إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ 19 مشاركة ]  الانتقال إلى صفحة 1, 2  التالي
نسخة للطباعة
الكاتب رسالة
 عنوان المشاركة: قداسة اللغة العربية من منظور لساني
مشاركةمرسل: الجمعة مارس 25, 2011 12:14 am 
معلومات العضو
لساني نشيط
لساني نشيط
إحصائيات العضو

اشترك في: السبت إبريل 21, 2007 10:59 am
مشاركات: 102
مكان: اكادير
غير متصل
قداسة اللغة العربية ،من منظور اللسانيات المعاصرة
لابد من الـتأكيد على أن اللسانيات linguistique، كحقل معرفي معاصر له مفاهيمه النظرية والتطبيقية .فاللسانيات في أبسط تعريفاتها هي الدراسة العلمية للغات الطبيعية ، فهي تنظر إلى اللغة باعتبارها نسقا من الكلمات والرموز .
وكان من فضائل اللساني الفرنسي ذي الأصول السويسرية فريدنان دوسوسير، أنه أعلن قطيعة ابستمولوجية مع اللسانيات التاريخية ، ودعا إلى دراسة اللغة في ذاتها ولحد ذاتها ، وكان كتابه الذي لم ير النور إلا بعد وفاته المسمى :cours de linguistique générale  واضحا في هذه النقطة .
   اللغة العربية من منظور لساني لغة طبيعية ، ليست دون اللغات وليست فوق اللغات .
نعم اللغة العربية هي حمالة للهوية الحضارية والثقافية ، ولكن هذا الكلام خارج دائرة التحليل اللساني ، ومنه فليس من الصواب ،أن يكتب بعض الباحثين خارج حقل اللسانيات أفكار من قبيل أن لسان أهل الجنة لسان عربي ، كذريعة لإقصاء اللغات الأخرى ، والدعوة إلى عدم تعلمها
   أفكار من هذا القبيل مازال بعض الباحثين سامحهم الله ،يرسخونها في أذهان الطلبة ، باسم الدفاع عن اللغة العربية ،وهو يسئ لها من حيث لا يدري .    
   إن من إشكالات اللسانيات في الثقافة العربية ، هو أنه كثيرا ما نحلل اللغة العربية ، فنصادف بأفكار ثقافية من هذا القبيل السالف الذكر  .
  إن تطوير الدرس اللساني  المعاصر في الثقافة العربية ،في اعتقادي رهبن بتجاوز هذا النوع من الأفكار ،والسعي لإبراز جوانب الائتلاف والاختلاف بين الدرسين ؛الدرس اللساني العربي الحديث ، والدرس اللغوي القديم ،سعيا لإيجاد صلات و وشائج بينهما ، بل والعمل على استثمار اللسانيات الحديثة بمختلف مدارسها لخدمة الدرس اللساني العربي ، وخدمة اللغة العربية معجما ودلالة وصوتا وتركيبا ،بالعمل على حوسبة معجم اللغة العربية ، يستجيب وملكة متكلم اللغة العربية الحالية ، على اعتبار أن اللغة العربية التي قعد لها سيبويه ت180هـ ، في الكتاب –قرآن النحاة كما وسمه عبده الراجحي، ليست هي اللغة التي لغة متكلم اللغة العربية الحالية . ويمكن تحديد أبواب تطوير الدرس اللساني في الثقافة العربية فيما يلي :
-     توسيع وتجديد متن اللغة العربية
-     حوسبة معجم للغة العربية
-     استثمار أفكار اللسانيات لتدريس اللغة العربية
-     استثمار غنى التراث اللغوي والبلاغي والنقدي العربي القديم لتطوير اللغة العربية
-     التفريق بين قداسة القرآن الكريم ، والحديث النبوي الشريف ، وإجماع العلماء، وبين خطاب العلوم الإنسانية النسبي والذي فيه أخذ ورد      

  وخلاصة القول :
أريد أن أختم هذه المقالة بكلام للباحث اللساني عبد القادر الفاسي الفهري  وهو يتحدث عن " ملاحظات حول الكتابة اللسانية" ليست اللغة العربية كما يدعي بعض اللغويين العرب لغة متميزة تنفرد بخصائص لا توجد في لغات أخرى ومن ثمة لا يمكن وصفها بالاعتماد على النظريات الغربية التي بنيت لوصف اللغات أوروبية ،بل العربية لغة كسائر اللغات البشرية فاللغة العربية بصفتها لغة تنتمي إلى مجموعة من اللغات الطبيعية وتشترك معها في عدد من الخصائص (الصوتية والتركيبية والدلالية )وتضبطها قيود ومبادئ تضبط غيرها من اللغات " اللسانيات واللغة العربية ،ج 1 ،ص56
    إذن اللغة العربية من منظور اللساني هي لغة طبيعية ، تطور تنمو ، تضبطها قيود ...الخ
   بقي أن نقول أن البحث اللساني العربي مازال الطريق شاقا أمامه ليشق بمعوله زيف الأفكار أو الوعي الزائف بلغة الفلاسفة.

التوقيع
jتحية اكبار واعتزاز ،للأستاذ المحترم عبدالرحمان بودرع على هذا المنتدى القيم الذي أخد على عاتقه خدمة اللغة العربية واللسانيات العربية .والله ولي التوفيق .


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركةمرسل: الجمعة مارس 25, 2011 10:00 am 
معلومات العضو
لساني مميز
لساني مميز
إحصائيات العضو

اشترك في: الخميس يناير 13, 2011 6:04 pm
مشاركات: 404
غير متصل
السلام عليكم

أخي الكريم
يجهل كثير من المتخصصين باللغة العربية في الوطن العربي بالأبحاث التي تنجز في الغرب عن اللغة العربية. وأجيبك من الوجهة اللسانية بمقال للدكتور حمزة بن قبلان المزيني  :

الاهتمام باللغة العربية نموذجًا للتحليل:

يجد المطلع على الدراسات اللسانية المعاصرة أن اللغة العربية كانت موضع اهتمام أكثر علماء اللسانيات تميزًا في هذا العصر. وتهتم دراسات هؤلاء بها من حيث إنها تتمثل لغة طبيعية يمكن أن تسهم في تقدم البحث اللساني النظري. فمن أعلام الدراسة اللسانية في هذا العصر الذين اهتموا باللغة العربية رومان جاكوبسون في مقال له عن الأصوات المفخمة في اللغة العربية(9) واستعمالها دليلاً على نظريته عن "الملامح التمييزية" في التحليل الصوتي للغة الإنسانية. كما كتب جوزف جرينبرج مقالاً عن نمط "الصرفيَّات الأصول" في اللغات السامية(10) اتخذ فيه العربية ممثلاً لهذه اللغات بسبب وفرة المعلومات المعجمية ومحافظتها النِّسبية في نظامها الصواتي(11). كما كتب زيلك هاريس ـ أستاذ تشومسكي ـ مقالاً عن "الصوتيات" في اللهجة المغربية(12) قَصد منه إيضاح ما كان يسمى "إجراءات الاكتشاف" في الدراسة اللسانية البنيوية في أمريكا(13). ومن هؤلاء اللساني البريطاني الشهير فيرث الذي كتب تحليلاً صوتيًّا للغة العربية يبين فيه تطبيقه لمنهجه في التحليل المسمى بالتحليل التطـريـزي  Prosodic analysis(14).
وكما يقول عالم اللسانيات الأمريكي المعاصر فْرِدْ هَوْس هُولْدر في تقديمه لمجموعة المقالات التي جمعها سلمان العاني وصدرت عن نادي اللسانيات في جامعة إنديانا بأمريكا". . . عندما قرأت هذه المجموعة المختارة من المقالات ظَهرَ لي أن من الصعب أن تجِد أية مجموعة من المقالات أكثر تمثيلاً منها لمختلف فروع اللسانيات والمدارس اللسانية المتعددة. ذلك أنه يبدو من هذه المجموعة أن اللغة العربية تحوي مسائل لفتت انتباه أكثر العقول المهتمة باللسانيات تميُّزا، وتوضح أكثر المفاهيم اللسانية الأساسية. ولو سئل أي لساني (اليوم) أن يسمي عشرة من أشهر المبدعين في اللسانيات وأكثرهم أثرًا فيما بين 1940 و 1970م فمن غير المحتمل أبدًا أن لا يسمي رومان جاكوبسون وزيلك هاريس وجوزف جرينبرج وجورج تريجر. وتَظهَر هذه الأسماء كلّها في هذه المجموعة. وعلى الرغم من غياب فيرث وكينيث بايك وأندريه مارتينيه من هذه المجموعة إلا أنها تشمل تلاميذهم. وإنك لتجد في هذه المجموعة أقسام اللسانيات الكبرى جميعها تقريبًا ممثَّلة، وربما يكون تمثيلُها مكررًا مرات عديدة"(15). ولقد استمرت اللغة العربية في استقطابها لأكثر العقول تميُّزًا في اللسانيات فيما تلا التاريخ الذي ذكره هوس هولدر. وكان من أبرز المهتمين بها مايكل بريم؛ إذ كتب رسالته للدكتوراه في معهد ماساتشوستس في سنة 1970م(16). وقد اعتبرها الباحثون عملاً بارزًا استخدم فيه بريم دراسةَ التركيب الصواتي للغة العربية حجةً لتطبيق النظرية الصواتية التي اقترحها تشومسكي وهاله في كتابهما "نمط الأصوات في اللغة الإنجليزية"(17). وقد انتشرت هذه الرسالة في أقسام اللسانيات في أمريكا وغيرها واعتُمدت مرجعًا للدراسة الصواتية وظهرت الإشارة إليها في عدد كبير من الكتب والمقالات في تلك الفترة. ولا زالت الإشارة إليها تتكرر بوصفها عملاً كلاسيكيًّا في النظرية الصواتية وفي الدراسات العربية.
