة الغربية ، وهى التى أسست ـ بلا شك ـ لاستنارة عقلية نرى القديم من خلالها وفى ضوئها وعلى هدى منها ، أرادوا ذلك أو لم يريدوه ، واعترفوا به أو لم يعترفوا ، واعترفنا به أو لم نعترف ؛ فما إنكار هذه الحقيقة سوى ضرب من التركيز المنحاز على سلبيات النشاط العقلى ، لتنحسر دونها إيجابياته التى لا تُنكر ، لنحيا حالة غريبة من الخداع العقلى .
إن العقل العربى ـ فى مأزقه الحالى ـ ليس بحاجة إلى أن يخرج عليه كل يوم من يحاول أن يستهلكه فى محاورة خادعة ، ولكنه بحاجة إلى طاقة فاعلة فى منحى التطور والتحديث ، أو سمِّه ما شئت ؛ لأن جهود الفاعلين فى تطوير فكرة أجدى على هذا العقل من منحى الوصاية التى يفرض بها أحد الباحثين نفسه كائناً من كان ، وهو بحاجة ـ قبل هذا وذاك ـ إلى الوعى بطريقه وتحديد أهدافه .
فعلى الرغم من أن " نظرية النظم " التى توهم صاحب المرايا أنه استنبطها استنباطاً ليست وليدة استنباطه فى العقل العربى الحديث ، فإن هذه النظرية ـ على أهميتها ـ لا تعد مناط الإبداع فى فكر عبد القـاهر الجرجانى ، ومن ثم الفكر العربى اللغوى والبلاغى القديم ؛ لأنها تأتى من قبيل المعرفة ( الجاهزة ) التى لا تعدو ـ وليس هذا إقلال من شأنها ـ أن تكون إحدى وسائل التخدير التى تؤدى إلى خمول العقل العربى ، والأجدى من أن نتعلم من القدماء فكرة محددة أن نتعلم منهم طريقة فى التفكير ، أى طريقة فى إنتاج الفكرة ؛ لأن النتيجة المأساوية لشرعية النظرية القديمة التراثية ، أو النظرية الحداثية الغربية ، هى أننا ـ فى الحالين ـ مستهلكون لمعرفة ، غير قادرين على إنتاجها .
ربما كانت كلمات عبد القاهر الجرجانى التى تؤسس لطريقة فى المعرفة أجدى ، وأجدر بالانتباه من نظريته ( الجاهزة ) التى أنتجها فى المعرفة ، وليس عبثاً أن يستهل د. جابر عصفور بحثه عن قراءة التراث النقدى : " مقدمات منهجية " بقول الجرجانى :
" واعلم أنك لا تشفى الغلة ولا تنتهى إلى ثلج اليقين حتى تتجاوز حد العلم بالشىء مجملاً إلى العلم بع مفصلاً ، وحتى لا يقنعك إلا النظر فى زواياه ، والتغلغل فى مكامنه ، وحتى تكون كمن تتبع الماء حتى عرف منبعه ، وانتهى فى البحث عن جوهر العود الذى يصنع فيه إلى أن يعرف منبته ، ومجرى عروق الشجر الذى هو منه " ( 3 )
إن هذه العبارة تلفتنا إلى طريقة فى المعرفة : كيف نفكر ؟ كيف نعرف ؟ كيف نبحث ؟ كيف ننتج الفكرة ؟
إنها طريقة فى إنتاج النظريات المعرفية كان من شأنها أن تخرج بالعقل العربى من مأزق التلقى السلبى لنظريات معرفية من تراث الأجداد أو من حداثة الآخر .
ولكنْ على الرغم من أن التفات عبد القاهر إلى أفكار تتعلق بمنهجية المعرفة أجدى من إنتاجه لمعرفة بعينها ، فإننا لم نلتفت إلى هذه الأهمية فى تعلُّم منهج التفكير ، وآثرنا السلامة فركنَّا إلى الأفكار المعدة نحفظها ونكررها ونشرحها ونلخصها ونلتمس لها الشواهد من هنا وهناك ، وبهرتنا الفكرة التى صادفت فينا رغبة استهلاكية قاصرة ، لا تختلف فى كثير أو قليل عن الهوس الاستهلاكى لمُنتَج الحضارة الغربية الحديثة من قِبَل المستهلك العربى ، ذلك المستهلك الذى يؤثر أن يحصل على المُنتَج جاهزاً من أن يبذل الوقت والجهد فى تحقيق الوعى بالطريقة
لقد هالنى يوماً أن سمعت أحد مذيعى مباريات كرة القدم يعلق على العربة الصغيرة التى تقوم بنقل اللاعب المصاب خارج الملعب إذ قال إننا شاهدنا هذه العربة فى مباريات دولية فطلبنا من المسئول استيرادها فسرعان ما وافق ، على حين أن هذه العربة يستطيع أى عامل فى إحدى الورش المتنـاثرة فى زوايا المدن والقرى أن يقوم بصنعها ، ولعلى لا أبالغ إذا زعمت أننى ـ بخبرتى التى قد لا تتجاوز درجة الصفر ـ أستطيع أن أقوم بصنعها ، إنه المنحى الاستهلاكى الذى ننجرف فيه ونحن مغيبون فى أكبر الأشياء وأصغرها .
إننا ـ فى الواقع ـ نحتاج إلى تعلم طريقة نعرف بها ما لا نعرف ، أكثر من حاجتنا إلى معرفة ( جاهزة ) ، وما تلقف نظرية ( جاهزة ) والارتكان إليها سوى نوع من الخمول العقلى ، وما أراد عبد القاهر ولا غيره من أسلافنا لنا هذا الموقف المهين .
ومن أثرى ملاحظات د. شوقى ضيف ( 1965 م ) فى إيجابيات التراث البلاغى تتمثل فى المعنى الإضافى ؛ وتكمن أهمية هذه الملاحظة فى جمعها بين العمق التاريخى والرؤية المعاصرة " فلم يأت حديث د. شوقى ضيف عن المعنى الإضافى عند عبد القاهر الجرجانى مجرد إشارة عابرة ، ولكنه التفت إلى أن هذا المعنى الإضافى يمثل جوهر البعد البلاغى للقول ، وقد أطلق عبد القاهر عليه " معنى المعنى " ، وقام بتحليل مفهومه فى حديثه المسهب عن نظرية النظم ، ففصاحة الكلام ينبغى أن تُرد إلى جمال المعانى الإضافية ... وينبغى أن يرد إلى هذه المعانى جمال الاستعارة والكناية ، ثم يستعرض د. شوقى ضيف المباحث البلاغية عند عبد القاهر فى ضوء ما تحققه من المعانى الإضافية ، وبذلك يُجلِّى فكرةَ جوهريةِ المعنى الإضافى فى تحقيق البعد البلاغى للقول .
وبذلك يحمل حديثه هذا دعوة إلى استثمار هذه الفكرة فى الدرس البلاغى الحديث بوصفهـا منطلقـاً لتحليل الظواهر البلاغية المختلفة ، ويُسهم فى إثراء التحليل النقدى ، ويتلاقى مع الرؤى الحديثة فى الأسلوبية والشعرية ، والحقيقة التى يجب أن نعترف بها فى وضوح هى أن د. شوقى ضيف بالتفاتته هذه وضع البلاغيين العرب المحدثين فى حرج شديد ؛ لأن أحدهم لم يأخذ نفسه باستثمار مقولة المعنى الإضافى حتى أتتنا من الآخر فيما أنتجه من معرفة حديثة عن علم الأسلوب والشعرية ونظرية إنتاج العلامة ، على الرغم من أن اتخاذ المعنى الإضافى منطلقاً لاستكناه الظاهرة البلاغية ينتج مفهوماً للبلاغة يجعلها تتلاقى مع مفهوم الأسلوبية " ( 4 ) .
أردت بهذا أن أدلل على أن نظرية النظم فى الفكر البلاغى واللغوى العربى التى تبلورت على يد عبد القاهر ليست مناط الإبداع فى هذا الفكر ، وقد اهتدى إلى هذا الملمح غير واحد من البلاغيين المحدثين منذ زمن بعيد ، ومنهم د. شوقى ضيف 1965 ، فإن قراءة كتابه " البلاغة تطور وتاريخ " تُثبت أن النظريـة ليست نظرية عبد القاهر الجرجانى ، ولكن ـ فقط ـ تبلورت على يديه ، كما تُثبت أن هذه النظرية ليست من اكتشاف صاحب المرايا ، كما تُبت ـ فى الوقت نفسه ـ أن فى التراث البلاغى نظريات غيرها جديرة بالتأمل والمساءلة ، قابلة للتطور والتحديث .





القطيعة المعرفية



( 1 )

لا نقصد بالقطيعة المعرفية هنا الوقوف عند حدود ما ذهب إليه د. عبد العزيز حمودة فى كتابه : " المرايا المقعرة ، ولكننا نقصد القطيعة المعرفية بمستوياتها الزمنية المختلفة ، أى القطيعة التى تضمنتها دعوة بعض الحداثيين مع التراث ، والقطيعة بين الأجيال المتعاقبة ، أو بين أبناء الجيل الواحد ، وبذلك نخرج من خصوصية الحدث المثار ـ الرد على د. حمودة ـ إلى عمومية القضية ، فليس الرد على الكتاب المذكور هو شغلنا الشاغل فى هذه الصفحات ـ كما ذكرنا ـ ولكنه مجرد مثير ، ولذلك فإننا نود الخروج من هذه الدائرة الضيقة المنحصرة فى دعوة بعض المعاصرين للقطيعة مع التراث ، فلأمر أو لآخر حدد د. حمودة القطيعة فى هذا الحيز الضيق ، الذى يترتب عليه ضيق الهدف المرجو من إثارة القضية ، والحق أن المشكلة والهدف معاً أكبر من هذا التحديد .
فما أود التأكيد عليه هنا هو أن هذه القطيعة ليست سوى وجه من أوجه القطيعة ، ومن ثم فإننا نطمح إلى نظرة أكثر اتساعاً للقطيعة المعرفية ، بوصفها أحد مظاهر إعاقة العقل العربى ، وبوصفها سبباً من أخطر أسبابه التى تتحقق فيها الذاتية بأنانيتها وغرورها ، تتنافى مع الرؤية الجمعية التى تتفاعل فيها العقول وكأنها وحدات عضوية فى بنية عقلية واحدة . والحق أن صاحب المرايا قد أخذها على الحداثيين وراح يمارسها مع المعاصرين ، ودافعنا إلى عدم الاقتصار على وجه واحد من أوجه القطيعة المعرفية يرجع إلى أن الدعوة إلى القطيعة المعرفية مع التراث ليست بأخطر من ممارسة القطيعة المعرفية مع المعاصرين ، فكلاهما قطيعة ، وكلاهما يمثل عزلة للعقل العربى ، وكلاهما يضع هذا العقل فى خطر عظيم .

