إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ 2 مشاركة ] 
نسخة للطباعة
الكاتب رسالة
 عنوان المشاركة: مفهوم الصورة الشعرية في القديم والحديث
مشاركةمرسل: الأحد مارس 18, 2012 11:36 am 
معلومات العضو
إحصائيات العضو

اشترك في: الثلاثاء مارس 15, 2011 11:23 am
مشاركات: 34
مكان: الفنيدق
غير متصل
المقدمة :


          مصطلح الصورة هو مصطلح عام وشاسع اهتمت به مجموعة من العلوم، وسنركز في عرضنا هذا على الصورة الشعرية التي عرفت منذ بداية الكتابة النقدية العربية، وتمت العودة إليها في نقدنا الأدبي المعاصر عن طريق الاستفادة من النظريات النقدية الغربية الحديثة وخاصة الرومنطيقية منها والرمزية.
لابد أن أول من ذكر هذا المصطلح هو الجاحظ وبعده سالت أقلام كثر كلها تقلب نفس المفهوم فمن قدامة الذي قال : " إذا كانت المعاني للشعر بمنزلة المادة الموضوعة والشعر فيها كالصورة، كما يوجد في كل صناعة من أن لابد فيها من شيئ موضوع يقبل تأثير الصور منها، مثل الخشب للنجارة والفضة للصياغة "  ، ثم تناولها الجرجاني بعد أن استند لمقولة الجاحظ وفصل فيها ، وأحسن دراستها، فجعلها أساس الشعر وربطها بالفنون الأخرى ، وبموضوعات نقدية هامة كالنظم وتكرار المعاني والأساليب البلاغية وغيرها .
من هنا أحسسنا بضرورة التطرق لمفهوم الصورة أولا، من خلال المعاجم العربية ،وكتب الفلاسفة والبلاغيين والنقاد، لنخرج في النهاية بخلاصة عامة تسعفنا في الإحاطة ولو بنزر قليل من ما قيل حول هذا المفهوم، الذي يتأسس على مكونات ثلاث هي اللغة باعتبارها أداة التواصل بين الشاعر والمتلقين، ثم العاطفة التي هي مكمن الإبداع لما تخزنه من انفعالات تزند الطاقة الإبداعية وتدفعها للخلق، ثم الخيال الذي يختزل وجدان الجماعة من أحلام وطموحات يصبو إليها الأفراد، ويختلف استحضاره من مبدع لآخر كل حسب ذخيرته وقدرته على توظيفه .
الصورة إذن عماد القصيدة وأساس وجودها، فهي جسر يصل بين الشاعر والمتلقي، وعند صناعتها لابد أن يستحضر الأول الثاني، معيداً بذلك تشكيل أفق التوقع  باعتماد الانزياح الجمالي المقيس بردود فعل الجمهور وبأحكام النقاد.  




مفهوم الصورة الفنية


المعنى اللغوي :