ويبين مايكل بريم في مقدمة رسالته أن لعمله ذاك هدفين: أولاً: الإسهام في المعرفة التي تتزايد بشكل سريع عن النظرية الصواتية، وثانيًا: الإسهام في مجال اللسانيات السامية بمعالجة واحدة من اللغات السامية معالجة أعمق مما سبقها.
ويبين أن الهدف الأول لا يتحقق إلا بمعالجة لغة واحدة تُختَبر بفحصها المقولاتُ النظرية في مجال الدراسة الصواتية. لذلك فقد فحص عددًا كبيرًا من القواعد الصواتية في اللغة العربية لكي يختبر كِفاية النظرية الصواتية التوليدية وليُحدِّد الجوانبَ التي ينبغي مراجعتها في تلك النظرية. ثم بيَّن عددًا من المقولات في هذه النظرية مما يمكن اللغة العربية أن تعد معيارًا في إمكانها أو عدم إمكانها. أما فيما يخص الهدف الثاني فيقول: "إنه يبدو أن اللسانيات السامية في وضعها الراهن مفلسة. فليس هناك إلى الآن أي وصف صواتي معاصر لأية لغة ساميَّة يتجاوز تحليل النحويين العرب القدماء. إنني أعتقد أن النحو العربي خاصة قد بلغ أدنى درجات الانحطاط على أيدي العلماء الغربيين. فلقد تجاهلت اللسانيات الغربية تجاهلاً يكاد يكون تامًّا كثيرًا من العمق والأصالة اللذين أورثناهما النحويون العرب. وسأعالج هذا الموضوع بالروح التي عالجه بها أولئك النحاة. ويصحُّ هذا في الأقل فيما يخص المسألة التي استرعت انتباههم، وهي مسألة تحديد "الأصل" أو "التمثيل العميق" للغة"(18).
ويعالج بريم في رسالته بعض المقولات النظرية مثل الترتيب بين القواعد الصواتية ترتيبًا خَطِّيًّا linear، وكذلك تطبيق القواعد الصواتية تطبيقًا دوريّا Cyclic، وهما المقولتان اللتان شَغَلتا المنظِّرين الصواتيِّيْن منذ النموذج النظري الذي اقترحه تشومسكي وهاله سنة 1968م، ولا زال الانشغال بهما مستمرًّا إلى الآن. وقد وجد أن هناك ما يقرب من 38 قاعدة صواتية وشَرْطًا تحكم التركيب الصواتي للغة العربية النموذجية العصرية وتكوِّن نتيجةً للتشابك فيما بينها بنيةً صوتية متضامَّة تفسِّر الاطراد الموجود فيها. كما عَرض إلى البحث التاريخي في اللغات السامية. وعالج بعض المقولات النظرية في هذا المجال مستخدِمًا مادة لغوية من اللهجات العربية أو اللهجات التي تفرعت عنها مثل اللغة المالطية. ولم يكن الوحيدَ الذي عالج اللغة العربية بقصد الإسهام في النظرية اللسانية فقد كان هناك عدد كبير من الدراسات من هذا النوع لا يمكن حصرها هنا.
وفي سنة 1979م أنهى جون مكارثي رسالته للدكتوراه في معهد ماساتشوستس وكانت بعنوان "قضايا شكلية في الصواتة والصرف الساميين"(19). واعتمد تحليلَ العبرية والعربية الفصحى ولهجتي دمشق والقاهرة في التدليل على بعض المقولات النظرية التي اقترحها. وفي هذه الرسالة أَسَّس مكارثي نظريةً جديدة في التحليل الصواتي.
فقد كان المتَّبع في التحليل الصواتي الكلاسيكي أن يُنظَر إلى الكلمة بوصفها مركَّبةً من أجزاء متتابعة وهو ما يدعي بالتركيب السلسلي concatenative. وهذا التركيب هو الذي يسود في كثير من اللغات الحديثة بمختلف انتماءاتها الأُسرية.    ويرى مكارثي بدلاً من ذلك ـ مستفيدًا من النظرية الصواتية ذات المستويات المستقلة AutosegmentalPhonology ـ أن النظرية الصواتية المعيار الذي يمثلها كتاب تشومسكي وهاله لا يمكن تطبيقها على اللغات السامية. ذلك أن الصرفيات في هذه اللغات ليست متوالية بل متداخلةnonconcatenative ؛ فنجد في العربية مثلاً أن الجذور الثلاثة للكلمة هي التي تحمل المعنى الأساسي لذلك تُعدُّ صرفيةً مستقلة، يضاف إليها حركاتٌ تدخل بين أجزائها ومكوِّنات أخرى تُدخَل قبلها و/أو بعدها. فكلمة مثل (كتب) تتكوَّن من صرفيتين مستقلتين هما، الجذر المكوَّن من الصوامت: ك. ت. ب، وحركةُ الفتحة التي تَشغل موضعين أحدهما بين الكاف والتاء والآخر بين التاء والباء. يُضاف إليهما صرفية ثالثة هي الوزن (فَعَل) الذي يعني أن هذه الكلمة: فعل ماض مبني للمعلوم. ولما كانت هذه الصرفيات الثلاثة مستقلة الواحدة منها عن الصرفيات الأخرى فلا بد أن تشغل مستويات مختلفة. لذلك يَقترح مكارثي التمثيلَ التالي لمثل هذه الكلمة:
ك ت ب
ص ح ص ح ص
(حيث تعني (ص) صوت صامت، و(ح) حركة)
فتكوِّن الأصواتُ الصامتة الثلاثة صرفيةً واحدة معناها "شيء خاص بالكتابة"، أما التتابع من الأصوات الصامتة والحركات فهو وزن الكلمة ومعناه "فعل ماض" أما الفتحة فمعناها "أن الفعل ماض مبني للمعلوم". وبذلك تكون الصرفيات متوالية على هذا المستوى المجرد من التمثيل. أما التداخل فيما بين هذه الصرفيات الثلاثة المكونة للفعل (كَتَبْ) فيتم عن طريق بعض قواعد الوصْل association بين أية صرفية والوزن. وقواعد الوصل هذه محكومة بالشروط التي تراها النظرية الصواتية ذات المستويات المستقلة.

وكانت هذه النظرية بداية لما سمي فيما بعد بـ "الصواتة الوزنية"metricalphonology ، وقد زوِّجت هذه النظرية بنظرية الصواتة ذات المستويات المستقلة، فأصبح اسمها "الصواتة الوزنية ذات المستويات المستقلة"Autosegmental Metrical Phonology .
ولم تكن دراسة مكارثي هذه إلا بداية لنظرية لا تزال مستمرة يتم تعميقها باستمرار. وكانت اللغةُ العربية المثالَ البارز الذي يُستعمل في التدليل عليها. وقد كتب مكارثي نفسه عددًا كبيرًا من المقالات في هذه النظرية، كالأبحاث التي نشرها  (انظر مثلاً، المقالات التي نشرها في: 1980، 1981، 1983، 1986، 1993)، وكثير غيرها إلى الآن(20). كما استَقطبت هذه النظرية أبرزَ الباحثين المنظِّرين في الصواتة مثل آلان برنس الذي كتب بالاشتراك مع مكارثي عددًا من المقالات كان موضوعها تطوير هذه النظرية باستخدام اللغة العربية مثالاً (مكارثي وبرنس 1990 ، وغير ذلك). وكتب برنس نفسُه عددًا من المقالات (1987، 1990)(21). كذلك كتب أحد رواد البحث اللساني الصواتي وهو موريس هاله أستاذ مايكل بريم وجون مكارثي عددًا من المقالات كان يخصص بعضها للتركيب الوزني للغة العربية أو يشير في ثنايا أبحاثه للغة العربية.