( 2 )

قلنا إن موقف القطيعة الذى يرفضه د. حمودة نظرياً قد أخذ هو نفسه فى تأكيد وجوده ، وقد حملت بعض عباراته شهادة على تأكيد هذه الحقيقة ، يقول فى مستهل الكتاب : " موقفى المبدئى أن العقل العربى استطاع ـ فى وقت كان عقل أوربا أثناءه يغط فى سبات الجهالة ـ أن يقدم فكراً لغوياً ونقدياً كان من الممكن ـ لو لم تحدث فترة الانقطاع الطويلة من القرن الرابع عشر الميلادى حتى النصف الثانى من القرن التاسع عشر ، ولو لم نقم نحن ، فى انبهارنا بإنجازات العقل الغربى فى العصر الحديث ، باتخاذ موقف القطيعة الاختيارية والإرادية من تراثنا القديم ـ هذا الفكر كان يمكن أن يتطور إلى مدارس لغوية ونقدية كاملة النضج " ( 1 )
والحقيقة أن البكاء لا يكون على فترة الانقطاع الطويلة من القرن الرابع عشر الميلادى حتى النصف الثانى من القرن التاسع عشر ، ولكن الجدير بالبكاء هو الفترة من النصف الثانى من القرن التاسع عشر حتى يومنا هذا ؛ لأن هذه الفترة شهدت وعياً بحاضرنا كان الأجدر به ألا ينزوى فى أزقة الفردية الضيقة ، وألا يتقلص فى قوقعة الذاتية ، بل كان الأجدر به أن ينطلق فى منظومة معرفية تتغذى بنياتها ببعضها البعض ، لتفرخ فى دفء المجموع معرفة هادية للأجيال ، فينبغى أن نعى أن عدم الحرص على أن يخرج هذا الوعى الجمعى إلى حيز الوجود يمثل قطيعة بين المتعاصرين ربما جاءت أشد خطراً من القطيعة مع التراث .
فمن المغالطات التى انطوت عليها العبارة السابقة أنه يجعل الحكم عاماً شاملاً بالانبهار بإنجازات العقل الغربى فى العصر الحديث ، كما يجعله عاماً شاملاً باتخاذ موقف القطيعة الاختيارية والإرادية من تراثنا القديم ، فإذا كانت الدعوة إلى القطيعة ـ كما يزعم د. حمودة ـ تمت على يد بعض الحداثيين فمن هم الحداثيون العرب فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين ؟
ومن يقول بأن الدعوة إلى القطيعة المعرفية مع التراث ـ بزعم د. حمودة ـ بدأت من النصف الثانى من القرن التاسع عشر ؟
ولنتأمل : إلى أى حد بلغ التأثير السلبى لدعاة القطيعة المعرفية على العقل العربى الحديث ؟ وإلى أى حد بلغ التأثير السلبى لدعاة التمسك بإنجاز العقل العربى القديم ؟
لعل عاقلاً لا يجادل فى أن الأثر السلبى لدعاة القطيعة مع التراث والتمسك بإنجازات العقل الغربى حقيقة واقعة ، كما أن الأثر السلبى لدعاة التمسك التقديسى بإنجازات العقل العربى حقيقة واقعة أيضاً ، ولعل عاقلاً لا يجادل فى أن الأثر السلبى على العقل العربى للدعوة الثانية جاء أعمق ، ومن ثم أشد فى إعاقته وأفعل فيها ، ولِنتبين حقيقة ذلك ننظر نظرة إحصائية إلى المنجز الفعلى مما حبَّرته المطابع من أوراق فى الدعوتين .
لا شك أن الانفعال والغضب ساقا إلى خلط الأوراق فى موضوع من أخطر موضوعات حياتنا ، وربما فى منعطف تاريخى من أشد منعطفات حياتنا حرجاً .
ولست مع هذه الدعوة أو تلك فكلتاهما تمثل شكلاً من أشكال القطيعة والإعاقة ، ولكننى فقط أنبه إلى أن الأخطر من هذا وذاك هو قطيعة المتعاصرين التى جعلت الجهود المعرفية تتسم بالفردية والذاتية ، فلا تتواصل فيما بينها ، وإذا ظهر نبوغ فى النشاط العقلى العربى فإنما يظهر طفرة ربما لا تقبل التكرار ، ولعل فيما ذهب إليه د. حمودة فى عبارته السابقة اعترافاً صريحاً بأن العقل العربى قام بنشاط فكرى فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر حتى الآن ، تقترن به إشارة ضمنية إلى أن د. حمودة نفسه لم يُعر هذا النشاط الاهتمام الذى يُجلى فاعليته ؛ ليكون كتابه انطلاقاً إلى خطوة تالية ، فأين التفاعل المعرفى مع هذا النشاط فى كتاب المرايا المقعرة ؟
لعل الدعوة الأكثر حضوراً فى كتاب الدكتور عبد العزيز حمودة هى الدعوة إلى التواصل المعرفى مع الذات ( التراث ) ، تلك الدعوة التى تتضمن وجهاً آخر يأخذ بعداً تحذيرياً من القطيعة المعرفية ، وقد انشغل د.حمودة وشغلنا برفض الدعوة للقطيعة المعرفية التى أسرف فى التدليل على وجودها عند بعض الحداثيين العرب ـ على حد تعبيره ـ وإذا هو يمارس القطيعة فى ذاتية خانقة تجاهل معها الجهود المبذولة من الباحثين فى الدراسات النقدية والبلاغية ، يقول مكرراً تعميم الأحكام التى لا تتسم بالدقة والموضوعية : " فى انبهارنا بإنجازات العقل الغربى الحديث ، أدرنا ظهورنا بالكلية ، أو بدرجـات متفاوتة ، لتراث البلاغة العربية ، وكنا حينما نعود إلى تلك البلاغة ، فى أفضل الحالات ، نفعل ذلك من منطلق الدراسة الأكاديمية التى تنتهى فوق أرفف المكتبات " ( 2 )
وما دام قد رأى جهود سابقيه ومعاصريه بهذه الدرجة من الضآلة فلا عجب أن يرى جهده ولا يرى شيئاً آخر معه ، فرأى أنه البادئ لهذه الدعوة إذ يقول : " ويكفينى شرف إثارة الرغبة ، رغبة الآخرين ، فى إعادة قراءة تراثنا العربى فى النقد والبلاغة ولو بقليل من الإنصاف وكثير من عدم الانبهار بمنجزات العقل الغربى " ( 3 )
ولست أنكر أن هذه السمة لم ينفرد بها كتاب المرايا المقعرة ، ولكنها هى السمة الغالبة على العقل العربى كما هو واضح من المؤلفات العربية ، وتتحدد هذه السمة فى فردية الجهود المعرفية وذاتيتها ، ولافرق بين أن يكون الدافع وراء ذلك هو النزعة الفردية الذاتية التى ينزع الباحث فيها إلى إثبات وجوده ، فيضرب الذكر صفحاً عن معاصريه وسابقيه من المحدثين ، أو يكون بغرض الدعة والراحة من عناء البحث والاستقصاء والقصور فى التواصل ، والخطورة الحقيقية أن مؤلف المرايا جعل من عدم معرفته مبرراً للبداية من جديد ، على حين أنه فى الحقيقة قصور فى التواصل المعرفى ، فإقامة علم أو إنضاجه والتأسيس لنظرية متكاملة أمر يحتاج إلى تأمل وتدبر وطول معايشة لأصول هذا العلم ، واستقراء كامل لجهود السابقين فى هذا المجال ، ولاشك فى أن ذلك يُحمِّـل الكلِـفَ به العناءَ الكثير ، أما صاحب المرايا فقد أغفل جهوداً جادة ليأخذ بأيدينا إلى التأخر فى منطقة طرح السؤال الذى نعد بحق قد تجاوزناه ، ولكنه ـ ربما ـ لا يعرف ، فبينما يقبع د. حمودة فى منطقة تحديد الهدف بإثارة التساؤلات التى تحاول إقناع الباحثين والدارسين بجدوى الهدف ، نجد أن الهدف قد تحدد عند أناس مخلصين لهويتهم قد تجاوزوا منطقة التحديد والاقتناع إلى الممارسة الفعلية التى أنتجت بالفعل دراسات وكتباً .

( 3 )