إذا بحثنا في المعاجم اللغوية العربية القديمة سنهتدي لمفاهيم عديدة ، مشتقة كلها من الجذر الثلاثي " ص . و . ر " ، تختلف دلالاتها حسب السياقات التي كان يستخدمها العرب فيها ، وهدفنا هنا هو إيجاد روابط بينها وبين مفهوم الصورة اليوم ، أي الصورة الفنية ، أو الصورة الشعرية .
-     الجوهري ، الصحاح : تصور الشيئ : بمعنى توهمه .
-     الزبيدي ، تاج العروس : الصورة : بالضم  ، بمعنى الشكل والصفة .
•     تصوٌر : تشكل ، قال تعالى : " هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء " .
•     الصورة : النوع والصفة .
•     الصورة ما ما ينتقش به الإنسان ويتميز به عن غيره ، وذلك ضربان :
-     أ -  ضرب محسوس : يدركها الإنسان والكثير من الحيوانات .
-     ب – ضرب معقول / يدركها الخاصة دون العامة ، كالصورة التي أختص بها الإنسان من العقل ... والمعاني التي ميز بها .
•     صار الشيئ يصوره صوراً : أماله .
•     أصرت الشيئ : إذا أملته إليك . ( هدف المبدع التأثير في المتلقي ) .
-     لسان العرب لابن منظور :
•     المُصوٌرُ :من أسماء الله الحسنى الذي صورجميع الكائنات ومنحها هيئات سبحانه .
= هي هنا إسم فاعل دال على الخالق والمنشئ .
= فالشاعر هو الذي يصور المعاني ، ويشكلها ويؤلفها ليمنحها هيئات جديدة أليق به في نظره .
•     أما الصٌَوْرُ :فهو النخل المجتمع .
= و يدل معناها على التأليف والتشكيل .
ونستخلص أن كل هذه الكلمات المشتقة تدل في مجملها على المبدع أو المصور ، وعلى الهيئة أو الصفة ، ثم التشكيل والتأليف ، ثم التأثير في المتلقي وإمالته .
        لكننا لانجد لمصطلح " الصورة الفنية " حضوراً في الكتب النقدية القديمة بمفهومه الحالي ، وأقدم نص عربي تناول لفظة " الصورة " والذي يوحي بدلالته على معرفة العرب وتنبههم لهذا المفهوم ، هو نص الجاحظ الذي قال فيه : " المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي ، والبدوي والقروي ، وإنما الشأن في إقامة الوزن ، وتخير اللفظ وسهولة المخرج وكثرة الماء ، وفي صحة الطبع وجودة السبك . إنما الشعر صناعة ، وضرب من النسج وجنس من التصوير "   ، فالشاعر يمتلك آليات وأدوات تمكنه من التأليف بين الألفاظ، يستغل لغة طبيعية يمتلكها الجميع و يحولها إلى لغة متفردة ، راقية ، عندما يركبها ويشكلها في صور تسحر القلوب وتسكر الألباب .
فالتصوير هو وسيلته لنقل أفكاره وعواطفه للمتلقين بأسلوب حسي ، يتراوح بين الاعتماد على الخيال والمحاكاة ، ونجد لهذا امتداداً في الفلسفة العربية ، حيث أجمع عدد من الفلاسفة العرب القدامى على العلاقة القائمة بين الشعر والمحاكاة والتخييل ، مستمدين فهمهم هذا من الفلسفة اليونانية ، وخاصة أفلاطون وأرسطو ، إذ تمخض عن هذا الانفتاح دخول مصطلحات جديدة في تعريف الشعر " كالمحاكاة " و " التخييل " والتخيل " ، وفي معرض حديث الفارابي عن جوهر الشعر يقول : " فقوام الشعر وجوهره عند القدماء هو أن يكون قولاً مؤلفاً مما يحاكي الأمر "  .
لقد منح الفارابي للمحاكاة مكانة كبرى في وجود الشعر ، إذ هي قوامه ، على حساب الوزن والقافية والروي .
أما إبن سينا فيعرف الشعر بقوله : " الشعر كلام مخيٌل ، مؤلف من أقوال موزونة متساوية ، وعند العرب مقفاة "  ، فيما عرفه إبن رشد الفيلسوف بقوله : " إن القول الشعري هو المتغير "   الشعر في نظره هو الكلام المنظوم والمنقول من هيئته الحقيقية إلى هيئته المجازية .
وعرف حازم القرطاجني " التخييل " بقوله : " والتخييل أن تتمثل للسامع من لفظ الشاعر المخيل أو معانيه أو أسلوبه ونظامه ،وتقوم في خياله صورة أو صور ينفعل لتصورها وتخيلها ، أو تصور شيئ آخر بها ، إنفعالاً من غير روية من جهة الانبساط أو الانقباض "  ، فالتخييل مرتبط بسيكولوجية المتلقي والكيفية التي يتمثل بها كلام الشاعر ، فإما أن يدفعه لاستحضارالصورة التي يقصدها ، مشيداً إياها في ذهنه حسب السمات التي بعث له بها ، أو أنه يفضي به إلى صور أخرى يعيد تشكيلها من ذخيرته ، أو يعاود تذكرها فقط ، موازياً إياها بسياق النص ، ومححللاً إياها ومنفعلاً معها إما بالقبول أو الرفض .
أما " التخيل " فهو الذي يوجه مسيرة " التخييل " ، وهو مرتبط بسيكولوجية الابداع من ناحية بناء الصور الشعرية وطبيعة تشكيلها.
فيما قد تتم المحاكاة بالقول أو الفعل ، أي بالرسم والنحت والتمثيل ، ويقع التخييل من جهة :" المعنى ، ومن جهة الأسلوب ، ومن جهة اللفظ ، ومن جهة النظم والوزن  " .
وبصفة عامة فطبيعة الصورة في الثقافة العربية تنقسم إلى قسمين :
1 – نوع بلاغي يبنى بالاعتماد على التشبيه والاستعارة .
2 – تصوير أو تقديم حسي للمعنى .
ويعد الجاحظ أول من طرح فكرة الجانب الحسي في الشعر ، وقدرته على اثارة صور بصرية في ذهن المتلقي ، في معرض هجومه الشهير على أبي عمر الشيباني عندما استحسن بيتي القائل :