وقد انتشر الاهتمام باللغة العربية نتيجة لهذه النظرية وغيرها من النظريات اللسانية المعاصرة مما نتج عنه تأسيس بعض المجلات المتخصصة في الدراسات اللسانية عن اللغة العربية مثل Journal of Arabic Linguistics في سنة 1978م  وإنشاء جمعية اللسانيات العربيةArabic Linguistic Society سنة 1988م في مدينة سولت ليك بولاية يوتاه الأمريكية. ونشْر عدد من الكتب عن بعض القضايا في اللغة العربية. ويَكثر كذلك أن نجد مقالات تُنشر في أشهر الدوريات المتخصصة تعالج قضايا في اللغة العربية بقصد الإسهام في النظرية اللسانية. كما خصصت بعض الدوريات أعدادًا خاصة عن الدراسات اللسانية العربية مثل: Arabica في سنتها 28 عدد 2 (1981) و Historiographia linguistica في سنتها الثامنة عددي 2   و 3 (1981م) و Anthropological linguistics في سنتها الثامنة والعشرين، العدد 1 (1986م)، كذلك International Journal of the Sociology ofLanguage في  عددها 16 (1986م) وغير ذلك.
أما فيما يخص الجمعية اللسانية العربية في أمريكا فقد قامت منذ 1988م بعقد ندواتسنوية تُجمع الأبحاثُ التي تلقى فيها في مجموعات وتنشرها دار نشر جون بنجامين للنشر الشهيرة. وقد افتتحت مشيرة عيد، وهي من مؤسسي هذه الجمعية ومن أبرز الباحثين في اللسانيات العربية في أمريكا، المجموعةَ الأولى بمقال طويل بعنوان "اللسانيات العربية: الوضع الحاضر"(22) تحدثت فيه عن التوسع الذي طرأ في السنوات الأخيرة على الدراسة اللسانية المهتمة باللغة العربية. وذكرت غزارةَ الأبحاث والاهتمام بهذه اللغة في المؤتمرات والندوات اللسانية العالمية الشهيرة مثل اجتماعات جمعية اللسانيات الأمريكية وجمعية شيكاغواللسانية وغير ذلك. كما ذكرتْ عددًا من المؤتمرات التي اختصت باللغة العربية. وذكرت أن الاهتمام باللغة العربية كان ذا شقين، أحدهما: البحث في اللغة العربية ذاتها، وثانيهما: البحث فيها لغرض اختبار المقولات النظرية اللسانية وتطويرها. كما تناولت كثيرًا من القضايا التي استحوذت على اهتمام الدارسين، وكانت اللغة العربية اللغةَ التي تناقش من خلالها. ويمكن عدّ هذا المقال أوفى مراجعة  للنشاط الذي تركَّز حول اللغة العربية في السنوات الأخيرة. وهو يشير بوضوح إلى أن اللغة العربية تحتل موقعًا متميزًا بين اللغات في هذا النشاط.
وفي هذه المجموعة يكتب اللساني الأمريكي المتخصص باللغة العربية تشارلز فرجسون مقالاً بعنوان "فأتوا بسورة من مثله: اللغة العربية مقياسًا للمجتمع العربي"(23) يقارن فيه بين وضع الدراسة عن اللغة العربية قبل أربعين سنة ووضْعها في سنة 1988م، فيلاحظ كثرة المقالات والكتب التي نُشرت عنها. ويتحدث عن وضع الدراسات اللسانية العربية في الفترة المبكرة التي يمكن وصفها بالقلة، وأنها كانت تهتم بالجانب التاريخي من الدراسة. ثم يشير إلى التغير اللغوي في العالم العربي الذي ينحو إلى خلق لغة نموذجية جديدة خلافًا للوضع الذي كان قد وصفه في مقالة نَشَرها سنة 1959م بعنوان "الازدواجية"(24) وكان قد تنبأ فيها باحتمال انفصال العالم العربي لغويًّا إلى ثلاث مجموعات هي: بلاد الشام والعراق، ومصر والسودان، والمغرب العربي. لكنه يؤكد في هذا المقال أن هذا الاحتمال لا يزيد عن كونه احتمالاً واحدًا بين احتمالات أخرى ممكنة.
واحتوت هذه المجموعة تسعة مقالات تُناقش ثلاثةَ مواضيع هي: المنظور النحوي: ويحوي خمسة مقالات تتناول بعض المسائل النحوية في العربية من خلال النظرية اللسانية التركيبية، والموضوع الآخر هو منظور تحليل النص ويحوي مقالين تُناقش فيهما مسائلُ مثل ظاهرة الشَّفَوية وتحليل اختفاء حركات الإعراب تاريخيًّا في نص يعود إلى نصوص مسيحية من جنوب فلسطين. والموضوع الثالث هو المنظور اللغوي النفسي، ويناقش فيه ذاكرة ثنائيِّ اللغة، وظاهرة سَبْق اللسان. وكما هو واضح، تغطي هذه المجموعة نواحي مهمة من حيث وصف اللغة العربية لذاتها واتخاذها سبيلاً لمناقشة بعض المسائل اللسانية النظرية العامة.
أما المجموعة الثانية فقد حررت أبحاثَها مشيرة عيد بالاشتراك مع جون مكارثي وتحوي ثلاثة محاور هي: المنظورُ الصرفي والصواتي، ويحوي ستة أبحاث؛ والمحورُ الثاني المنظورُ الدلالي ويحوي بحثين؛ والمحورُ الثالث المنظورُ اللساني الاجتماعي. ويقدم جون مكارثي ومشيرة عيد لهذه المجموعة مبينيْن أنه "يحدث أحيانًا أن بعض الحقائق في لغة معينة أو عائلة لغوية ما تتعدى الاهتمامات الضيقة (عن هذه اللغة أو الأسرة اللغوية التي تنتمي إليها) وتدخل في الضمير الجمعي للمنظِّرين اللسانيين بعامة. وتصبح هذه الحقائق عندئذ جزءًا مما يسمى (بالحالات الكلاسيكية) التي يجب على التنظير اللاحق أن يأخذها في الحسبان منذ البدء. وهذه الحالات قليلة؛ لذلك من اللافت للنظر أن تُسهِم لغةٌ واحدة بحالتين كلاسيكيتين في مجال نظري واحد. ومع ذلك فهذا ما حدث فيما يخص الصرف العربي"(25). وتتمثل الحالتان الكلاسيكيتان اللتان أَسهمَ الصرفُ العربي بهما في التنظير الصرفي اللساني في ما أَسهم به مايكل بريم من تدليل على ما يسمى بـ "الدورة التحويلية" Transformationalcycle ، وفي تقديم الصرف العربي دليلاً على ما أصبح يسمى بـ "النظرية الصواتية غير الخَطِّية".
وقد احتوى المحور الأول على مقال طويل كتبه جون مكارثي وآلان برنس بعنوان "الصرف التطريزي والصرف النمطي"(26). وهذا المقال تطوير للنظرية الصواتية غير الخطِّية ويذهب إلى مستوى بعيد من التجريد؛ إذ يَقترح مبادئَ عامة قليلة تَحكُم ظواهرَ كثيرة في الجانب الصواتي. وأصبح هذا المقال واحدًا من المراجع المهمة يكاد لا يخلو بحثٌ في الصواتة من الإشارة إليه. ويحلل جون مور الأفعالَ المضعفة في اللغة العربية المعاصرة منطلِقًا بصورة أساسية من نظرية مكارثي وبرنس مُدخِلاً عليها بعضَ التعديلات الطفيفة(27). ويكتب روبرت راتكليف عن جموع التكسير في العربية(28). كما تكتب سميرة فروانة مقالاً عن وصل المستويات المختلفة للصرفيات المكوِّنة للكلمة(29). وتحلِّل س. دوجلاس جونسون نظرية الدَّورة في اللهجات الشامية(30) وتقترح بديلاً لتحليل مايكل بريم لحذف الحركات في هذه اللهجات. وتكتب محاسن أبو منصور عن الحركات المزيدة والتضعيف وتركيب المقطع في اللهجة المكية(31) وتقترح تحليلاً يعتمد على تركيب المقاطع لتفسير بعض الظواهر الصوتية في هذه اللهجة. ويكتب جون إيسل عن التنظيم الجِهَوي للأفعال في اللهجة القاهرية(32). ويكتب محمود البطل عن عناصر الربط في النصوص النثرية العربية(33). ويكتب ديلوورث باركنسون عن الاختلافات الإملائية في اللغة العربية المعاصرة متخذًا من رسم الهمزة مثالا(34). وأخيرًا يكتب عادل الطويسي عن نطق غير العرب للعربية ويَتخِذ ذلك دليلاً على أن تبسيط اللغة وقواعدها مسلَكٌ عام ينطبق على تبسيط العربية وغيرها من اللغات وإن كان هناك ما تختلف فيه هذه الظاهرة في العربية عن غيرها(35).