تمخض الجهد الذى بذله صاحب المرايا فى استنباط نظرية لغوية عربية عن نظرية النظم المعروفة تماماً لدى طلاب المرحلة الجامعية ، والتى تم عرضها بتحليلات كثيرة على يد أعلام لا يُعذر بجهلهم باحث ، فقديماً جداً عرض د. شوقى ضيف ( 1965 م ) لنظرية النظم فى كتابه : " البلاغة تطور وتاريخ " ، " فأرجعها إلى أصولها الأولى عند المعتزلة ، وناقش آراء الجُبَّائى والقاضى عبد الجبار فى الفصاحة لافتاً إلى أن مفهوم الفصاحة الذى حدده القاضى عبد الجبار يلتقى مع مفهوم عبد القاهر للنظم ، ومشيراً إلى شيـوع مصطلح النظم فى بيئة الأشاعرة ، فقد ذكره الباقلانى من قبـل ، بيد أن تبلور النظرية بصورتهـا الجليـة التى عرفت بها لم يتم إلا على يد عبد القاهر الجرجانى " ( 4 ) .
ولكننا ـ مع ذلك ـ لا نرى من أثر لمناقشات د. شوقى ضيف فى كتاب المرايا المقعرة ، على الرغم من أن د. شوقى ضيف 1965م قد نفذ إلى أفكار حول نظرية النظم أعمق بمراحل من الأفكار التى ذكرها د. حمودة 2001 م ، وعلى الرغم من أن مناقشة د. شوقى ضيف خالصة فى هويتها لا تشوبها شائبة من شوائب الإشارة إلى الآخر ، أىّ قطيعة تلك التى يزعم صاحب المرايا أنه يتصدى لها ؟ " والطريف أن مؤلف المرايا المقعرة تلقى تعليماً غربياً ! " ( 5 ) .
إن مظهراً من مظاهر استخفاف المؤلف بفكره يكمن وراء هذه الشكل من أشكال القطيعة المعرفية الجديدة ، فإن جزءاً من احترام أى مؤلِّف لفكره يتمثل فى أن يضع هذا المؤلف فكره فى موضعه الذى أراد ـ ما دام يصدر عن إرادة ـ بين فكر السابقين والمعاصرين ، ليكون فى هذا بيان للاحقين ، وبهذا تتحقق للفكر عضويته الفاعلة فى البنية المعرفية للنسق الذى ينتمى إليه المؤلف ، وما يخالف هذا السلوك يصدر عن أحد أمرين : فإما أن يكون صادراً عن استهانة المؤلف بالعناصر العضوية الأخرى المعاصرة له ، الرافدة لهذا النسق المعرفى ، فيراها منعكسة فى مرايا مقعرة ، ويراها من التضاؤل بحيث لا تستحق أن يدخل معها فى بنية واحدة ، فيصدر عن ذات متضخمة ترى نفسها فى انعكاسات مرايا محدبة ، ومن ثم يُسلمه الأمر إلى قطيعة خانقة ، وإما أن يكون صادراً عن عدم معرفة بهذه الجهود ، ولكن النتيجة واحدة فى الحالين .
إن العقول القادرة على الدخول فى منظومة معرفية لا تنظر إلى المعرفة نظرة اجتزائية هدفها التحصيل الكمى ، ولكن العقل العربى الحديث كان فى أكثر ممارساته بمعزل عن هذا السلوك المنهجى ، إننا قادرون على أن نعرف ما تم إنتاجه بفعل عقل آخر ، وقادرون على أن ننقل هذه المعرفة إلى غيرنا ، ولكن إلى أى حد نقدر على الدخول فى منظومة فكرية تتجاوز الفردية والذاتية وتفكر للأمام ؟ ومن الطريف أن يفعل هذا من تلقى تعليماً غربياً .
إن السمة الغالبة فى المؤلفات الغربية أن يذكر المؤلف الآراء السابقة عليه مع التركيز على تاريخ الآراء التى يعرضها لغيره ، وهو بذلك يصادف هدفين منهجيين على درجة كبيرة من الأهمية والخطورة فى بنية المنظومة الثقافية والمعرفية ، بل فى بنية الحضارات ، فهو يحدد لنفسه ـ أولاً ـ موضع الفكرة الشاغرة التى ينفذ منها لطرح فكرته لتسـاهم فى بنية المنظومة المعرفية التى رفدت فكره واستقى منها معرفته ، لينعطف عليها منتجاً لفكرة جديدة ـ مهما كانت يسيرة محددة ـ تدخل فى بنية المنظومة ، ليتم التواصل والاستمرار ، وهو ـ ثانياً ـ فى تحديده لزمن إنتاج الأفكار السابقة عليه يحدد ملامح الأفكار مؤرِّخة للنشاط العقلى عند أصحابها بتحولاته ومغايراته ، وربما بتناقضاته أحياناً ، ليصبح هذا التحديد الزمنى تحديداً لحركة المنظومة المعرفية بشكل عام ، وبذلك تتحدد فى بساطة ويسر تطورات الرؤى ، وموضع المؤلف بين هذه التطورات .
هذا البعد المنهجى غائب ـ أو يكاد ـ عن المعرفة العربية حتى فى الأبحاث الجامعية التى تُنال بها أرفع الدرجات العلمية ، بل ربما غابت فى بعض أبحاث الترقى ، وكأن عامل الزمن ورصد حركة العقل خلاله ليست من الأهمية عندنا فى شىء ، ولا شك أن هذا المظهر من أخطر أشكال القطيعة المعرفية التى لم يُعرها صاحب المرايا أى اهتمام على المستويين النظرى والتطبيقى فقد جاء كتاب المرايا المقعرة ـ من هذه الوجهة ـ مهلهلاً ، " والطريف أن مؤلف المرايا المقعرة تلقى تعليماً غربياً ! " ، وسنقف عند بعض نماذج إنجاز العقل العربى الحديث فى هذا المجال .

( 4 )
إن صاحب المرايا يؤسس لقطيعة معرفية أشد عنفاً فى وقعها على العقل العربى من تلك التى يزعمها ، فلقد سبقه ـ بعدة عقود من عمر الزمن ترجع إلى بدايات الربع الثانى من هذا القرن ـ عدد كبير من المخلصين لتراثهم ، وقد ساروا بخطى متفاوتة ، وما يزالون ، نحو استثمار النظريات البلاغية القديمة وهم شاخصون إلى إفراز العقل الغربى فى هذا الحقل المعرفى ، وما غاب عنهم أنهم بصدد الحوار مع مقولات أسلافهم فى علم قال عنه هؤلاء الأسلاف أنه لم ينضج ولم يحترق ، والحق أن صاحب " المرايا " قصَّر فى التواصل مع هذه الجهود ، ويستوى هنا سوء النية وحسنهـا ، فهذه المؤلفات ليست من الضآلة بحيث تُغفل ، بل هى من الذيوع والانتشار والثراء بحيث لا يُعذر بتركها ، وبحيث تكون الإدانة بالقطيعة المعرفية و تجذير الإعاقة فى العقل العربى أقل اتهام يوجه إلى هذا السلوك .
لقد أغفل صاحب المرايا ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ جهود أمين الخولى المبكرة فى نقد النظرية البلاغية العربية ومحاولاته فى تقديم تصور بديل فى كتابيه " مناهج تجديد 1929 " و " فن القول " 1947م ، وقد ناقش د. سعد مصلوح آراء أمين الخولى وأحمد الشايب فى كتابه : الأسلوب 1939 ، فى بحثه " مشكلة العلاقة بين البلاغة العربية واللسانيات الأسلوبية " فى الندوة التى أقيمت فى نادى جدة الأدبى الثقافى 1988 م ، وقد طُبعت أبحاث الندوة ومناقشاتها فى مجلدين ، العدد 59 من كتاب النادى المذكور .
وقد صدر الكتاب بعنوان : " قراءة جديدة لتراثنا النقدى " وضم آراء أعلام الدراسات النقدية والبلاغية واللغوية من أنحاء الوطن العربى ، ولا غنى لمن يتصدى للكتابة فى التراث العربى من الوقوف على هذه الآراء ، ما دمنا ننشد تواصلاً معرفياً حقيقياً .
كما أغفل كتاب محمد مصطفى المراغى : " تاريخ علوم البلاغة والتعريف برجالها " 1950 ، وقد قام فيه بمناقشة التصورات التراثية فى الدرس البلاغى ونقدها .
ويعد كتاب د. شوقى ضيف : البلاغة تطور وتاريخ 1965 ، كتاباً تأسيسياً فى الدرس البلاغى العربى الحديث " لاشك أن الباحثين المحدثين فى الدرس البلاغى قد أفادوا منه فى قراءتهم للتراث البلاغى العربى وتتبع ظواهره وأعلامه ومؤلفاتهم ـ من ناحية ـ وفى استهدائهم بآراء د. ضيف المسائلة للدرس البلاغى العربى ، من ناحية أخرى .
فقد ميز د. محمد العمرى فى عرضه لمراحل الدرس البلاغى العربى الحديث بين مرحلتين : مرحلة السرد التاريخى وتلخيص محتويات الكتب ، وطابع هذه المرحلة هو السعى إلى المحافظة على الرؤية التراثية ، وهى تدخل فى هم إحياء التراث والتعريف به وتقريبه من القراء ، ومرحلة الكتابة من منظور حداثى لسانى واعٍ باختياره ومخلص له ، وفى رأيه أن كتاب " البلاغة تطور وتاريخ " أحسن من يمثل مرحلة السرد التاريخى وتلخيص محتويات الكتب إن لم يكن ممثلها الوحيد ، للعالم الكبير د. شوقى ضيف الذى اعتبره مدرسة قائمة الذات ، " مدرسة التمهيد " ، يقول : " إنى أقوِّم هذا الكتاب من منظورين : منظور المؤرخ ومنظور القارئ المنتـفع … إنه أحد الجسور البلاغية التى ينبغى إعادة صياغتها اليوم ، وتكميلها أو حتى ترميمها ، وبهذه القيمة المصادرية التمهيدية المدخلية يمتد فينا هذا الكتاب وهذه الكتابة ، ولكن أكثرنا يستهلكها سراً ، ويُنقصها جهراً ، والدليل على ذلك عدد الطبعات والمبيعات " (2) ولم يرد فى كتاب المرايا المقعرة ما يشير إلى أن المؤلف استهلكها سراً أو جهراً ، إن الكتاب ـ بلا شك ـ يمثل حلقة فى الدرس البلاغى تجدر بالبناء على هدى منها إذا كنا ننشد التفكير للأمام .
بل ماذا قال فى نظرية النظم ( ص 218 وما بعدها ) التى أفاض د. محمد زكى العشماوى فى تحليلها وربطها بمعطيات العقل الغربى الحديث فى كتابه " قضايا النقد الأدبى بين القديم والحديث ط3 1978 " ولم يأخذ نفسه بالتحقيق فى أول من أطلق على فكرة النظم عند عبد القاهر كلمة نظرية .
ولقد رجع ( ص 242 ) إلى دراسة محمد عابد الجابرى عن النحو فى المجلد 6 ديسمبر 1985 ، وهو المجلد الوحيد الذى رجع إليه من مجلة فصول ، وأغفل دراسة د. عبد القادر حسين أثر النحاة فى الدرس البلاغى 1970 ، ومن بعدها أغفل دراسة د. أحمد سعد محمد التى أفردها للحديث عن " الأصول البلاغية فى كتاب سيبويه 1990 " ، وماذا أضاف عن سلطة النحو ( ص 240 ، 241 ) بعد ما قاله د. مصطفى ناصف فى كتابه " النقد العربى نحو نظرية ثانية 2000 " ،
وماذا قال فى " النحو بين عبد القاهر وتشومسكى " ( ص 246 ، 247 ) بعد ما قاله د. محمد عبد المطلب فى دراسته بهذا العنوان بمجلة فصول مجلد 5 عدد أول 1984 ، وقد أغفل تماماً الدراسات النحوية للدكتور تمام حسان : الأصول 1991 ، اللغة العربية معناها ومبناها 1994، كما أغفل غيرها ، بل لقد أغفلت جهود د. محمد عبد المطلب على غزارتها : البلاغة والأسلوبية 94 ، قضايا الحداثة عند عبد القاهر الجرجانى 95 ، البلاغة العربية قراءة أخرى .
ومن المؤلفات التى جـاء كتاب المرايا المقعرة خالياً من الإشارة إليها : د. عبد الواحد علام : قضايا ومواقف فى التراث البلاغى 1979 ، د. مصطفى ناصف : " الصورة الأدبية 1958 " و" اللغة والبلاغة والميلاد الجديد 1992 " ، د. رجاء عيد : فلسفة البلاغة ط2 ، 1988 ، د. محمد العمرى : " بلاغة الخطاب الإقناعى " ، " البلاغة العربية أصولها وامتداداتها 1999 " ، د. سعد مصلوح : مشكلة العلاقة بين البلاغة العربية والأسلوبيات اللسانية 1988 ، د. منير سلطان : بلاغة الكلمة والجملة والجمل 1988 ، د. محمد خطابى : لسانيات النص 1988 ، د. صلاح فضل : بلاغة الخطاب وعلم النص 1992 ، د. جميل عبد المجيد : " البديع بين البلاغة العربية واللسانيات النصية 1998 " ثم " بلاغة النص 2000 " ، د. شوقى على الزهرة : " الأسلوب بين عبد القاهر وجون ميرى 1996 " ، ولقد انطلق كاتب هذه السطور من عمق التراث فى أبحاثه : " ظاهرة الاستقصاء فى الشعر الجاهلى 94 " و " قضية الطبع والتكلف فى التراث النقدى والبلاغى . قراءة جديد 95 " و " السؤال ، رؤية فى التنظير البلاغى 1996 "
لقد توهم د. حمودة أن حقل الدراسـات الأدبية ، النقدية والبلاغية من الغفلة بحيث يقبع مستكينـاً منتظراً المُخَلِّص الذى يهبط عليه من السمـاء بـ ( البراشوت ) ليمسح حصاد جهود باحثين مخلصين لجذورهم على مر السنين فى نمط من أنماط القطيعة المعرفية ، ويبدو أن د. حمودة قد أصبح شغوفاً بلعبة المرايا حتى غدت بالنسبة له ممارسة عملية وواقعاُ فعلياً ، فرأى نفسه فى المرايا المحدبة ورأى الباحثين فى حقل الدراسات البلاغية والنقدية فى مرايـا مقعرة ، ولا شك أن الرؤيتين تنطويان على قدر كبير من خداع المرايا .