   لا تحسبن الموت موت البلى       *******        فإنما الموت سؤال الرجال
   كلاهـما موت ولـكـن ذا       *******        أفضع من ذا لذل السـؤال

وبنى الجاحظ رفضه للبيتين على أساس أنه ليس المعول في الشعر على نظم الحكم والأفكار المجردة ، بل المعول فيها على صياغة هذه الأفكار، صياغة جديدة مؤثرة ، تعتمد على التصوير  .
     وبعد الجاحظ قام معتزلي آخر هو " الرماني " بتطوير مفهوم الصورة من خلال دراسته لإعجاز القرآن ، لهذا كان من الضروري أن يواجه الاستعارة والتشبيه ويتأمل قدرة كل منهما على التأثير في متلقي النص القرآني ، والنابعة من تقديم المعنى للحواس . فلاحظ أن الاستعارة القرآنية تبدأ من المعنوي العقلي ، وتنتهي إلى الحسي العيني .
     وانطلاقاً من هذا يمكننا القول أن الصورة الفنية تمر بمراحل قبل أن تستقر في ذهن المتلقي ، فالشاعر ينتقي من المعاني الغفل ما يروقه ، ويؤلف بينها ثم يكسبها هيئات جديدة ،ثم يدفع بها لمعترك الشعر .ليتلقاها المخاطب ، معتمداً على المجاز أو المجازات ، ويعرفها إبن قتيبة بقوله : " المجازات في الكلام ، ومعناها طرق القول ومآخذه ، ففيها الاستعارة والتمثيل والقلب ، والتقديم والتأخير ، والحذف والتكرار ، ، والاخفاء والإظهار ... "  .
قال مرئ القيس :