وهكذا نرى أن هدف هذه الأبحاث كلها هو دراسة بعض الظواهر في العربية للإسهام في تطوير الدراسة اللسانية النظرية. ومن الأدلة على أثر مثل هذه الدراسات أن البحث الصواتي الآن يأخذ النظرية التي أسست على اللغات السامية، خاصة العربية ذات التركيب الصرفي المتميز عن غيره، نموذجًا يُعمم على لغات تختلف عن اللغات السامية في كون الصرفيات فيها متتابعة بدل أن تكون مستقلة بعضها عن بعض. ومن ذلك ما نجده في مكارثي 1989م(36) وبرنس 1987م(37).
وتحوي المجموعة الثالثة من هذه السلسلة ثلاثة محاور: الأول عن اللغة العربية وصلتها باللغات الأخرى، والثاني عن النحو، والثالث عن اللسانيات النفسية واللسانيات الاجتماعية. وتفتتح مشيرة عيد هذه المجموعةَ، التي حررتها بالاشتراك مع اللسانيّ الأمريكي المشهور برنارد كومبري، بمقدمة توضح فيها الخطوط العامة للأبحاث المتضمنة فيها. ويكتب كومبري المقال الأول بعنوان "أهمية اللغة العربية  لنظرية اللسانية العامة"(38). ويبين فيه بأدلة جديدة أهمية العربية للتنظير اللساني. فيقول في مقدمة مقاله: ". . . يجب ألا تكون اللسانيات العربية موضوعًا مستقلاً، سواء أكان ذلك بعدم أخذها من النظرية اللسانية العامة أم بعدم إسهامها في النظرية العامة، وهو أمر أكثر أهمية هنا. وأريد أن  أؤكد بعضًا من أوجه الأهمية للإسهام الذي أعتقد أن دراسة العربية يمكن أن تقدمه للنظرية اللسانية العامة. وبالمقابل، يمكن الظنُّ أن من غير المفيد أن يبرهن الإنسان على أهمية العربية لكي يشجِّع دراسة العربية، إذا أخذنا في الحسبان أن هذه اللغة دُرست من قبْل دراسة مستفيضة بوصفها لغةَ حضارة مهمة ودين مهم . . . لذلك أَودُّ أن أبين حتى لأولئك اللسانيين الذين لا يهمهم هذا المنظور الحضاري الواسع أن اللغة العربية لديها الكثير مما تقدمه لهم"(39).
ويناقش في هذا المقال عددًا من القضايا ومن أخصها الطريقة التي تعبِّر بها اللغةُ العربية ولهجاتها عن الزمن والجهة. وينطلق من وصف هذه الظواهر إلى قضايا أكثر عمقًا في النظرية اللسانية العامة.
وتكتب مشيرة عيد مقالاً عن الجملة الاسمية في العربية والعبرية(40) تقترح فيه أن في الجملة الاسمية في اللغتين رابطًا ربما يعبَّر عنه أحيانًا بالضمير ويؤدي وظيفةَ فعل الكَوْن. ويكتب جون مكارثي مقالاً عن الأصوات الحلقية فيالعربية(41) يرى فيه أن نظرية الملامح التمييزية في النظرية اللسانية الصواتية تخلو من مَلْمَح يمكن أن يعبِّر عن هذه الأصوات. لذلك يقترح إضافة ملمح يُسميه بـ "الحُنْجُرية" إلى قائمة هذه الملامح في النظرية. ويكتب عواد الحربي مقالاً عن الكلمات العربية في إحدى اللغات الأندونيسية(42) يحلل فيه النظريات المقترَحة لتفسير دخول الكلمات الأجنبية في لغات أخرى. ويكتب عبد الجواد محمود مقالاً عن التحليل التقابلي في بعض أنواع الجمل في اللغتين الإنجليزية والعربية يتطرق فيه إلى اختبار بعض النظريات اللسانية المقترَحة لتحليل بعض أنواع تلك الجمل(43). وتكتب محاسن أبو منصور عن الحركات المزيدة في اللهجة المكية منطلِقةً من ذلك الوصف إلى مناقشة بعض النظريات الصواتية لتحليل هذه الحركات المزيدة(44). ويكتب كينيث بيزلي عن التحليل الحاسوبي للصرف العربي(45). ويحلل العباس بن مأمون أفعال التعدية في العربية المغربية(46) وذلك في إطار نظرية الربط العاملي Government and Binding theory التي اقترحها تشومسكي. وهناك ثلاثة مقالات عن اللسانيات الاجتماعية واللسانيات النفسية هي: "الرجال والنساء والتنوع اللغوي في العالم العربي"، وكتبه كيث وولترز(47)، و"تغيير الرمز والانسجام اللغوي في العالم العربي"، كتبه عبد الرحيم أبو ملحم(48)، ويعرض فيه للمستويات اللغوية التي يستعملها العرب في أحاديثهم اليومية. ويعالج المقالُ الأخير ظاهرةً تَحصُل عند متكلمي العربية المصابين بإصابة في أدمغتهم(49).
أما المجموعة الرابعة فحرَّرتها إلين بروسلو بالاشتراك مع مشيرة عيد وجون مكارثي. وهي تحوي ثلاثة محاور: الأول عن اللهجات العربية ومقتضياتها للسانيات العامة، والثاني عن اللسانيات الاجتماعية، والثالث عن الدراسات التاريخية. ويقدم جون مكارثي وإلين بروسلو لهذه المجموعة، ثم تكتب بروسلو مقالاً عن مقاييس الاختلافات الصواتية في اللهجات العربية(50). وتبين أنه على الرغم من الاختلافات الظاهرية بين هذه اللهجات إلا أنها تحكمها مبادئ عامة قليلة، وأن ما يلاحظ من هذه الاختلافات سببُه تغيُّرٌ ضئيل يعود إلى مبدأ خاص بتركيب المقطع. وتكتب محاسن أبو منصور عن "تقصير المقطع المغلق وعلاقته بالمستويات الصرفية(51) وتقارن بين اللهجات المكية واللهجة المصرية في ظاهرة قِصَر المقطع المغلق، وتقترح وجودَ مستوى آخر في الصرف يمكن أن يفسِّر الاختلاف بين اللهجات واللغات. ويكتب ديفد تيستن عن الكاف التي تستخدم ضميرًا للمتكلم في بعض اللهجات اليمنية(52) ويشير إلى أن هذه الظاهرة ربما كانت نتيجة لأثر اللغات العربية الجنوبية القديمة. وتكتب فريدة أبو حيدر عن أثر اللغة العربية المعاصرة على انسجام اللهجات البغدادية التي تتكلمها طوائف متعددة53). وتكتب مشيرة عيد عن الضمائر وأدوات الاستفهام والمطابقة في اللهجات العربية(54). ويكتب جون إيسل عن الأفعال المساعدة في اللهجة المصرية من خلال المقولة النحوية المسماة بـ Aux ، وهي إحدى المقولات المقتَرَح وجودها في التحليل التركيبي للجمل(55)، ويقترح تحليلاً للظواهر التركيبية لا يلجأ إلى اقتراح هذه المقولة. وتكتب نيلوفار حايري عن التنوعات الآنية في اللهجة المصرية مركِّزةً على ظاهرة صوتية تتمثل في تقديم بعض الأصوات الخلْفية بحيث تنطق من مقدم الفم(56). ويكتب كيث وولترز عن نطق الضمة الطويلة في إحدى اللهجات التونسية متخذًا هذه الظاهرة وسيلة لتحديد الاختلافات اللغوية في الأوضاع اللغوية التي توجد في مناطق لقاء لغوي بين الفرنسية والعربية(57). ويكتب أحمد عطاونة عن مزج الرموز في كلام الذين يتكلمون الإنجليزية والعربية لغتين أصيلتين(58)، ويناقش هذه الظاهرة مقارِنًا إياها بأوضاع مشابهة في أماكن أخرى من العالم. ويكتب ر. كيرك بيلناب وأسامة شبانة عن جموع الأشياء غير العاقلة في اللغة العربية الفصحى واللغة العربية المعاصرة والمطابقة بين الأسماء الجمع   والصفات(59)، ويقترحان بعض النتائج عن تاريخ اللغة العربية. وأخيرًا تكتب كارين ريدنج عن التحليل التركيبي الصرفي في كتاب "الجُمل في النحو" محلِّلة اللغةَ الوصفية والمنهج في هذا الكتاب المنسوب للخليل بن أحمد(60).