التركيز على السلبيات


( 1 )

أو استهلاك الجهد والوقت فى التركيز على السلبيات الذى يستتبعه فى الغالب تجاهل الإيجابيات ، ولعل الكم الذى أفرده صاحب المرايا لانتقاد السلبيات أضعاف ما أفرده للحديث عن الإيجابيات الذى لم يخل من تداخلات لا تحصى فى الحديث عن السلبيات ، إذ يعد كتابه الأول " المرايا المحدبة " شكلاً من أشكال التركيز على سلبيات النشاط العقلى فى العصر الحديث ، ويأتى القسم الأول من كتاب " المرايا المقعرة " متناولاً القضية نفسها ، وكأنه إتمام لمؤلَّفه الأول .
ولعل أحد مظاهر التركيز على السلبيات يتداخل مع مظاهر القطيعة المعرفية ؛ لأن التركيز على السلبيات أخذ يتردد بين المؤلفات الحديثة فى البلاغة بشكل لافت ، حتى غدا توجيه النقد للنظرية البلاغية القديمة من الخصائص الملازمة لأى مؤلَّف يتناول الدرس البلاغى ، ومن ثم فإننا إذا نظرنا إلى الأمر باتساع وجدنا فى التركيز على السلبيات مظهراً من مظاهر القطيعة المعرفية .
ولا نقصد هنا ـ بالطبع ـ التركيز على سلبيات الدرس البلاغى القديم ، ولكننا نقصد التركيز على السلبيات بوجه عام ، فإن ما يشغلنا هو عموم القضية ، فإن صاحب المرايا قد نهج نهجاً فى التركيز على السلبيات يختلف فى شكله عن النهج الذى انتهجه كثير ممن تصدوا للبحث البلاغى ، وما الجمع بين النهجين هنا إلا لأن الآثار المترتبة عليهما واحدة .
فالحق أن هذه سمة لا تقتصر على صاحب المرايا وحده ، ولكنها تعد إحدى سمات العقل العربى ـ فى الغالب الأعم ـ التى سيطرت على هذا المجال المعرفى وربما على غيره من المجالات ، ولكن سبب حضور صاحب المرايا هنا أنه هو المتصدى للحديث عن العقل العربى والنظرية العربية اللغوية والنقدية .
وكأن المفكر العربى مدفوع بقوة نحو محاولة إثبات فساد رؤى الآخرين أكثر من محاولة خلق رؤى جديدة مبتكرة وتدعيمها ، وكأن هذا الهدف يلهيه عن أن يكون حلقة فى منظومة فكرية يتواصل فيها اللاحق بالسابق ، وربما جاء هذا نتيجة طبيعية للرغبة المسرفة فى محاولة إثبات الذات ، التى انحدرت بهذا العقل وتنحدر إلى مهاوى العقم والجمود .
وينبغى ألا يفهم أن ما نعنيه هنـا هو نفى النظرة النقدية لآراء السابقين ، لا ، لأن هذه النظرة النقدية ضرورة لا جدال فى أهميتها ، ولكنَّ ما نعنيه هنا بحق هو ألا تستهلك هذه النظرة النقدية الأجيال ، وتفنى الجهود على مر العصور ، ولنا أن نذكر ببالغ الأسف أن هذا الجهد الاستهلاكى هو الذى ما يزال يخيم على العقل العربى ، ومن ثم فهو فى الوقت نفسه من أعنف أسباب إعاقة العقل العربى .
فمنذ مطلع هذا القرن حتى يومنا هذا والآراء تتـشعب حول دراسة البلاغة العربية ، بين الهجوم عليها والدفاع عنها ، فى حوار بين طرفين متناقضين كبيرين يمثلان الاتجاهين الكبيرين فى دراسة البلاغة العربية ، وقد أفرز هذان الاتجاهان عدة آراء وأنتجا الكثير من المؤلفات ، ويمكننا أن نحدد هذين الاتجاهين بأنهما :
اتجاه التقليد ، واتجاه المساءلة والرفض
أما أصحاب الاتجاه التقليدى فقد انصرفت جهودهم نحو تكرار المقولات النظرية القديمة أو إعادة صياغتها ، أو تدعيمها ببعض الشواهد من الأدب الحديث .
وأما اتجاه المساءلة والرفض فيرى بعض أصحابه عدم صلاحية الخطاب البلاغى للوجود ، بوصف البلاغة أداة نقدية ، فهى عاجزة ، لا عن مقاربة النصوص والاضطلاع بمهمة تحليلها فقط بل عاجزة أيضاً عن الاستجابة لمحاولة التطور ، وبذلك يحمل هذا الرأى يأساً ، كما يحمل على يأس ، من صلاحية البلاغة و من إمكان تطورها فى آن واحد ( 1 ) .
وعلى الرغم من أن جانباً من جوانب هذا الاتجاه الأخير أكثر إيجابية فى موقفه من التراث البلاغى فإنه يحملنا على التساؤل : إلى أى حد وفق القائلون به فى تطوير الدرس البلاغى العربى ؟
ويصدق على التراث البلاغى ما قاله د. جابر عصفور عن موقف دراسات المحدثين للتراث النقدى :
" فإن أغلب الدراسات المتاحة عن التراث النقدى تكاد تتحرك فى منطقة واحدة ، محدودة ، من مناطق التراث النقدى ، وتنظر إلى مادتها نظرة جزئية ، تفصل الظواهـر عن سيـاقها ، وتعالج المعطيات معالجة نقلية ، اتباعية ، تقصر حتى عن الوصول إلى الآفاق الرائدة التى وصل إليها أمين الخولى أو طه حسين أو طه إبراهيم فى الثلاثينيـات من هذا القرن ، والنتيجة هى ما يمكن أن نلاحظه من تلفيقية المنهج ، وعشوائية المنظور ، ونقلية الفهم على نحو لا يمكن معه أن تعد هذه الدراسات " قراءة " بالمعنى الدقيق ، لأسباب متعددة أبرزها أن هذه الدراسات تخلو من أى وعى نظرى بموضوعها ، خلوها من أى تأمل نقدى لمنهجها " ( 2 )
الواقع أن محاولات التدليل والاستشهاد على ضيق أفق البلاغة وعجزهـا والتـأكيد على ضرورة تطويرهـا أكثر من محاولات التطوير نفسها ، فإن أكثر هذه المحاولات لم يقم على رؤية متكاملة فى نقد المنطلقات النظرية للبلاغة ، أو التأسيس لمنطلقات تقوم عليها الرؤية المطوِّرة ، فقد وقفت هذه المحاولات ـ فى الغالب ـ على بعض الملاحظات الجزئية مُتَقنِّعة بتحديث الشواهد ، وإن كنا لا ننكر أنه قد توفر لبعضها الرؤية الثاقبة الجديرة بالتأمل والدراسة ، ولكن أصحاب هذا المنحى النقدى قد ساروا فى اتجاه يعتمد على التأمل فى البلاغة التقليدية ويقوم على تسجيل الملاحظات على نقاط الضعف فيها .


( 2 )