   ففاضت دموع العين مني صبابة       *******        على النحر حتى بل دمعي محملي

    صورة الدموع صورة مألوفة ، لكن الجديد في هذا البيت هي الهيئة التي قدم بها " مرئ القيس " هذه الصورة معبراً عن المسلك الذي تتخذه الدموع بعد أن تدرفها العينان ، فتمر عبر النحر لتصل الى المحمل ، وكل هذا ليبرز شدة الحزن .
     من جهة أخرى لا يجب أن نغفل حديث النقاد العرب القدامى عن العلاقة بين الشعر والرسم ، لأن هذا يسعفنا في معالجة موضوعنا ، وقد أشار كل من إبن طباطبا وعبد القاهر الجرجاني إلى هذه العلاقة .
  قال " إبن طباطبا " بعد كلام طويل : " ...وكالنقاش الرقيق الذي يصنع الأصباغ في أحسن تقاسيم نقشه ،ويشيع كل صبغ منها حتى يتضاعف حسنه في العيان .."  الشاعر كالنقاش يمتلك المعاني وهو الوحيد القادر على توزيعها في نصه بطريقته وأسلوبه ليشكل في نهاية الأمر صوراً يطبعها الحسن والجمال .
أما " عبد القاهر الجرجاني " فيقول بهذا الصدد : " وإنما سبيل هذه المعاني سبيل الأصباغ التي تعمل منها الصور والنقـوش ، فكما أنك ترى الرجل قد اهتدى في الأصـباغ التي عمل منها الصورة والنقش في ثوبه الذي نسج ، إلى ضرب من التمييز والتدبير في أنفس الأصـباغ ، وفي مواقعها ومقاديرها ، وكيفية مزجها وترتيبه إياها " .
ربط الشعر بالرسم هو افتراض مؤداه أن الشاعر مثل الرسام يقدم المعنى بطريقة حسية ، عن طريق المشاهد التي يصورها ليلتقطها المتلقي ثم يتمثلها ، مما يثير في ذهنه صوراً يراها بعين العقل .
     بالإضافة لهذا فللون أهمية كبرى في تشكيل الصورة الشعرية ، باعتباره من العناصر الأساسية والمهمة في القصيدة ، بالرغم من أنه أقرب إلى عالم الرسم ، منه إلى عالم الشعر ، إلا أنه يمتلك فاعلية بصرية تخاطب الوجدان والشعور ، وهو بهذا يتحول إلى مؤشر دال حين يوضع ضمن سياق لغوي مخصوص ، وبهذا يمتلك دلالة في إطار بناء الصورة الشعرية .
وعند حديثنا عن جماليات اللون في الشعر الجاهلي لا بد أن نومن بالعلاقة بين الشعر والفنون الأخرى . من جهة ثانية ، اللون مرتبط بشكل وثيق بتجربة الشاعر ورؤيته للعالم والأشياء أولاً ، ثم ارتباطه بالإرث الميثولوجي والرمزي ثانياً  .ونستحضر في هذا المقام " زهيراً بن أبي سُلمى " ، إذ في شعره براعة فائقة في تشكيل لوحات فنية ، ينسج خيوطها بمختلف الألوان ، يقول في إحدى قصائده :