وتختتم كل واحدة من المقالات في المجموعات الأربع بقائمة للمراجع تشهد بمدى العمل العلمي المتشعب والمتعمق الذي حظيت به اللغة العربية.

مكانة الدراسات النحوية العربية:
ظلت الإشارات إلى إسهامالعرب المسلمين نادرة في دراسات الغربيين اللغوية. إذ تعمُد كثيرٌ من كتب تاريخ البحث اللغوي إما إلى تجاهل ذلك الإسهام أو التقليل منه إذا ذَكَرتْه. ومن ذلك ما يقوله ج. س. جرين: "من اللافت للنظر أنه يبدو أن العرب لم يسهموا بشيء في دراسة اللغة يمكن أن يقارن بدراساتهم التي أدت إلى إغناء الرياضيات، والفلك، والطبيعة، والطب، والتاريخ الطبيعي وتطويرها"(61).
وإذا ما ذُكر تاريخ النحو العربي فكثيرًا ما يُقرن بأثر أجنبي أسهم في نشوئه. ومن ذلك القول بأن النحو العربي متأثر بالدراسات اليونانية، أو متأثر بالدراسات الهندية. لكن هذا الحال تغير خصوصًا مع ازدهار الدراسات اللسانية المتأثرة بفكر تشومسكي. ذلك أنه ينظر إلى اللغات عمومًا على أنها تمثُّلات لشيء واحد عام في بنى الإنسان مخصوصين به. لذلك لا نستغرب التشابهات الكثيرة العميقة بين اللغات كما لا نستغرب أن يصل بنو الإنسان في دراسة لغاتهم إلى نتائج متشابهة. ونتيجة لهذا الأثر بدأ توجُّه جديد يهتم بالدراسات العربية في الغرب من حيث البحث في تاريخ النحو العربي.
ومن أوائل الأبحاث الحديثة المتأثرة بالفكر اللساني لتشومسكي وتنحو هذا المنحى مقال كتبه ديفد بترسون بعنوان "بعض الوسائل التفسيرية عند النحويين العرب"(62). ويناقش فيه لجوء النحويين العرب إلى التأويل والتجريد، ويختمه بقوله: ". . . يجب أن يكون واضحًا من النقاش الذي تقدم أن النحويين العرب لم يكونوا وصفيين لا يهتمون إلا بالظاهر في أية حال. بل هم بنيويون بالمعنى نفسه الذي يصنَّف به أكثر الدرس اللساني في القرن العشرين، ومن ضِمنه النحو التوليدي التحويلي بأنه بنيوي ـ لقد كان النحويون العرب مهتمين بالتحليل البنيوي الذي يصل الأشكال بعضها ببعض، وذلك ما يؤدي إلى تفسيرها. ومن اللافت للنظر أن تكون بعض تحليلاتهم مجردة ومصوغة بمصطلحات تشبه ما يستعمله اللسانيون اليوم. . . ومما يبيِّن دليلَ نجاحِهم يُبينه أن عملهم لم يُتجاوز إلا في حالات قليلة"(63). ولنتذكر هنا ما قاله مايكل بريم في مقدمة رسالته للدكتوراه، وهو ما أشير إليه من قبل في هذا البحث. وهناك أعمال كثيرة اهتمت بهذا الجانب، لكنني سوف أهتم هنا بعدد من الأبحاث التي صدرت أخيرا.
ومن أشهر العاملين في هذا الاتجاه مايكل كارتر؛ فقد كتب عددًا كبيرًا من المقالات والكتب عن موضوع تاريخ النحو العربي خصوصًا ما يتعلق بكتاب سيبويه(64). ومن ذلك المقالاتُ والكتب التالية: "عشرون درهمًا في كتاب سيبويه"(65). ويتحدث فيه عن استعمال سيبويه لهذا التعبير للتمثيل في كثير من الأحيان. و"أصول النحوالعربي"(66)، و"نحوي عربي من القرن الثامن الميلادي"(67)، و"الصرف والخلاف: مساهمة النحو العربي"(68)، و"اللسانيات العربية"(69) وهو كتاب حقق فيه مخطوطًا عربيًّا نحويًّا هو "نور السجية في حل المسائل الآجرومية" لمؤلفه سيدي محمد الشربيني الذي عاش في القرن السادس عشر الميلادي في مصر وترجمه إلى الإنجليزية. وتحوي الترجمة إلى جانب النص العربي وترجمته إلى اللغة الإنجليزية تعليقات مفصلة عن مسائل النحو العربي والخلاف فيها ومناقشة بعض الأبحاث الحديثة التي ناقشت بعض القضايا التي ذُكرت في الكتاب.
ويختمه بفهارس للآيات القرآنية والأبيات الشعرية التي استشهد بها والأسماء والمؤلفين وعناوين الكتب. زيادة على ذلك فهناك اثنتا عشرة صفحة تحوي المصطلحات العربية المستعملة وترجمتها إلى مصطلحات إنجليزية. و"استعمال أسماء العلم في كتاب سيبويه أداة للاختبار"(70)، و"متى صارت كلمة "النحو" اسمًا للنحو"(71)، و"المصطلح "سبب" في النحو العربي"(72)، وغير ذلك كثير. كما أسهم مع كيس فريستيغ في تحرير كتاب بعنوان "دراسات في تاريخ النحو العربي 2"(73). ويحوي اثنين وعشرين مقالاً تهتم كلها بتاريخ النحو العربي وهي حصيلة مؤتمر عُقد في جامعة نيمنجن في المانيا سنة 1987م.
ويقول المحرران في مقدمة هذا الكتاب "يمكن أن يشار هنا إلى نقطتين مهمتين يعنى بهما مؤرخ اللسانيات: فالأولى أن الاهتمام العميق الظاهر الآن باللسانيات العربية هو من غير شك نتيجة لتطور اللسانيات العامة وصقْلها؛ إذ وَضع هذا التطورُ العلماءَ الغربيين في مستوى يمكنهم فيه أن يقدروا عمق التفكير اللساني العربي ودقَّته. وبغض النظر عن النواحي التي يمكن أن تكون اللسانيات النظرية قد فشلت في إنجازها في الدوائر العلمية الغربية إلا أنها أسهمت من غير شك إسهامًا موجبًا في فهمنا للسانياتغير الغربية. والنقطة الثانية أن من الواضح أنه على المستوى النظري الكلِّي أو على المستوى التطبيقي كليهما هناك بعض الدروس التي يمكن للسانيات الحديثة أن تتعلمها من النحويين العرب القدماء. إن مفهوم الكليات اللسانية في الأقل ربما لا يمكن نقاشه الآن من غير أن نتأمل في التنظيرات المشابهة في اللغة العربية، حيث يجب ألا يؤكد تطبيق كثير من معطيات اللسانيات المعاصرة من غير الإشارة إلى التقاليد اللسانية التي تعد اللغة العربية أشهرها من حيث النضج الذي لا يقل عن نضج الأنظمة اللسانية المألوفة كالهندية أو الصينية.إن المهتم باللسانيات العامة الذي يعرف العربية أو هو على استعداد لأن يتعلم من العربية ما يمكِّنه من فهم محتوى المقالات التي تحويها هذه المجموعة ربما يجد بعض المعلومات التي يمكن أن تقود إلى تعديل بعض آرائه التي تأسست كلها على التقاليد الغربية.
أما بخصوص ما تتصف به المقالات التي تؤرِّخ للنشاط النحوي العربي في هذه المجموعة فيقول المحرران: "الملاحظ في (المقالات التي تهتم بتاريخ بعض النحويين) أنها تتعدى حدود المناهج التقليدية في البحث، تلك التي تركز أساسًا على التفصيلات الخاصة بسِيَر حياة النحويين، وتنحو إلى فحص إنتاجهم العلمي بوصفه منظومة من الأفكار الثابتة التي لابد أنهم حصلوا عليها من سابقيهم، وبهذه الطريقة لم يُعترف إلا بوجود عدد قليل من العباقرة". أما البديل فهو: "كما يتبين من عدد من المقالات في هذه المجموعة، فقد كان النحوي المسلم حرًّا في تطوير أي رأي يراه معقولاً ومتماشيًا مع دينه، لذلك يجب أن يتوقف القارئ المعاصر عن النظر إلى الإسلام على أنه عنصرُ كَبْت، وأن ينظر بدلاً عن ذلك إلى الخصوصية والمبادرة التي كان المثقفون المسلمون أحرارًا في اتخاذها".