لقد تحددت النظرة العربية فى رفض بعض نماذج التناول القديم دون البعض ، ولعل نظرة السكاكى ـ ومن تلاه من البلاغيين القدماء ـ كانت أكثر هذه المعالجات القديمة تعرضاً للنقد عند كثير من المحدثين ( 3 ) ، فقد وصفت بأنها " أولى الخطوات الواسعة بعد قدامة بن جعفر فى النزول بالبلاغة إلى هذا الدرك الذى ترى عليه البلاغة الآن " ( 4 ) ، ويحدد د. صلاح فضل موقف البلاغة القديمة بقوله : " إذا كانت البلاغة القديمة قد حاولت اكتشاف أنواع التعبير المختلفة وتسميتها وتصنيفها ، فإن هذه هى الخطوة الأولى المعتد بها فى إقامة جميع العلوم ، ولكن الملاحظ أنها وقفت بعد هذه الخطوة ... ولم تبحث عن الهيكل أو البنيـة العامة لهذه الأنواع المختلفة ، مما أدى بها إلى العقم والتجمد " ( 5 ) .
وقريب من الموقف العربى مجد موقف الغربيين من بلاغتهم ، فقد حدد ( إ.أ. ريتشاردز I.A. Richards ) هذا الموقف فى كتابه " فلسفة البلاغة The Phelosophy Of Rhetoric " بقوله : " إن البلاغة اليوم أكثر القفار إيحاشاً وأقلها فائدة عند المبتدئ فى اللغة الإنجليزية ، فقد انحطت حتى صرنا نفضل أن نطوح بها فى الجحيم عن أن نكلف أنفسنا عناءها ، مالم نجد سبباً يسعفنا على الاعتقـاد بأنها يمكـن أن تكون دراسة تستجيب للحاجات الضرورية بنجاح " ( 6 ) ، ولنا أن نتساءل : أيكون السبـب فى محـاولة الإبقاء على البلاغة ـ أو تطويرها ـ هو الحاجة إليها أم أنه مجـرد حرص ـ متذرع بروابط عاطفية ـ على التراث ؟ " من المؤكد أن تراثنا أو تراث الآخر ، ليس جوهراً نقلياً ، اكتمل دفعة واحدة أو دفعات ، فى الماضى ، فلم يبق سوى تكراره ، أو إلغائه وإنما هو بعض خبرة النوع الإنسانى المرتبطة بشروطها التاريخية ، والتى تقبل احتمالات الزيادة والتطور ، أو التغير والتحول فى الوقت نفسه " ( 7 ) .
وبذلك تكون تلبية الحاجة هى المبرر الوحيد للإبقاء على هذا الجانب من التراث (وفق مقولة ريتشاردز) كما أنها المبرر الوحيد أيضاً للإفادة من ثقافة الآخر وفق مقولة د.سعد مصلوح : " وعلينا حين نرهف آذاننا لتسمع أصوات العصر أن نجعل عيوننا وعقولنا على مشكلاتنا ، إذ لا قيمة عندنا لفكرة تستفاد من ثقافة أخرى ، إلا بقدر ما تلبى حاجة ، أو تحل مشكلاً ، أو تضىء سبيلاً " ( 8 ) ، والواقع أن هذه الضوابط غالباً لم تؤخذ فى اعتبار كثير من الباحثين ، الأمر الذى جعل الأهداف غير واضحة عند كثير من التقليديين والمسائلين على حد سواء .
ولكننا ـ مع ذلك نجد أكثر الكتب التى تُحبَّر فى دراسة البلاغة فى البيئة العربية فى العصر الحديث تقوم على الرؤية القديمة ولا تذكر هذه الرؤية بوصفها رؤية قديمة ولكن بوصفها هى الرؤية البلاغية فحسب ، بل راحت بعض المؤلفات تدافع عن هذه الرؤية وكأنها أمر عقائدى لا يخضع للتطور أو التغير ، وبذلك تصل إلى حد رفض التجديد ، وتصف الدعوة إليه بأنها " هجمات صبيانية وجهها المجددون " ( 9 ) .
ولنطرح هذا الموقف لحكم القارئ ، ولنحاول مناقشة بعض القضايا التى نهدف منها إلى تقويم المواقف الإيجابية ، ويتحدد أول هذه القضايا فى السؤال التالى : أهى بلاغة جديدة أم بلاغة مجددة ؟
إزاء مناقشة فكرة التطوير والابتكار فى البلاغة ينبغى أن يكون حاضراً فى ذهننا أن " هناك نوعين مختلفين من التقدم فى المعرفة : أحدهما يناظر نقلة جديدة ( حجة جديدة ) ضمن نطاق القواعد المستقرة ، والثانى يناظر ابتكار قواعد جديدة " ( 10 ) ، والواقع أن الاتجاهات المعاصرة فى دراسة البلاغة ليست قائمة بمعزل عن البلاغة القديمة ، يستوى فى ذلك المحاولات المبذولة لتطوير النظرية البلاغية ، أو المحاولات القائمة على نقد التصورات القديمة أو نقضها هادفة إلى إحلال رؤى جديدة محلها ، وقد ذهب الباحثون العرب وغير العرب فى التأكيد على هذه الحقيقة ، فيذهب ( ريتشاردز ) إلى أن البلاغة القديمة فيها " الكثير الذى يمكن للبلاغة الجديدة أن تنتفع منه ، والكثير أيضاً مما يمكن أن يكون مفيداً " ( 11 ) ، ويؤكد (بيير جيرو) على أن البلاغة أكثر العلوم القديمة انضباطاً ، " وأن أسلوبية التعبير كما صممها ( باللى ) قد نشأت عن البلاغة القديمة ولكن بطرق جديدة ، ولذا فإن دراسة البلاغة للصور ما تزال راهنة لم تتجاوزها دراسة أخرى حتى يومنا هذا " ( 12 ) .
كما نجد كذلك أن النموذج السيميائى المقترح عند هنريش بليت لتحليل النص يقوم على عناصر البلاغة الأوربية القديمة فى مكوناتها الكبرى ( التركيب ـ التداول ـ الدلالة ) ( 13 ) ، ويقدم بليت مبررين لعملية إعادة بناء البلاغة بوصفها منهجاً لتحليل النصوص : الأول ذو طبيعة تاريخية ، فهناك أمر أكيد وهو أنه على طول تاريخ وجود نظرية بلاغية فإن نصوصاً مختلفة ( خطب ومواعظ ورسائل وأشعار … ) تنتج حسب قواعدها ، فإذا ما استعملنا ـ بعد ذلك ـ المقولات البلاغية لتأويل تلك النصوص فإننا سنساهم فى كشف تركيبها الشكلى القصدى ، فما كان متصوراً عن طريق الفكر والتعابير المعيارية أمكن إدراكه اليوم بفضل الوصف العلمى ، إن وظيفة المنهج البلاغى المطبق بهذا الشكل تكمن فى إعادة البناء ، إنها تجد موقعها فى الهرمنيوطيقا التاريخية ، الثانى : ذو طبيعة جوهرية ومنهجية ؛ فقد أظهر النسق البلاغى ـ عبر قرون ـ قابلية للاستمرار ، بل ومرونة تسمح بالتمادى فى تطبيقه على نصوص جديدة " ( 14 ) .
وينطلق (ر.برادفوردR.Bradford ) فى كتابه : " الأسلوبية Stylistics" واضعــاً فـى اعتبـاره البلاغـة بوصفهـا الجـذور التاريخيـة للدرس الأسلوبـى ( 15 ) .
ويلفت د. محمد العمرى إلى خصائص يمكن استثمارها فى البلاغة العربية القديمة بقوله : " إن المتأمل لنشأة البلاغة العربية وتطورها سيلاحظ كيف أن حضور المخاطب قد أدى إلى كثير من الظواهر التى تستحق التسجيل وتدعو إلى إعادة قراءة التراث البلاغى العربى ومساءلته وتصنيفه من جديد ، إذ سيلاحظ وجود بلاغتين متمايزتين ومتكاملتين : بلاغة الخطابة وبلاغة الشعر " ( 16 ) .
ويؤكد د. محمد عبد المطلب على أن " صلاحية البلاغة القديمة لأداء مهمة نقدية لا تقل أهمية عن الدراسة الأسلوبية ، مع بعض الإجراءات التعديلية التى تعطى لأدوات البلاغة طـاقة تحليلية قادرة على التعامل مع السطوح والأعماق ـ ثم يقرر ـ بل أكد لى أن كثيراً من الدارسين الأسـلوبيين والبنيويين لا تفترق أدواتهم عن الأدوات القديمة إلا فى المسميات فحسب ، مع إعطاء هذه الأدوات طاقة شمولية بجانب إجراءاتها الجزئية " ( 17 ) ، بهذا التقديم يتأكد لنا ضرورة ارتبـاط التجديد بالمنطلقات القديمة ، الأمر الذى يستلزم منا الانتباه إلى خصوصيات فى البلاغة العربية ـ سلبية أو إيجابية ـ لا يكفى معها أن نتمثل المناهج الغربية الحديثة فى خطواتنا الطامحة إلى تجديد الدرس البلاغى العربى .

( 3 )