    وإن يقتلوا فيشتفى بدمائهم       ******    وكانوا قديماً من مناياهم القتل
ومما هو لافت في شعره أن استخدامه للألوان في الغالب يكون نفسياً ، إذ يمكن أن يكون اللون الأحمر " الدم " هو الأكثر حضوراً في شعره ، باعتبار أنه الأكثر حضوراً في وعيه ، وتأكيداً منه على دموية الحياة وعلى الصراع .
وتكمن جماليات اللون في ارتباطه بالرؤية البصرية التي تشكل جوهر العلاقة بين المبدع والمتلقي ، فالأول يلتقط اللون ويعلي منه ويمنحه حيوية وعمقاً ، أما الثاني فيتلقاه ويفسره ويحلله ، ثم يتفاعل معه بالإيجاب أو السلب ، أي يتقبله أو يمجه .
   من هنا فالألوان تمتلك قيمة إضافية قد لا تمتلكها الكلمات الأخرى في السياق الشعري الواحد . إنها تستغل للتأثير والإقناع والإعجاب ، وهي عناصر تسهم في تكوين الفاعلية الشعرية حين تكون قادرة على التأثير في المتلقي وإقناعه ، وعندما تنال إعجابه وتصدم خياله  .
    أما مصطلح  " الصورة الفنية " فهو من المصطلحات البلاغية والنقدية الحديثة ، والتي أستعيرت من الثقافة الغربية ، وكانت لنظرية الخيال لكولريدج الأهمية الكبرى في بناء الصورة الشعرية ، وهذا ماذهب إليه الدكتور كامل حسن البصير بقوله : " ومصطلح الصورة Image  كما يرى – جون ميديلتون ميري – يمكن أن يتصل من قريب بالكلمة التي أشتقت منها وهي : Imagination  "  .
وقد حاول النقاد العرب في العصر الحديث إقتباس هذا المفهوم من النقد الأوروبي ، فترجموه إلى العربية أحياناً بالصورة الفنية ، أو الصورة الشعرية ، وأحايين أخرى بالصورة البلاغية أو البيانية أو المجازية ، واختلفوا حول طبيعتها باختلاف المناهج والمذاهب الأدبية .
ويمكن أن تحضر الصورة في النثر ويمكن أن تغيب ، إلا أنه من الواجب حضورها في الشعر ، لأنها تسير جنباً إلى جنب مع الإيقاع ، فهي عنصر أصيل في الشعر العربي .
والصورة الشعرية تعبير لغوي يربط بين المعنى الحقيقي للألفاظ ومعناها المجازي ، ويكون هذا المعنى الأخير هو المقصود ،فإذا كانت العلاقة بين المعنى القريب والمعنى المجازي هي المشابهة فإننا نحصل على نوعين بلاغيين هما : التشبيه والاستعارة .
والفرق بينهما أن في الأول يذكر طرفا التشبيه معاً ، بينما يكتفى في الثاني بواحد .
أما اذا كانت العلاقة بين المعنى القريب والمعنى البعيد غير المشابهة ، فإننا نحصل على :
-     المجاز المرسل : ما ناب فيه المعنى البعيد عن المعنى القريب .
-     الكناية : أن يشكر الشاعر لفظاً وهو يقصد غيره .
-     مجاز عقلي : إسناد الفعل أوما في معناه إلى غير فاعله .




وظائف الصورة الشعرية :

تؤدي الصورة الشعرية مجموعة من الوظائف حسب السياقات التي تحضر فيها :
1 – الوظيفة الجمالية : هي وظيفة مركزية باعتبار أن هدف الشاعر هو الابداع في ظل لغة فوقية ، مستواها أعلى درجة من لغة التواصل اليومي ، من الناحيتين الدلالية والتركيبية . ( مرتبطة بالأثر والتأثير ) .
2 – الوظيفة الانفعالية : تحصل كلما استخدم المبدع قصائده ليعبر عن حالته الوجدانية .
3 – الوظيفة الوصفية : وتتحقق كلما استعمل الشاعر مجموعة من الصور لوصف الواقع الخارجي ونقل جزئياته .
4 – وظائف حجاجية :
تؤدي الصورة الشعرية وظائف حجاجية عندما يكون الهدف منها هو الإقناع أو التأثير ، ويتم هذا عبر :
-أ – الاستمالة النفسية : تحبيب القرئ في شيئ أو جعله مستكرهاً ، نحو قول النابغة :
       لئن كنت قد بلغت عني وشاية       ******      لمبـلغك الواشـي أغش وأكذب
      ولكنني كنـت امرأً لي جانب          ******      من الأرض فيه مستراد ومذهب
-     ب- الشرح والتوضيح : توضيح أمر كان سيبقى غامضاً بالصورة ، نحو قول بشاربن برد :
     يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة      ******       والأذن تعشـق قبل العين أحيانا
     قالوا بمن لا ترى تهذي فقلت لهم     *******       الأذن كالعين تؤتي القلب ما كانا
يصور بشار في هذين البيتين حواراً يدعي فيه أن الأذن تعشق الجمال وتدركه ، ليرد عليه خصمه ويصف دعواه بالهذيان ، وهنا يلجأ للبرهان فيذكر أن الأذن كالعين تماماً في معرفة الجمال وإبلاغه للقلب ، وقد اعتمد في هذا البرهان على التشبيه الذي يفيد اشتراك الطرفين في معنى يجمع بينهما  .
-     ج – القياس والتعليل :  أن يعتمد الشاعر على القياس لتبريئ أمر ما ، وذلك بتقديم أمثلة تبين إمكانية حصوله .ومثال حسن التعليل قول المتنبي :
     ما به قتل أعاديه ولكن        *******       يتقى إخلاف ما ترجو الذئاب
جرت العادة بأن الملوك إنما يقتلون أعدائهم ليسلموا من أذاهم وضرهم ، لكن المتنبي في هذا البيت إخترع سبباً غريباً وتخيل الباعث له على قتل الأعادي لم يكن إلا محبته لإجابة من يطلب الإحسان ، فهو قد فتك بهم لعلمه علم اليقين أنه إذا غدا للحرب رجت الذئاب والوحوش الضواري ان يتسع عليها رزقها وتنال من لحوم أعدائه القتلى .