وكتبت المقال الأول في هذه المجموعة جورجينا أيوب بعنوان ""وهذا ما لا يقال" في كتاب سيبويه: مفهوم التمثيل"(74). وتحدثت فيه عن مفهوم التمثيل الذي يتكرر إيراده في كتاب سيبويه أداة من أدوات التحليل.
وكتب رمزي بعلبكي عن "الإعراب والبناء: من المادة اللسانية إلى النظرية النحوية"(75). ويناقش فيه هذين المصطلحين ويرى أن سيبويه ضحى بالاختلافات اللهجية في سبيل تكوين نظرية لسانية منضبطة.
وكتب مونيك برناردز عن "النحوي البصري أبي عمرو الجرمي: موقعه بين سيبويه والمبرد"(76) ويحاول فيه أن يؤرخ لآراء الجرمي. ومنها ما يخص الاعتراض على بعض آراء سيبويه. ويكتب هانز هنريش بيستر فيلت عن "الفصل الذي كتبه ابن فرغون عن النحو العربي في كتابه جوامع العلوم"(77). ويكتب هارتموت بويزن عن "غوليوم بوستال (1510 ـ1581م) وكتابه عن مصطلحات النحو العربي"(78). ويكتب مايكل كارتر عن "قاضي، قاضٍ، قاضْ: ما العنصر الغريب بينها؟"(79). ويرى أن الشكل غير الممكن منها هو (قاض) وذلك اعتمادًا على فحصه لكتاب سيبويه. ويرى أن وجود (قاض) في كتاب سيبويه كان نتيجة خطأ من الناسخ والمحققين. وكتب جانيوس دانيكي عن "النظرية الصوتية  للمبرد"(80). ويرى أنها لم تأت بشيء جديد يتجاوز نظرية سيبويه. وكتب كنجا ديفني عن "مناهج الفراء اللسانية في كتابه معاني القرآن"(81). ويقارن بين مناهج الفراء ومناهج سيبويه، فيرى أن الفراء لم يكن مهتمًّا بالتنظير أساسًا بل أتى تنظيره انطلاقًا من تفسيره لبعض الآيات. أما سيبويه فكان هدفه صوغ نظرية متماسكة للغة العربية ويأتي بالنصوص لتدعيم ذلك التنظير. وكتب جوزيف ديشي عن "معالجة النحويين العرب للمصطلح "حرف""(82). وكتب ايفرهارد ديترز عن "جمع المادة اللغوية عند العرب قديمًا وحديثا"(83). ويتحدث فيه عن التقنيات التي استخدمها العلماء العرب القدماء في جمع المادة اللغوية. ويرى أنهم أخذوا اللغة من ثلاثة مصادر: القرآن الكريم، والشعر الجاهلي، وكلام البدو. وتختلف هذه المستويات بعضها عن بعض، وذلك ما أثَّر في وصف اللغة العربية، إذ نَحَت النظريةُ إلى النظر إلى هذه المصادر الثلاثة كأنها متماثلة. وكتب بو جمعة الأخضر عن الفرق الذي يراه بين النحو العربي الذي يعطي الأهمية للكلمة والمدارس اللسانية الحديثة التي تعطي الأولوية للجملة. ويرى أنه يجب أن نقرأ التفكير اللساني العربي قراءة تعطي الأولوية للجملة. كما يرى أنه يجب أن نقرأ التفكير اللساني العربي قراءة جديدة تقوم على الأخذ والعطاء بينه وبين المدارس اللسانية الحديثة(84). وكتب عبد العالي العمراني جمال عن الربط بين المسند والمسند إليه(85). وكتبت روزالين جواين عن "الاحتجاج بالأقوى في الفقه والنحو والكلام"(86). ويعني الاحتجاج بالأقوى أنه إذا صح أمر في شيء أقل فهو يصح أيضًا في شيء أقوى منه. ومثل ذلك أن يقول القائد اليوناني زينوفون لجنوده "إنه ما دام أن جيشًا أقل من الجنود اليونان استطاع هزيمة الفرس وفتح مدنهم فإن الجنود اليونانيين لا بد أنهم يستطيعون مثل ذلك". وتتبعت الكاتبة استعمال هذه الحجة عند الشافعي في الفقه وعند سيبويه في النحو وعند المتكلمين كالجاحظ والنظّام. وتنتهي من ذلك إلى أن هذه الحجة في النحو والفقه والكلام كانت نتيجة للبيئة العلمية العربية المحلية ولم تكن نتيجة لتأثير أجنبي. وقد بدأ استعمال هذه العلة في الفقه؛ ولما كان سيبويه في أول أمره مشتغلاً بالحديث الذي لم يكن متميزًا عن الفقه فقد اكتسب هذه الحجة واستعملها في كتابه. وكتبت جنفيف همبرت عن "تحقيقات كتاب سيبويه والمخطوطات التي كانت أساسًا لهذه التحقيقات"(87) وأتت بعدد من الملاحظات على هذه التحقيقات. وكتب بيير لارشير عن "عناصر المقامية في النظرية العربية النحوية فيما بعد الفترة الكلاسيكية"(88) وناقش ما ورد في كتاب "شرح الكافية" للاستراباذي من عناصر ليست جزءًا من النحو بل هي تمثيل مجرد للمعنى وللظروف التي يقع فيها الكلام. ومن ذلك التفريق في الجملة الإنشائية بين الجملة الطلبية والجملة الإيقاعية: "فأنت في الطلبية لست على يقين من حصول مضمونها. . . وأما الإيقاعية نحو "بعتُ وطلقتُ" فإن المتكلم لا ينظر بها أيضًا إلى وقت يَحصل فيه مضمونُها بل مقصودُه مجرد إيقاع مضمونها وهو مناف لقصد وقت الوقوع بل يعرف بالعقل لا من دلالة اللفظ أنَّ وقتَ التلفظ بلفظ الإيقاع وقتُ وقوع مضمونه". ويشير إلى أن وجود مثل هذه العناصر في الوصف النحوي العربي يدل على معاصرتها لما يناقش اليوم حول الموضوع. وكتبت فيفيان لُو عن "هل هناك تأثير هندي على دراسة العرب للأصوات أم أن التشابه بين الدراستين كان نتيجة تشابه عارض؟"(89). وتبيِّن أن القول بأن العرب أسسوا وصفهم الصوتي للغتهم على استعارتهم هذا الوصف من الهنود أمر غير ممكن. ذلك أنه في الحالات المعروفة تاريخيًّا عن اقتباس نظام وصفي من لغة إلى لغة أخرى كاقتباس الرومان من اليونان، واليهود من العرب، واللغات الأوروبية الحديثة من الرومان، واليابانيين والصينيين من الغرب، فإن هذا الاقتباس يتميز في هذه الحالات جميعًا بوجود عدد كبير من الأفكار المرتبطة بالوصف المقتبس، وعدد كبير من الكلمات المقترَضة من الأصل، وترجمات لبعض تلك الكلمات. لكن هذا ليس هو الواقع في العربية. فلغة الوصف الصوتي ومصطلحاته خالية تمامًا من هذه المظاهر. وكان مصدر الزعم بأن العرب استعاروا من الوصف الصوتي من الهنود ـ كما تُبين ـ مساواة بعض الباحثين بين كلمة "مَخْرج" عند النحاة العرب وكلمة Sthana عند الهنود. وبيَّنت أن هذا الزعم ليس صحيحًا بل هو وليد عدم فهْم للمصطلحات الهندية. ولما كان العرب قد أسسوا وصفَهم الصوتي على أسس نُطْقية فلم يكونوا بحاجة إلى الاستعارة من الآخرين. وكتب أحمد المتوكل عن تحليل السكاكي لمفهوم "الغرض"، ويبين أن هذا التحليل ذو صلة بالنقاش الحديث في التحليلات الفلسفية واللسانية عن الصلة بين الفكر واللغة(90). وأرَّخ أحمد مختار عمر للدراسات النحوية في مصر في العصور الأولى(91). وكتب جوناثان أوينز عن "بعض المفاهيم التي كانت وراء تطور النظرية العربية النحوية"(92).
وناقش في هذا البحث بعض التحليلات المتعاقبة لبعض القضايا النحوية ويشير إلى أن تغير التحليلات يدل في النظرية النحوية. ومثل ذلك التحليلات المختلفة عند سيبويه والمبرد وابن الزجاج والجرجاني للإضافة؛ وتحليلات سيبويه والأخفش والمبرد للمنصوبات. ويرى أن المدارس النحوية العربية لا تختلف بين بصريين وكوفيين وبغداديين. . . الخ، مكانيًّا، بل تختلف زمانيًّا ونظريًّا، بين المتعاصرِين. وكتب رفائيل تالمون عن "الفراء المتفلسف: تفسير قول غامض منسوب لثعلب"(93). وناقش المقولة التي ترى أن النحو العربي أقيم على أسس يونانية ويؤيد هذه المقولة برد بعض المصطلحات التي استعملها الفراء إلى أصولها اليونانية التي كانت معروفة للعرب في تلك الفترة.