نقد التصورات البلاغية القديمة
بين القطيعة المعرفية والتركيز على السلبيات
يتضح لنا مما سبق أن بعض محاولات التجديد فى البلاغة تنطلق من نقاط الضعف والقصور فى البلاغة القديمة ، الأمر الذى جعل الأنظار تتجه إلى التركيز على بيان أوجه القصور فى البلاغة القديمة ، ولعلنا لا نجانب الصواب إذا ذهبنا إلى أن هذا التركيز كان أكبر هَمِّ الدراسات البلاغية العربية الحديثة ، مما جعل التجديد المبنى على رؤية عربية خالصة يسير ببطء منذ محاولات أمين الخولى ، ومن ثم كانت محاولات التدليل على بعض مواطن الخلل فى الدرس البلاغى القديم والتأكيد على ضرورة تطويرها أكثر من محاولات التطوير نفسها ، الأمر الذى ينبغى أن يدفعنا إلى ضرورة تجاوز هذا الموقف لما فيه من ثبات لا يقل خطورة عن الثبات فى دائرة التقليد الخالصة ,
وتتمثل أكثر أوجه النقد تكراراً فى تناولات الدراسات البلاغية الحديث فيما يأتى :
النظرة الاجتزائية
لا ندافع فى أن النظرة الاجتزائية سيطرت على التراث البلاغى تنظيراً وتطبيقاً ، بحيث يقل أن نجد معالجة لنص كامل فى التراث البلاغى ، وبذلك أصبح التنظير البلاغى تنظيراً للشاهد و المثال ، وقد كانت التفاتة أمين الخولى إلى انحصار البحث البلاغى القديم فى حدود الجملة مبكرة ، إذ نبه إلى أن " البحث فى علم المعانى إنما هو بحث فى طرفى الجملة ـ المسند والمسند إليه ـ وتوابعهمـا ... وفى أبحاث البيان لا تجوز دائرة الجملة أيضاً ، إلا أن تكون جملاً متماسكة فى أداء معنى واحد ... أما وراء بحث الجملة فلا تجد شيئاً " ( 18 ) ، وقد أشار فى " فن القول " إلى أن " دائرة بحث البلاغة محدودة بالألفاظ مقصورة على الجمل ، ومهما كثرت الجمل فإنها تكمل معنى يجتمع فى جملة واحدة " ( 19 ) .
وإذا كان أمين الخولى قد التفت إلى هذه الملاحظة فى الثلاثينيات من القرن العشرين فإن هذه الملاحظة نفسها أخذت تتردد بين أيدى البلاغيين بعده حتى نهاية هذا القرن ، ولكن من الحرى بالإشارة أن واحداً من هؤلاء البلاغيين لم يُشر إلى سبق أمين الخولى ، ومن ثم لم تلق هذه الأقوال من يتقدم بها خطوة تتجاوز بها موقف الرصد والنقد ، وبذلك ركنت الدرس البلاغى إلى التكرار والترديد لهذه المآخذ ، فوجدت دعوة أمين الخولى صداها فى ترديد عقيم لدعوته دون الاضطلاع بمهمة التنفيذ التى تتقدم بها عن الخطوة الأولى ، فدار بذلك الدرس البلاغى فى فلك التفكير فى المكان ، وضاعت جهود البلاغيين فى التركيز على السلبيات الذى يحمل فى طيه مظهراً من أقوى مظاهر القطيعة المعرفية فى هذا المجال .
وقد تكررت الإشارة إلى هذا الجانب السلبى عند د. شوقى ضيف فى كتابه : " البلاغة تطور وتاريخ " إذ بيَّن أن البلاغيين القدماء " صبوا عنايتهم على الكلمة والجملة والصورة " ، ويذهب فى تعليل ذلك إلى أنهم " قصدوا بقواعدهم تعليل بلاغة العبارة القرآنية وما تحمل من خصائص تعبيرية وصور بيانية ، وأيضاً من الأسباب التى دفعتهم فى هذا الاتجاه طبيعة شعرنا القديم ، إذ كان فى جملته وجدانياً غنائياً يجرى فى أسلوب عام واحد سواء فى معانيه أو فى صوره وأخيلته وصيغ تعبيره وتعارف الشعراء على أن كل بيت فى القصيدة وحدة مستقلة ، وهذه الوحدة هى أساس البلاغة والجمال الفنى ، وبذلك لم توجد فى محيط الشعراء ولا فى محيط البلاغيين نظرة شاملة عامة للقصيدة ، بل ظلت نظرتهم تنصب على الجزئيات وأفراد الأبيات والعبارات " (20) ، وقد أشار إلى سبق عبد القاهر الجرجانى إلى ملاحظة الربط بين الفقر وبحث الصلة بينها ، ولكن البلاغيين لم يستغلوها بعده .
كما تكررت الإشارة نفسها عند د. رجاء عيد ، وقد جاءت معالجته إيجابية فى جمعها بين الرؤية النظرية وبعض المعالجات التطبيقية فى الوقوف على " بلاغة القصيدة التى تتفوق على شرائط البلاغيين وتستطيع بمتابعة تلك الأدوات فى القصيدة وتداخلها فى البناء الفنى أن تثرى ثراءً فنياً يمتزج بالمضمون " ( 21 ) .
كما يشير د. محمد عبد المطلب إلى الملاحظة نفسها بوصفها شاهداً على قصور البلاغة العربية عن إدراك النص فى بنيته المتكاملة المترابطة إذ " لم تحاول الوصول إلى بحث العمل الأدبى الكامل ، كما لم يتسَنَّ لها دراسة الهيكل البنائى لهذا العمل " ( 22 ) .
ولعل د. صلاح فضل لم يتجاوز التركيز على هذا الجانب السلبى إذ يقول : " إن المعيار البلاغى الذى يقاس عليه الشعر والأدب ويعرض على محكه الإنتاج الإبداعى ... كان يعتمد على الشاهد الذى يتم اختياره بشكل عشوائى متعسف ، يتوالد ويتردد من مؤلف لآخر ، دون محاولة لإقامة التوازى بين النظرية والتعبير " (23 ) .
وإذا عدنا إلى مقولات أمين الخولى وجدناه ( 1929 م ) يجهر بالدعوة التى كان من شأنهـا أن تنتقل بالدرس البلاغى العربى إلى آفاق أرحب ، إذ يرى أمين الخولى فى النموذج النظرى الذى قدمه بوصفه الصيغة الجديدة التى يقترحها " توسعة دائرة البحث وبسط أفقه ، فلا يقصر على الجملة كما كان فى القديم ، من عمل المدرسة الكلامية ، الذى لم تأت المدرسة الأدبية بعده بشىء ذى غناء ، فإننا اليوم نمد البحث بعد الجملة إلى الفقرة الأدبية ، ثم إلى القطعة الكاملة من الشعر أو النثـر ، ننظـر إليها نظرتنا إلى كل متماسك ، وهيكل متواصل الأجزاء ، تقدر تناسقه ومجال أجزائه ، وحسن ائتلافه ، ونتحدث فيما لابد منه فى هذه النظرات من شئون فنية " (24 ) .
وإذا كان ثم تواصل معرفى فى الدرس البلاغى المعاصر فلا نكاد نظفر به إلا عند د. سعد مصلوح فى دراسته : " مشكلة البلاغة العربية واللسانيات الأسلوبية " إذ يربط مقترحه بما قال أمين الخولى ، ناقداً بعض أوجه القصور التى رآها فى معالجات أمين الخولى ، كاشفاً عن الإيجابيات التى وجدها فى محاولة الخولى ، وسأضع بين يديك تعليقه فيما يخص النظرة الاجتزائية ، والدعوة إلى تجاوز بلاغة الشاهد والمثال :
" على أنه يبقى من صيغة الخولى تلك اللفتة الرائعة الداعية إلى مجاوزة البحث البلاغى مستوى الجملة إلى مستوى ما وراء الجملة فى الفقرة والنص ، ويزيدنا عَجَباً منها وإعجاباً بها أن ذلك كان منه فى تاريخ متقادم يعود إلى عام 1931 ، وأَعْجبُ كيف مرت هذه الدعوة ، ولم تجد لها من صدى على صعيد النظر إلا فيما كتبه رصيفه " أحمد الشايب " فى كتابه " الأسلوب " الذى صدرت طبعته الأولى عام 1939 ، أما على صعيد التطبيق فلم نعثر لها على أثر ، وكانت هذه الفكرة حَرِيّة ، إذا وجدت من يتابعها من اللسانيين والبلاغيين ، أن تحدث ثورة فى الدرس اللسانى والبلاغى فى العربية ، تنتقل به من " نحو الجملة " و " بلاغة الجملة " إلى " نحو النص " و"بلاغة النص" ، والمرء يكون أشد إحساساً بعظمة هذه اللفتة حين يعلم أن هذه الفكرة لم تكن قد تحددت لها قسمات وملامح واضحة فى أدبيات الدرس اللسانى فى أوروبا حتى ذلك الوقت ، إذ يرجع تاريخ أول مقال معروف نصب نفسه لدراسة البنية النحوية فى النص إلى عام 1952 ، وكان كاتبه هو زيليج هاريس Zellig Harris اللسانى المخضرم ، الذى كان من صناع النقلة من المنهج الوصفى إلى التوليدية التحويلية فى اللسانيات الأمريكية .
وتبدو أصالة الفكرة عند الخولى واضحة فى التماسه العلة لانحصار البحث البلاغى داخل أسوار الجملة لا يتعداها إلى ما وراءها ، إذ يربط بين ذلك وبين رؤية السكاكى للصلة الوثيقة بين المنطق والبلاغة ، وتسويته بين عمل صاحب البيان وصاحب الاستدلال ، يقول الخولى :
( أما وراء بحث الجملة فلا تجد شيئاً ، بل تجد أن الأبحاث التى كان المرجو لها أن تتجاوز الجملة قد وردت إليها ,أُلزِمت حدودها فقط ، فالبحث فى الإيجاز والإطناب والمساواة مثلاً كان يصح فيه النظر إلى غرض الأديب كله ، وكيف تناوله ، وهل أسهب فى ذلك أو أوجز .. ، لكنهم لم ينظروا من ذلك إلا إلى الجملة أو ما هو كالجملة ، وراحوا يفاضلون بين جملة " القتل أنفى للقتل " ، وجملة " فى القصاص حياة " ، كذا بعدد حروفهما ، فهذا التضييق فى دائرة بحث البلاغة أَثَرُ تسويتها بالاستدلال ، ورجعها إلى المنطق ، وأخذها بنظامه بعدما اشتدت الصلة بينهما ، وزاد عليها ضغطه ) .
تلك إذن ـ فى رأينا ـ لفتة رائعة لعقل يقظ ، فلله هذا العالم الجليل ، أىَّ رجل كان ! . ولا يخدش إعجابنا بما تقدم أن محاولة رد الأمر فيما كان من انحصار البحث البلاغى فى إطار الجملة إلى ارتباط البلاغة بالمنطق وزيادة ضغط عليها ـ ليس لها ما يصدقها من تاريخ الدرس النقدى والبلاغى والنحوى ، فالمدار فى كل هذه العلوم كان منذ بدايتها الأولى ، وما يزال فى الغالب الأعم على الشاهد والمثال من بيت أو أبيات قليلة أو جملة ، ومن الظلم أن يحتمل السكاكى ومن سماهم الخولى علماء المدرسة الكلامية الفلسفية وحدهم إِصْرَ هذه المعالجة الجزئية ، فهم إنما ساروا على تقليد راسخ الجذور لم يأتوا به من عند أنفسهم ، بل إن تجاوُز التحليل اللسانى حدود الجملة إلى النص هو ، كما ذكرنا ، من إنجازات اللسانيات الحديثة ، ولم ينشط فيه البحث نشاطاً ملحوظاً إلا فى العقدين الأخيرين لأسباب كثيرة ليس هنا مجال تفصيلها " ( 25 ) .