الأهداف المتوخاة من وراء استخدام الصورة الفنية :

كان الشاعر العربي القديم يستخدم الصورة الفنية لتصوير ماهو مادي كوصف الديار  والدمن والقصور والحصون ، وكل ما كانت تعبق به حياته في البادية أو الحضر من لباس وزينة وأفرشة وزخارف ، بالاضافة إلى تصوير الرجال والنساء ،والنبات والحيوان ، فنقلوا لنا طرق عيشهم وكسبهم ، من الصيد إلى التجارة والرحلة ومجالس اللهو  ومنتديات الشعر وغيرها ، كما صوروا ماهو روحي كالقيم المتمثلة في الشجاعة ، الكرم ، الوفاء ، .... دون ان يغفلوا ذواتهم ، فعبروا عن حزنهم ، عن فرحهم ، عن فقدانهم أحبتهم ، وشكوا الدهر وألم الفراق ،  وافتخروا ومدحوا ، وهجوا  ورثوا ، وسخروا ، قال المتنبي :

      وَما طََرَبي لما رأيْتُك بدْعة        *******       لقدْ كُنْتُ أرْجُو أنْ أراك فأطْربا

قال الواحدي : هذا البيت يشبه الاستهزاء ، فإنه يقول :  طربت عند رؤيتك كما يطرب الانسان عند رؤية المضحكات  ، أما إبن جني فقال : لما قرات على أبي الطيب هذا البيت قلت له : لم تزد أن جعلته أبا رنة ، فضحك لقولي  .ونرى أن المتنبي كان يغلي صدره حقداً على كافور وعلى الأيام التي ألجأته إلى مدحه ، فكانت تفر من لسانه كلمات لا يستطيع احتباسها  ،  وهذا القسم من الكلام يسمى الموجه : أي له وجهان : وهو ما يدل على براعة الشاعر وحسن تأتيه .
كما يدفعنا هذا للحديث عن الصور المباشرة أو السطحية والتي تتبادر إلى الذهن من أول وهلة ،والصور العميقة ذات الأبعاد المتعددة التي لا يقيدها إلى السياق الذي ترد فيه والتي يتم فيها الانتقال  من المعاني الأوائل إلى المعاني الثواني لفهم المعنى العام للصورة ،  وتأويله، ومن ثم نجد صوراً بسيطة وأخرى مركبة ، تحتمل تأويلات عدة ، قال المتنبي :

      فإنْ نلْتُ ما أملتُ منْك فربما         *******     شربْتُ بماء يعجزُ الطيْر ورْده