وكتب كيس فريستيغ عن ""مصطلح الاتساع" والمفاهيم المتعلقة به في النحو العربي، وهل تدل على حرية المتكلم؟"(94). ويقصد به استخدام النحو العربي لهذا المصطلح في الوصف. ويدل هذا المصطلح على حرية المتكلم في التصرف بالكلام مجازًا وتوسعًا في القواعد. وكتب رونالد وولف عن "تحقيق كتاب الرد على النحاة لابن مضاء"(95). ويرى أن هذا ليس كتابًا واحدًا بل مزيج من كتب أخرى لابن مضاء. وينتهي الكتاب بفهرسين أحدهما للأسماء التي وردت في الكتاب والآخر في 9 صفحات يحوي المصطلحات التي وردت فيه. ويحوي كل مقال قائمة بالمراجع التي اعتمدها المؤلف وهي تعطي صورة واضحة للنشاط الواسع في هذا الميدان الحيوي.
ومن المبرزين في الإسهام بدراسة النحو العربي كذلك جوناثان أوينز. فقد كتب عددًا كبيرًا من المقالات التي تناقش قضايا مختلفة في النظرية النحوية العربية. وسوف أتناول هنا كتابين حديثين له في هذا الموضوع. والكتاب الأول هو "مقدمة للنظرية العربية النحوية في القرون الوسطى". ويقع في 361 صفحة(96). ويتألف من مقدمة وثمانية فصول وثلاثة ملاحق وقائمة بالمراجع وثلاثة فهارس. ويشير في المدخل الذي صدَّر به الكتاب إلى أن الفكرة التي مؤداها أن الممارسة اللسانية العربية يُمكن أن تُفهم حق الفهم من خلال المبادئ اللسانية العامة لم تبدأ إلا في أوائل السبعينيات من القرن العشرين. ويلاحظ في المقدمة أن كلمة "القرون الوسطى" التي تظهر في عنوان الكتاب يجب ألا يُفهم منها الفهم المألوف في الدراسات الغربية التي يمكن فيها أن تشير هذه العبارة إلى غموض المنهج وتعقيده. ذلك أن النظرية العربية النحوية في تلك الفترة تتشابه مع النظرية اللسانية المعاصرة في عدد من الأمور الأساسية، وهو ما يجعل مناقشتها أسهل للقارئ الغربي. ويشير كذلك إلى أنه يمكن البرهنة على أن أحد الأسباب التي أدت إلى عدم تقدير النظرية العربية حين اكتشفها الغربيون في القرن التاسع عشر إبّان تكوُّن التقاليد الإستشراقية، أنه لم يكن في الحضارة الأوروبية في تلك الفترة ما يماثلها. ولم توضع هذه النظرية في منظور أفضل إلا مع التقاليد البنيوية التي أتى بها دي سوسور وبلومفيلد وتشومسكي(97).
ويَعرض في المقدمة(98) إلى المعالم البارزة في تاريخ النحو العربي بدءًا من سيبويه؛ ويشير إلى مصادر هذا النحو التي تتكون من كتب النحو الوصفية مثل: كتاب سيبويه، والكتب المتخصصة في قضايا معينة مثل كتاب "المنصِف" لابن جني الذي يعالج الصرف، وكتاب الزجاج "ما ينصرف وما لا ينصرف" الذي يعالج الممنوع من الصرف، وكتب أصول النحو مثل "الإيضاح في علل النحو" للزجاجي و"الخصائص" لابن جني، وكتب البلاغة مثل "دلائل الإعجاز" للجرجاني، وكتب اللغة والمعاجم، وكتب التفسير، وكتب أخرى ثانوية. ويبين هنا أنه سوف يقصر دراسته على الفترة الممتدة من المبرد إلى ابن عقيل وذلك بسبب تطور النظرية تطورًا محكمًا من ناحية الأدوات الوصفية.
ويقول إنه على العكس من النظرية اللسانية المعاصرة التي تكون فيها مبادئ الوصف والتفسير معلَنةً واضحة لم تكن هذه المبادئ في النحو العربي تذكر علنًا في كل حال. لكن هذا لا يمنع الباحث المدقق من العثور عليها لأنها وأن لم تكنمعلنة فإنها منفذة فعلاً، وهي ليست أقل من حيث الدقة(99).
ويشير في الفصل الثاني الذي عنونه بـ "البنية، والوظيفة، والفصيلة، والتَّعلُّق"(100) إلى الإطار الذي يحدِّد النحو العربي؛ فقد وعى النحويون أن للكلام بِنىً محدَّدة، ولهذه البنى وظائف معينة. وأظهر ما يكون ذلك في الدراسات الصرفية إذ نُظِر إلى كلمات اللغة كلها كأمثلة لموازين معينة.
وكذلك بَحثُهم عن "الأصل" لبعض الكلمات التي يخالف ظاهرُها باطنَها كالأفعال المعتلة، ونظْرتهم إليها على أنها كالكلمات غير المعتلة في خضوعها للموازين نفسها، كما قادتْهم نظرتُهم إلى أن الجملة هي الوحدة الأساسية للتحليل النحوي إلى دراسة المواضع التي تقع فيها الكلمات التي تنتمي إلى فصائل معينة.
وأدى بهم البحثُ إلى افتراض فكرة "العامل" التي تَشهد بأنهم لم يكونوا يَنظُرون إلى الكلمات في الجملة على أنها تتابُع عشوائي؛ بل يَحكم بعضُها بعضا. فيَستدعي وجود كلمات معينة وجود كلمات أخرى. ووجود كلمات معينة يوجب إعرابًا معينًا في كلمات تتبعها. ويوضح هذا نظرتهم إلى كون اللغة نتيجة لتركيب محكم. وحين يقارن أوين هذه الأفكار بإحدى المدارس اللسانية لتحليل الجمل وهي مدرسة "نحو التعلُّق"dependency grammarيجد أن النظريتين تقولان الشيء نفسه. ويستمر في عقد مقارنات أخرى كلها تشير إلى هذه المتشابهات.
ويناقش في الفصل الثالث الذي خصصه للصرف(101) النظريات الصرفية العربية. ويشير إلى الاهتمام الواسع الذي أَوْلته الدراساتُ العربية للصرف والأصوات. وأول ما يلاحظه أن النحو العربي ميَّز بين الصيغة ومعناها. ويشير إلى تمييز النحويين العرب بين الصوت والحرف، وإلى تنبُّههم إلى أن الكلمات العربية تعود إلى جذور ثلاثة في الغالب، وإلى اختراعهم الميزان الصرفي الذي يعيِّن الجذورَ الأصول في الكلمة، والحروفَ المزيدة عليها التي تستخدم في تعيين معان فرعية.ويبين أن بعض الدراسات الحديثة أشارت إلى مماثلة هذه النظرية لنظرية اللساني البريطاني فيرث. ويتوسع في عرض الدراسات الصرفية والمبادئ التي تحكمها ويَعرِض كثيرًا من أوجه التحليل الذي جاءت به.
ويتحدث في الفصل الرابع، "صيغ الكلمات"(102)، عن تصنيف العلماء العرب الكلمات إلى أسماء وأفعال وحروف، وعن المبادئ التي قادتهم إلى هذا التصنيف. كما عرض لكثير من المسائل المتعلقة بهذا التصنيف وإلى محاولة النحويين حل المشكلات التي تَعتَرضه، وإلى الخلافات بين المدارس النحوية في ذلك. ويعقب على بعض هذه المشكلات بقوله: "ليس المهم هنا أن نعيِّن من انتصر على الآخر، بل المهم هو أن نبيِّن أن النحويين العرب وعوا وجود هذه المشكلات والحالات غير الواضحة، وأنهم استعملوا مبادئ لسانية عامة لحلِّها"(103).
ويناقش في الفصل الخامس، "العبارة الاسمية"(104)، تحليل النحويين العرب لبعض التراكيب التي يدخل فيها الاسم كالصفة والموصوف والحال والمضاف والتوابع الأخرى. وعلى الرغم من عدم تطوير النحو العربي لمقولة تماثل "المركَّب الاسمي" في الدرس اللساني الحديث إلا أنه يمكن القول إن النحويين العرب كانوا واعين بها بصورة ضمنية.