التعالى المعيارى
لقد كانت المعيارية أحد أوجه القصور التى سيطرت على الرؤية البـلاغية الغربيـة القديمة ، إذ كانت هذه البلاغة " تصدر عن تصور معيارى " (26 ) بوصفها فناً للإقناع يهتم بوضع الأسس التى تُمَكِّن المتحدث من تحقيق غايته الإقناعية ( 27 ) ، بيد أن ما يصدق على البلاغة الغربية لا يصدق بالضرورة على البلاغة العربية ، وهذا ما لم يتنبه إليه بعض الأعلام العرب المحدثين ، إذ لم يراعوا الاختلاف فى المنشأ بين البلاغتين ، كما لم يتنبهوا إلى اختلاف دواعى هذا المنشأ .
فقد أشار د. عبد السلام المسدى ـ على سبيل المثال ـ إلى التعالى المعيارى بوصفه مأخذاً ، ولم يشر إلى الفوارق بين البلاغة العربية والبلاغة الغربية ، فجاءت تعليقه مطلقاً : " إن المحرك للتفكير البلاغى قديماً يتسم بتصور ( ماهىّ ) بموجبه تسبق ماهيات الأشياء وجودها " ( 28 ) .
وقد أشار د. صلاح فضل إلى أن الانفصام بين الظاهرة والقاعدة نتج عن اتخاذ البلاغة ذلك الطابع المعيارى الناتج بدوره عن الطابع المثالى الذى كان مسيطراً على العلوم فى هذه العصور مشيراً إلى وجوب اختفاء هذه النظرة المعيارية المتعالية لأنها " لم تعد تتوافق مع روح العلم الذى تطور مفهومه بحيث أصبح يعتمد على التجريب ... ، واختفى منه الأساس المعيارى التقويمى اختفاء كلياً ليحل محله الشرح والتفسير ومتابعة الظواهر فى تشكلها وحراكها والبحث عن وظائفها المتعددة ، كل ذلك قد آذن بانتهاء عصر التعريفات المنطقية القبلية الدائمة بشكل لا رجعة فيه " ( 29 ) .
وبذلك يتحدد المأخذ على البلاغة العربية فى الانفصام بين الظاهرة والقاعدة ، وبذلك أيضاً يتخذ التعالى المعيارى فى البلاغة العربية مفهوماً آخر مختلفاً عن المفهوم الذى يعنيه فى ارتباطه بالبلاغة الغربية ، ولكننا نجد هذا المأخذ أيضاً يتردد ويتكرر فى كتب المحدثين بشكل يؤكد منحى التركيز على السلبيات فى العقل العربى الحديث .
فقد أشار د. رجاء عيد إلى تجاوز الأداء الفنى لحدود القاعدة ، فقدرة الفنان على استعمال بعض الأدوات البلاغية " قد تتجاز كل مايظن البلاغيون أنهم أحاطوا بأبعاده " ( 30 ) ، ويأخذ فى تحليل بعض النصوص التى تدلل على ذلك معقباً بالتنبيه إلى تفـوق الظواهــر البلاغيـة فـى الاستعمـال الفنـى " عمــا حصـره البلاغيون من أغراض مقننة " ( 31 ) ، مما يجعل المعيارية البلاغية تصطدم بالأداء الفنى ، أو تقف عاجزة حياله .
ويذهب د. محمد عبد المطلب فى تعليل هذا البعد المعيارى التقعيدى فى البلاغة العربية القديمة إلى " عجزهم عن الربط بين التوصيف الشكلى للثنائيات ، والبنية الحقيقية للنص الأدبى " ( 32 ) .
تقسيم البلاغة إلى ثلاثة علوم هى :
البيان والمعانى و البديع
ويعد أمين الخولى أبرز المحدثين الذين تصدوا لنقد هذا التقسيم ، إذ جعله من أوجه التخلية التى يجب طرحها عن الدرس البلاغى بقوله : " ومن التخلية أيضاً إلغاء تقسيمهم الثلاثى لفروع البلاغة جملة : المعانى ، والبيان ، والبديع ؛ وهذا التقسيم فى الحقيقة ثنائى ، فالبديع ليـس إلا تابعـاً ، وإنمـا نلغـى هذا التقسيم الثنائى لأسباب فى نقدهم هم لهذا التقسيم ، ثم لأسباب فـى النظرة الجديدة ، فأما ما فى القديم من ذلك ، فهى أنهم يديرون هذا التقسيم على اعتبارات ضعيفة ، قد وَهَّنوا من أمرها فى قديمهم ؛ فملحظهم فى هذا التقسيم أن علم المعانى يبحث فى المركبات الموزونة وغيرها عن إفادتها لمعان فوق المعنى الأصلى ، وعلم البيان يبحث فى مراتب هذه الإفادة الثانية فى الوضوح ، فثانى البحثين يترتب على الأول ، وهم يقدمون المعانى على البيـان ، لأنه بمنزلة المفرد من المركب ، إذ أن رعاية المطابقة لمقتضى الحال ، وهى مرجع علم المعانى ، معتبرة فى علم البيان مع زيادة شئ آخر ، وهو إيراد المعنى الواحد فى طرق مختلفة ... وما دام الأمر كذلك ، فالدائرة المرسومة للبحث على غير هذا الأساس ، لا قوة لها ولا أصل ، فلا وجه اليوم لالتزام حدودها ، والتقيد بها " ( 33 ) .
وقد انتقد المراغى ـ أيضاً ـ هذا التقسيم مشيراً إلى أنه لا يـرى له " وجها صحيحاً ، ولا مستنداً من رواية أو دراية " (34 ) ، ثم أخذ فى إقامة الحجج على بطـلان هذا التقسيم ومن أهمها التداخل والاختلاط بين هذه العلوم فى مراعاة مقتضى الحال ، وتداخل بعض المباحث فى تقسيم بعض المؤلفين ( 35 ) .
وقد بنى د. أحمد مطلوب نقده لهذا التقسيم على أساس أن " مطابقة الكلام لمقتضى الحال تشمل علوم البلاغة كلها " ( 36 ) .
ولم يخرج نقد د. عبد الواحد علام فى كتابه " قضايا ومواقف فى التراث البلاغى " عن هذه القضايا المثارة حول تعريف علوم البلاغة وصلة التعريفات بفكرة مطابقة الكلام لمقتضى الحال ( 37 ) .
ويلفت د. محمد عبد المطلب إلى بعد آخر فى التقسيمات البلاغية القديمة يتعلق بكثرة التصنيف التى ارتبطت بألوان البديع إذ يرى " أن ما تم إيراده من ألوان بديعية يمثل غالبية ما ردده البلاغيون ، وإنما كانت الزيادة العددية فى بعض المؤلفات نتيجة الحرص على عملية التفريع والتشعيب وإظهار البراعة والمقدرة ، وكأنما تناسى البلاغيون أنهم أمام ظواهر أسلوبية لها خطورتها تستحق منهم الكشف عن طاقاتها الفنية ، فانساقوا وراء تفريعاتهم ، مما أفسد ـ أحياناً ـ هذه المباحث وعطل فائدتها " ( 38 ) .
وبذلك ترى مظهراً من مظاهر تقاطع العقل العربى وتجزيئه وانعزاله عن السير فى بنية منظومة واحدة ، إلى حد ـ كما ترى ـ لم يُشر اللاحق إلى شىء مما ذكره السابق ، على الرغم من أن الملاحظات ـ فى الغالب ـ تكاد تكون واحدة .
فهل صار توجيه النقد إلى المنجز العقلى السابق هو الشغل الشاغل للعقل العربى فى العصر الحديث ؟
فعلى الرغم مما سار عليه البلاغيون المحدثون ـ فيما يشبه التواتر والإجماع ـ فى نقد التقسيم الثلاثى للبلاغة العربية ، فإن هذه الإشارات تعد أحد أخطر مظاهر التركيز على السلبيات فى معالجات العقل العربى ، لا لأنها تركيز على السلبيات وما يستتبعه من استهلاك للجهد والوقت فحسب ، ولكن لأن هذا الملحظ ، إذا سلمنا بسلبيته ، فإنه لم يُضر الدرس البلاغى العربى الحديث بقدر ما جنت عليه سلبيات أخرى هى فى الحقيقة من صنع يد المحدثين وليست من صنع يد القدماء ؛ لأن جناية هذا الملمح على الدرس البلاغى تكاد تقتصر على الاستغراق فى التصنيفات والتفريعات عند بعض المتأخرين من القدماء ، ولا تكاد تتجاوزهم ، فماذا كان يُضير المحدثين من البلاغيين العرب لو أنهم طرحوا حقبة التفريعات والتقسيمات وبدأوا فى الدرس البلاغى من حيث انتهى عبد القاهر الجرجانى مثلاً ؟
وإذا كان رفض التقسيم الثلاثى للبلاغة إلى علوم : المعانى والبيان والبديع يمثل أحد الأسس التى انطلقت منها محاولة أمين الخولى فى تطوير البلاغة العربية ، فإنه قد أردف هذا الرفض بطرح تقسيم جديد بديلاً عن التقسيم السابق يتمثل فى بلاغتين : بلاغة الألفاظ وبلاغة المعانى ، ولكن هذا التقسيم المقترح بدوره لم يسلم من النقد ، فقد عرض د. سعد مصلوح لصيغة الخولى فى تجديد البلاغة العربية فى دراسته المشار إليها آنفاً وانتقد تقسيم الخولى للبلاغة إلى بلاغة ألفاظ وبلاغة معانى مشيراً إلى أن تلك القسمة :
" من الصعوبة بمكان فى دراسة النص الأدبى ، ولا أدل على ذلك من أن الخولى نفسه يضع تحت دراسة بلاغة الألفاظ دراستها ( من حيث هى دوال على المعانى ومفهمة لها ) وهـى عبـارة تنفـى إمكان الثنائية التى يقترحها ، وعندى أيضاً أن القسمة الثلاثية على ما فيها من عيوب - أوضـح للفكـر ، وأطـوع لمباشـرة النصـوص من قسمـة تعيد ثنائية اللفظ والمعنى فى الدرس الأدبى جَذعَةً بعد ما توارت بالحجاب ، وما نحسب أن هذه القسمة يمكن أن تكون طريقاً إلى تأثيل " المدرسة الفنية " فى البلاغة ، تلك التى كان " الخولى " ظهيراً قوياً لها ، ومن أجلها جهر بدعوته إلى وجوب " هجر المدرسة العلمية فى دراسة البلاغة " ( 39 ) .
لعل هذه الظواهر السلبية هى الأكثر تكراراً فى مؤلفات البلاغيين المحدثين ، وثم ظواهر أخرى تكررت فى هذه المؤلفات بنسب متفاوتة ، منها " الجمود والجفاف والتعقيد " فى صياغة النظريات البلاغية القديمة ، وقد أشار إلى هذا المأخذ غير واحد من المحدثين فى طليعتهم أمين الخولى الذى ربط هذه الصفات بعلاقة البلاغة بالمنطق والاستلال ( 40 ) ، كما التفت المراغى إلى هذا المأخذ ملقياً بالتبعة على السكاكى لعقده فصلاً عن الاستدلال فى كتابه مفتاح العلوم ( 41 ) .
لعل محاولة أمين الخولى هى أولى محاولات التجديد فى البلاغة العربية وأعمقها وأكثرها إخلاصاً للعقل العربى ، وقد قامت على أساس من نقد البلاغة القديمة طموحاً إلى إقامة نظرية بلاغية جديدة ، وأولى مراحل نقد البلاغة القديمة ظهر فى تقسيمه هذه البلاغة إلى مدرستين هما : المدرسة العلمية والمدرسة الفنية ، وبدا اتجاهه واضحاً فى نقد المدرسة العلمية واتصال البلاغة بالفلسفة والمنطق فى كتابيه : مناهج تجديد ، وفن القول ، وقد بدأ أيضاً فى محاولة إرساء دعائم الذوق سبيلاً وحيداً لتطوير الدرس البلاغى وبذلك أسس للتجديد بقوله : " يجب أن نؤيد المدرسة الفنية ونهجر المدرسة العلمية فى دراسة البلاغة ، ونمضى فى كل ذلك التجديد بقدم ثابتة لا تخشى خطراً ما ، لأنه تجديد تاريخى وطيد الدعائم " ( 42 ) ، ويقول فى موضع آخر : " إنما نؤثر المنهج الأدبى الفنى كاملاً غير منقوص ، واضحاً غير مشتبه ، منسقاً غير مضطرب ، أدبياً لا شِيَةَ فيه من علم ولا فلسفة ولا كلام ، ولا غبار عليه مما عدا الوجدانيات المحتكمة ، والذوق المسيطر فنياً بارئاً من تداخل المناهج واختلاطها " ( 43 ) .
ذلك هو جوهر صيغة الخولى التى رأى فيها تجديداً للبلاغة العربية ، بيد أن ملاحظته ضرورة تخطى الجملة إلى الفقرة والنص فى الدرس البلاغى تبقى من أهم الرؤى التى نفذ إليها فى مقترحه .
وعلى حين وقف العقل العربى فى العصر الحديث دائراً فى فلك التركيز على هذه الجوانب السلبية فى التراث البلاغى ، كان العقل الغربى يسير بخطوات أكثر اتساعاً وجوهرية فى تطوير الرؤية البلاغية الغربية ، أو طرح ما لا يتلاءم مع العقل الغربى الحديث ، فانصرفوا إلى أبحاث واسعة فى دراسة الاستعارة ( 44 ) ، كما التفتوا إلى بعد جوهرى آخر يتمثل فى فصل العـلاقة بين الدرس البلاغى وتأسيسه للغاية التحسينية التزيينية المخادعة للقول .
فلقد كان ذلك من المآخذ التى وجهت إلى البلاغـة القديمة تستوفى ذلك البلاغة العربية واليونانية ، وربما كانت هذه الغاية التحسينية من الخصائص السيئة التى اضطرت البلاغة إلى حملها ، والتى جعلتها تستخدم مرادفاً للكتابة الرديئة ، على حد قول ت . س . إليوت T.S.Eliot ( 45) ، وقد كانت هذه الغاية نفسها ـ بوصفها مأخذاً ـ دافعاً إلى رؤية جديدة للبلاغة تجعلها تتجاوز الغاية التحسينية " ومحاولة إيجاد بلاغة فى الجوهر أيضاً " ( 46 ) ، ويحاول إليوت فى نهاية حديثه عن البلاغة والمسرحية الشعرية أن يفصل الكلام الجيد فى جوهره عن الاتصال بالبلاغة ، باعتبار البلاغة محسناً أو تضخيماً فى الكلام لا يقصد به إحداث أثر بعينه ، ولكن يتعلق فقط بتضخيم وقع الكلام على النفس بوجه عام ، ثم يشير إلى أنه لا ينبغى السماح للمصطلح بأن يشمل كل الكتابة الرديئة .
وقد أشار أمبرتو إكو إلى البعد التحسينى المخادع فى الظواهر البلاغية فى كتابه (A Theory Of Semiotics. ) منبهاً إلى أثر استخدام الظواهر البلاغية فى خداع العامة .( 47 )
ولم يخل التناول العربى للدرس البلاغى من الإشارة إلى تلك الغاية التحسينية ، منها إشارات عباس العقاد التى تناولها بالشرح والتحليل د. مصطفى ناصف فى كتابه : " اللغة والبلاغة والميلاد الجديد " ، كما عالجها القضية نفسها فى بحثه " بين بلاغتين " المنشور فى كتاب : قراءة جديدة لتراثنا النقدى " ، كما ارتبطت الغاية التحسينية بنقد بعض المفاهيم المؤسِّسة لعلوم البلاغة وبخاصة علم البديع ( 48 ) .
ويبقى الحرى بالوقوف هنا هو دلالة ما قدمناه على إعاقة العقل العربى ، فإن محاولات الخولى ومقترحاته ، وأوجه النقد التى وجهها للدرس البلاغى لم تجد من ينطلق منها ويستثمرهـا على مدى عشرات السنين ، فكيف بصاحب المرايا الذى يذهب ـ فى غض الطرف عن هذه المحاولات الجادة ـ إلى أنه يستأنف البحث فى النظرية البلاغية العربية .
ويبقى التساؤل عن سبب سيطرة هذه الظاهرة على العقل العربى فى العصر الحديث ؟ نعم إنها ظاهرة ، لا نقول جديرة بالتأمل ، ولكنها ظاهرة مَرَضية تستحق العلاج .