فإن هذا البيت يحتمل مدحاً وذماً ، وإذا أخذ بمفرده من غير نظر إلى ما قبله فإنه يكون بالذم أولى منه بالمدح ، لأنه يتضمن وصف نواله بالبعد والشذوذ ، وصدر البيت مفتتح بإن الشرطية ، وقد أجيب بلفظة رب التي معناها التقليل : أي لست من نوالك على اليقين ، فإن نلته فربما وصلت إلى مورد لا يصل إليه الطير لبعده  .
من هنا يمكننا القول إن الأصل في الصورة الفنية المركبة والساخرة على وجه الخصوص ،  هو استخدام التورية  وان كانت في الأصل تنطوي على الابهامية ،... وهي بنية مسبقة لمعنى مقصود ، يؤديه المرسل وفق الطريقة التي يرتضيها ، وينتظر من المرسل إليه تحقيق ذلك المعنى والعمل على استحسانه ، تمشياً مع نوعية المعايير الجمالية ، والأعراف والموضوعات السائدة  ، قال المتنبي  :
  
   كَأَن رقَابَ النٌَاس قَالتْ لسيْـفه        ******     رَفيقُك قيْسٌي وأنْت يمـاني
   برغْم شَبيب فَارق السـَيف كفٌه         ******     وكَانَا عَلى العلاٌت يصْطحبَان
فالشاعر يقول : إن كف شبيب وسيفه متنافران لا يجتمعان ، لأن شيباً كان قيسياً والسيف يقال له يماني فورى به عن الرجل المنسوب إلى اليمن ، ومعلوم ما بين القيسيين واليمانيين من تنافر . إلا أن الجاحظ أراد بالتورية التغطية واستعمال الحيلة كما ذكر في كتاب " الحيوان " .
وبالإضافة إلى السخرية ، يستعمل الشعراء الصورة الفنية بغرض الإقناع ، باعتبار أنه :
"  إنهاض النفوس إلى فعل شيئ ، أو طلبه أو اعتقاده ، أو التخلي عن فعل شيئ أو طلبه أو اعتقاده "  .  
ويستهدف عقول المتلقين من خلال استعانته بمجموعة من البراهين والحجج والأخبار التي لا تكون الغية منها وصف واقع ما أو تقديم معلومات حوله ، بقدر ما تكون الغاية منها الدفع بالمتلقي لإنجاز فعل ما بعد إنفعاله واقتناعه، فيما تتجلى ردود أفعال المتلقين في أشكال مختلفة ، فقد يحس الممدوح بالسعادة فيغدق على الشاعر العطاء ، وقد يكره الناس شخصاً بسبب قصيدة هجاء قيلت فيه ، وغير ذلك ...
من هنا يمكننا القول ، إن الصورة الشعرية من أهم العناصر المشكلة للبناء الفني للقصيدة العربية  ، ومعيار من معايير الجودة والإبداع في عالم الشعر ، وقديماً قال الشاعر الإغريقي " سيمونديس " ( 468 ق . م ) ملازماً بين التصوير والشعر : " الشعر صورة ناطقة ، والتصوير شعر صامت " .
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                            



لائحة المصادر والمراجع :