خَلَلُ الْمُنطَلَقات




( 1 )

إن تحديد المنطلق لا يقل أهمية عن تحديد الهدف وعن الإجراءات التى يسير فيها المرء لتحقيق هذا الهدف ؛ لأن نقطة الانطلاق يتعلق بها نجاح المرء فى إنجاز مهمته أو إخفاقه ، كما يتعلق بها رسوخ القدم على الطريق الصحيح من عدمه ، كما يتعلق بها ـ فى الوقت ذاته ـ مقدار ما يبذل المرء من جهد فى سبيل تحقيق هذا الهدف ، فإذا تم تحديد الهدف والطريق والمنطلق توفر الجهد ، وتضـاعف ما يمكن أن يُنجزه المرء ، ومن هنا نقول : إن الجهد المبذول فى تحديد المنطلق ليس جهداً ضائعاً ، وإن الوقت المستهلَك فى تحديده أيضاً ليس وقتاً ضائعاً .
على الرغم مما فى الانطلاق من الإيمان الواثق بالتراث من وجاهة تُمَكِّن للدعوة الذيوع والانتشار بما تحقق من أسباب القبول ، فإن هذه الدعوة قد لا تخلو من نغمة دعائية تحقق استجابة لدى جمهور عريض من المثقفين الذين يندفعون إلى تقديس التراث بدافع عاطفى ، ومن ثم فإن هذه الدعوة تنطوى على مصادرة لا تنفصل عن أسباب الإعاقة ؛ لأنها قد تؤدى إلى قراءة التراث قراءة تبريرية ، وهذا النوع من القراءة بلا شك له خطره العظيم على بنية العقول التى يقع فيها هذا النشاط .
وهذا ما حدث من صاحب المرايا ، فقد بدت نبرة المصادرة فى التمهيد لكتاب المرايا المقعرة إذ يقول : " ... كنت أشعر طوال الوقت بأن الإجابة موجودة فى التراث البلاغى العربى ، وأن البديل هناك ، ولا بد من العثور عليه " ( 1 ) ، الأمر الذى يضع بين يدى القارئ المدقق نمطاً من أنماط القراءة التبريرية ، التى غالباً ما تعمد إلى استكراه النصوص لخلق نظرية ، أو استكراه النفس لتقبع داخل قوقعة هذه النصوص ، ولا يخفى ما ينطوى عليه هذا النشاط من إعاقة .
بل إنه راح يحمل هذه المصادرة على أفضل الحداثيين ـ على حد تعبيره ـ الذين " حاولوا تحقيق موقف وسط ، لا من قبيل الرغبة فى إمساك العصا من وسطها ، أو الرقص عند منتصف السلم ، بل من قبيل إيمان صادق بقيمة التراث " ( 2 ) .
إن موضوعية الرؤية تقتضى الحياد التام فى قراءة التراث ، وهذه القراءة الحيادية بدورها تقتضى الانطلاق إلى قراءة التراث باستعداد تام للقبول أو الرفض ، بل استعداد تام للقطيعة ، إن لم نجد فى هذا التراث ما يسعفنا فى آننا للتمسك به ، ولعل هذا هو السبيل الوحيد إلى القراءة المحايدة البناءة النائية بنفسها عن اتخاذ المواقف التبريرية المضللة .
وقد يكون فى هذا الحياد الغائب الضابطُ الموضوعىُّ الذى يؤدى بنا إلى القراءة الصحيحة البناءة الخلاقة ، ونقصد بهذا الغائب البداية بتحديد الهدف من القراءة ، أو قل تحديد الهدف من أى عمل نشرع فى القيام به ، فإن تحديد الهدف ـ بلا أدنى شك ـ يوفر الجهد والوقت ، ويقطع عقم الحلقة المفرغة التى يدور فيها العقل العربى على مر سنين طويلة مضت وتمضى ، ومن ثم ينبغى أن نأخذ أنفسنا ، لا نقول بتحديد الهدف فقط ، بل نقول أيضاً بعملية تمثُّلٍ للهدف ، حتى تنضبط خطانا على طريق تحديد هذا الهدف ، وإن فوضى الخطوات والجهود المبذولة لتدفعنا إلى التساؤل أولاً : هل الهدف هو الانتصار للتراث ؟
ولا أظن الإجابة بالإيجاب ستكون ذات جدوى للتراث أو للحاضر أو للعقل العربى فى وجودَيه الماضى والحاضر .
إذا كان هذا هو الهدف فإنه لن يحقق إلا خطوة جديدة فى طريق الانحدار بالعقل العربى ، هى خطوة التناحر غير المبرر والتصفية الذاتية للجهد والوقت فى قضايا عقيمة .
وحسبنا فى ذلك أن نتأمل المراحل التى مر بها هذا التراث لنقف بوعى وحياد وموضوعية على الخطوة التى نحن بصددها ، لقد كان اهتمام العقل العربى شعرياً قبل الإسلام يرتبط بانفعال الغضب والعصبية ، يدلنا على هذا أن إنجاز هذا العقل كان أيضاً شعرياً ، ثم أيقظ الإسلام فيه مثيرات التفكير والتأمل والتدبر فاستيقظ ، ثم كان دخول حضارات أخرى فى البيئة العربية مؤذناً بتفاعل بين هذه الحضارات التى تلونت بلون الثقافة والفكر العربيين ، ثم دخل طوراً آخر فى الحركة العقلية التى قامت فى المجتمع الإسلامى حول بعض قضايا دينية وفكرية بين المتكلمين ، وقد صاحبها نشاط فى الترجمة ، ونشاط فى اللغة والنحو والنقد والبلاغة حتى نهاية القرن الخامس الهجرى ، ولم يبق لهذه الحركة سوى ظل فى القرون التالية تفاوتت قوة وضعفاً كلما امتد بها الزمن ، حتى ركنت إلى عقم وجمود حيث صار الموقف من هذا التراث متمثلاً فى الشرح والتلخيص ، والشرح على الشرح وتلخيص التلخيص ، ثم كانت الدعوة للإحياء والبعث بما انطوت عليه من محاولات للانعتاق من أسر دواعى العقم والجمود ، ثم تفسخت الخطى على طريق المعارك الدائرة بين المؤيد والمعارض من أنصار القديم وأنصار الحديث ، ثم راح كل فريق يحاول أن يستمد قيمته بأن يجعل للمعركة قيمة فى حركة غريبة من الغياب العقلى العلمى الموضوعى الحيادى ، ولعله ما يزال حاضراً فى أذهاننا ذلك الصراع بين المجددين والاتباعيين .
وكأنى بمثل هذه المعارك الدائرة الآن بين المتعصبين للتراث أو المتعصبين عليه ـ بعد ذلك ـ أمام مشهد من المشاهد المزرية للمعارك الحربية التى كان العرب يتقاتلون فيها ويتفانون السنين من أجل حصان سبق حصاناً !!!
إنه نوع من أنواع الفناء التى لم يحاول العربى فيها قديماً الوقوف وقفة تأمل مع النفس ، وقفة إعادة حساب ، واستعادة توازن ، وقفة يحدد بها الهدف ويرى مقدار ما يبذل فى سبيل تحقيق هذا الهدف إن كان يساوى ما تزهق فى سبيله من أرواح أو لا يساوى .
فى ظل النظرة الموضوعية والموقف الحيادى تسقط الثنائية التى لا تزيد العقل العربى إلا دوراناً فى فلك عقيم : ( شرعية الحداثة ـ شرعية التراث ) ، فالأمر لا يمكن أن يكون بهذا الفصل الذى يجعل قراءة التراث بهدف تأسيس شرعية الحداثة أمراً مرفوضاَ ، ويجعل قراءة التراث بهدف تأسيس شرعية التراث نفسه أمراً مقبولاً ، أو قراءة الحداثة بهدف تأسيس شرعية التراث ؛ لأن هذه التوجهات تنطلق من ذاتية ممقوتة ، يا أكثر ما أعاقت العقل العربى وجنت عليه .
إن القراءة الناقضة تنطلق من تأسيسها لذاتها ، إنها انسلاخ عن التراث بهدف قراءته وعن الحداثة بعقل أسهمت روافد التراث والحداثة معاً فى تكوينه ، انسلاخ يضمن ـ إلى أبعد حد ممكن ـ موضوعية القراءة وحيادها ، ولا ينفى القطيعة ـ حتى لو كانت مطلقة ـ عن هذا أو ذاك .
إن المقولات التراثية لها ـ فى ذاتها ـ ما يؤسس شرعيتها فى ظروفها التاريخية وملابساتها التى تكونت فيها ، وكذلك فإن المقولات الحداثية أيضاً لها ـ فى ذاتها ـ ما يؤسس شرعيتها فى ظروفها التاريخية وملابساتها التى تكونت فيها ، وإن اللعب فى م

_________________
إذا نحن طامنا لكل صغيرة فلابد يوما أن تساغ الكبائر

  Yahoo Messenger   

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة

رد مع اشارة الى الموضوع


انشر موضوع جديد   رد على موضوع
صفحة 1 من 1

قوانين المشاركة

لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع الغاء مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى

انتقل الى:  

استعرض الموضوع السابق :: استعرض الموضوع التالي  

 

تنسيق الستايل : بوابة المصمم
تطوير : النبع الصافي

Powered by phpBB | Translation by phpBBArabia , phpBBDream

Free Counters