-  الجاحظ ، البيان والتبيين ، تحقيق : عبد السلام محمد هارون ،الطبعة السابعة 1998 ، مطبعة المدني ، القاهرة .
-  إبن طباطبا العلوي ، عيار الشعر ، تحقيق الدكتور طه الحاجري ، - الدكتور محمد زغلول سلام  ، المكتبة التجارية ،  1956 ، القاهرة .
- إبن الأثير ، المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ، تحقيق : محيي الدين عبد الحميد ،
الجزء الأول ، المكتبة العصرية للطباعة والنشر ، طبعة 1990 .
- الباجوري ، حاشية على الرسالة السمرقندية ، تحقيق : إلياس قبلان ، الطبعة الأولى 2009 ، دار الكتب العلمية ، بيروت .
- حازم القرطاجني ، منهاج البلغاء وسراج الأدباء ، تحقيق : محمد الحبيب بن خوجة ، دار الغرب الإسلامي ،الطبعة الثالثة 1986 ، بيروت – لبنان  .
- الدكتور أحمد الطايعي ، التواصل البلاغي من المصرح إلى المسكوت عنه ، نشر  : زاوية للفن والثقافة ، الطبعة الأولى ، 2008.
- جابر عصفور ، الصورة الفنية،طبعة 1995 .
- الدكتورة إنعام نوال عكاوي ، المعجم المفصل في علوم البلاغة ، البديع والبيان والمعاني ، الطبعة الثانية 1996 ، بيروت - لبنان .    
- الدكتور عدنان قاسم، الأصول التراثية في نقد الشعر العربي، المنشأة الشعبية للنشر والتوزيع، ليبيا، الطبعة الأولى 1981 .
- دكتورة ريتا عوض، بنية القصيدة الجاهلية الصورة الشعرية لدى امرئ القيس ، دار الآداب ، بيروت .
- مصطفى الجوزو ، نظريات الشعر عند العرب ، الجاهلية والعصور الإسلامية ، دار الطليعة بيروت ، الطبعة الثانية ، 1988 .
- الدكتور علي مراشدة ، بنية القصيدة الجاهلية، دراسة تطبيقية في شعر النابغة الدبياني، ماجستير جامعة اليرموك1988، عالم الكتب الحديث 2006 .
- الدكتور موسى ربابعة ، تشكل الخطاب الشعري ، دراسات في الشعر الجاهلي ، جامعة اليرموك ، دار جرير، الطبعة الثانية، 2005 ،  عمان .
- كتاب : محمد الوالي / الصورة الشعرية في الخطاب البلاغي والنقدي  / المركز الثقافي العربي / الطبعة الأولى 1990 ،

- عماد أفقير ، الصورة الشعرية في قصيدة البردة ، دراسة وتطبيق، بحث لنيل الإجازة ، بإشراف الدكتور عبد الحميد أسقال ،2009 – 2010 ، الكلية المتعددة التخصصات بالناظور .      
- مجلة عالم الفكر ،الدكتور رضوان الرقبي ، " الاستدلال الحجاجي التداولي وآليات إشتغاله " ، العدد 2 ، المجلد 40 ، أكتوبر دسمبر    2011  




الفهرس

المقدمة
مفهوم الصورة الشعرية
-     في اللغة
-     في الاصطلاح
•     عند النقاد العرب القدامى : الجاحظ
•     عند الفلاسفة :
الفارابي / إبن سينا / إبن رشد
•     عند البلاغيين :
حازم القرطاجني
طبيعة الصورة الشعرية
-     تطور مفهوم الصورة بعد الجاحظ :
الرماني
-     علاقة الشعر بالرسم
•     إبن طباطبا
•     عبد القاهر الجرجاني
أهمية اللون في تكوين الصورة الشعرية
نموذج زهير بن أبي سُلمى
مصطلح الصورة الشعرية في النقد الحديث
•     تعريفها
•     وظائفها
•     الأهداف المتوخاة من استخدام الصورة الفنية في القصيدة العربية القديمة
لائحة المصادر والمراجع
الفهرس


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركةمرسل: السبت يونيو 09, 2012 8:47 pm 
معلومات العضو
إحصائيات العضو

اشترك في: السبت يوليو 18, 2009 12:55 pm
مشاركات: 4
غير متصل
بارك الله فيكم جميعا.


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
عرض مشاركات سابقة منذ:  مرتبة بواسطة  
إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ 2 مشاركة ] 

جميع الأوقات تستخدم GMT
اليوم هو الخميس ديسمبر 18, 2014 8:53 pm


الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 0 زائر/زوار


لا تستطيع كتابة مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لا تستطيع كتابة ردود في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع حذف مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع إرفاق ملف في هذا المنتدى

البحث عن:
الانتقال الى:  
Powered by phpBB © 2014 phpBB Group
ترجم بواسطة phpBBArabia | Design AdevConsulting:AdevConsulting
  AdevConsulting   http://www.AdevConsulting.com