ويبين في الفصل السادس، "التَّعْدية"(105)، تحليل النحويين العرب للمفاعيل والوسائل التي يعدَّى بها الفعل إليها. ويرى أنه على الرغم من عدم وجود طريقة كاملة لمعالجة هذه القضية في النحو العربي إلا أن النحويين العرب قدموا مادة ضخمة تتعلق بهذه القضية وتناولوها بشكل مطرد.
ويعرض في الفصل السابع، "الحذف"(106)، إلى تقدير العلماء العرب بعضَ التراكيب المحذوفة في تحليلهم لبعض الجمل. وعرض للأدلة التي جاؤوا بها للتدليل على وجود المحذوفات على مستوى أعلى من التجريد. ومن هذه الوسائل: السياق، والتراكيب، والاتساع، والمجاز. وعرض لبعض المبادئ التي تحكم تقدير هذه التراكيب المحذوفة بحيث لا يكون تقديرها عشوائيًّا. وتكلم عن بعض الخلافات حولها. ويقارن أوينز بين سمات الحذف في النحو العربي والحذف في النحو التحويلي ويرى أن النَّحْوَين يتفقان في أن مسبِّبات الحذف تركيبية أساسا. وذلك لوجود فكرة العامل في النحو العربي. فيُقدِّر النحاة العرب في الجملة التالية:
زيدًا ضربْتُه
أن (زيدًا) منصوب بفعلٍ محذوف يدل عليه الفعل المذكور. كما يقدر النحو التحويلي أن جملة مثل:
Shave yourself
لابد أن يكون فيها فاعلُ للفعل محذوف، وهو:You، وذلك لتفسير وجود الضمير على شكلYourselfبدلاً من وجوده على شكل yourself. ومع هذا التشابه فهو يبيِّن أن هناك أربعة فروق بين النحو العربي والنحو التحويلي في مسألة الحذف. وأول هذه الفروق أن الحذف في النحو التحويلي نتيجةٌ لكون الحذف لا يقع إلا إذا كان للمحذوف مثيل في النص. أما في النحو العربي فللحذف سببان: فالأول تركيبي كما في الجملة المذكورة آنفا، والثاني "مقاميّ" Pragmatic ، ذلك أن المحذوف يفهم من السياق. والفارق الثاني بين النحوين فرقٌ في الاهتمام؛ ففي الوقت الذي ينظر فيه النحو العربي إلى الحذف على أنه محاولة للوصول إلى معرفة المحذوف، يبدأ النحو التحويلي من الجمل الكاملة ويطبِّق عليها قواعدَ الحذف ليصل إلى الشكل الظاهري لها. والفرق الثالث أن في النحو التحويلي قواعد معينة للحذف أما في النحو العربي فلم تحدَّد تلك القواعد بل تستند إلى المتكلم نفسه. والفرق الرابع أن النحو العربي كان ينظر إلى المعنى حين يَقترح الحذفَ وهذا ما لا نجده في النحو التحويلي.
ويعرض في الفصل الثامن لـ "الأصل في النظرية العربية"(107). ويعني بـ "الأصل" أنه في حال وجود أشكال مختلفة للصرفية الواحدة فإن واحدًا منها يُعدُّ "الأصلَ"، أما الأشكال الباقية فهي فروع له. ويتبين عمل النحويين في هذه المسألة من اقتراحهم المقولات التالية:
أصل
أخفّ
أقوى
أوّل
الاسم
المفرد
المذكر
فرع
أثقل
أضعف
بعد
الفعل
الجمع
المؤنث
إلى آخر ذلك.
ويقارن في هذا الفصل أيضًا بين النحو العربي والنحو التحويلي من حيث أوجه التشابه والاختلاف في هذه المسألة. ويرى عدم التشابه بين النحوين بسبب أن النحو التحويلي يسعى لتحويل جمل إلى جمل أخرى، وهو خلاف ما يسعى إليه النحو العربي. وينتهي إلى أن من المضلِّل أن نساوي بين النحوين على الرغم من وجود بعض التشابه.
ويدرس في الفصل التاسع، "التركيب، والدلالة، والمقامية"(108)، عمَل النحويين والبلاغيين العرب في ربط المعنى بالشكل والعلاقة بينهما. ومن الذين اهتموا بهذه المسألة سيبويه وأبو علي الفارسي من النحويين، والجرجاني من البلاغيين. ويعود مرة أخرى في هذا الفصل للمقارنة بين النحو التحويلي والنحو العربي في مسألة دراسة المعنى. ويرى أنه لا تشابه بين النحوين بسبب اختلاف الاهتمام واختلاف التحليل.
ويختتم الكتاب بسبع وأربعين صفحة تحوي 123 تعليقًا ضمَّنها مناقشات على جانب كبير من الأهمية. وتأتي بعد هذه القائمة قائمة تحوي أسماء النحويين والأماكن التي عاشوا فيها وتواريخ وفَياتِهم. ويتبع هذه القائمة تلخيص لقواعد النحو العربي ومبادئه. وتليها قائمة بالأقوال النحوية التي استشهد بها وبعدها قائمة بالمراجع. وبعدها ملحق بأسماء العلماء القدماء الذين ذكروا في الكتاب. وتُبعت بقائمة بأسماء العلماء المعاصرين. يتبعها ملحق بالمواضيع التي نوقشت. واختتمت الملاحق بملحق للمصطلحات النحوية العربية التي ورد ذكرها.
ويمكن أن نرى من هذا العرض السريع للكتاب مدى عمق المعالجة وسعة التناول. ومثل هذه الدراسات التي تنحو نحو التأطير المنهجي هي ما ينقص الدراسات العربية الحديثة إذ يتبين فيها المعنى الكلي والصورة الشاملة للنحو ومبادئه العاملة فيه. وهو يرتفع عن التفصيلات الدقيقة التي تمنع القارئ من رؤية المعالم البارزة المهمة لهذا الفكر العميق.
وكتاب جوناثان أوينز الآخر الذي سأعرضه هنا هو "النظرية العربية النحوية المبكرة: التنوع والتوحد"(109). ويقع في 295 صفحة ويتكون من مقدمة وعشرة فصول متبوعة بملحقين وقائمة للمراجع وثلاثة ملاحق.
ويكاد يكون هذا الكتاب امتدادًا للكتاب السابق، وإن لم يكن ذلك الكتاب مهتمًّا بتاريخ الدراسات النحوية العربية غرضًا رئيسا. فيهتم هذا الكتاب بمرحلة التأسيس التي يمثلها سيبويه والفراء خاصة، بالإضافة إلى بعض النحويين الآخرين الذين لم يكن لهم الدور نفسه في التأسيس كالجرمي والمازني والسجستاني وقطرب. وعلى خلاف كثير من الكتب التي تؤرخ للنحو فلم يهتم أوينز هنا بتفصيلات حياة النحويين، بل كان جل اهتمامه منصبًّا على آرائهم ودراساتهم النحوية، وإذا ذكر بعض تلك التفصيلات فلعلاقتها بتلك الآراء.
ودَرس في المقدمة(110) الآراءَ التي تصنِّف النحويين القدماء إلى مدرستي البصرة والكوفة، وكذلك بغداد. واقترح أن هذا التصنيف لم يكن موجودًا في الفترة المبكرة وأكثر الاحتمال أنه يعود إلى مرحلة لاحقة بعد أن استقر النحو. ودرس كذلك البدايات الأولى للنحو وصلته بالقراءات ثم عرض تعريفًا بأبرز النحويين وأعمالهم التي عرفت عنهم كالخليل والكسائي وسيبويه والفراء والأخفش والمبرد وثعلب والزجاج وابن  السراج.
ويَستكمِل في الفصل الثاني(111) الصورةَ العامة للنحو العربي فيَورد ملاحظتين مهمتين هما: أن هناك كثيرًا من القضايا المهمة التي تشترك فيها المدارس النحوية المبكرة، والملاحظة الثانية أن النحو العربي لم يتوقف تطوره عند ابن السراج. ويمثِّل لذلك ببعض القضايا نحو فكرة العامل ودراسة الإضافة.
ويتحدث في الفصل الثالث، "الفراء لسانيًّا"(112)، عن منهج الفراء كما يتمثل في كتابه "معاني القرآن". ويرى أن الفراء كان مهتمًّا بالتطبي، وذلك على عكس سيبويه الذي كان التنظير همَّه الأول. لكن دراسة الفراء في كتابه معاني القرآن تعطي صورة مجملة عن آرائه النظرية. ومن تلك الآراء آراؤه عن "الأصل" و"الموضع" و"القواعد الكليَّة للغة" و"التتابع" و"القياس". كذلك دراسته للمذكر والمؤنث. ويقارن بين عمل الفراء في "معاني القرآن" وعمل الزجاج الذي ألف كتابًا بالعنوان نفسه. وبدراسته لبعض آرائهما عن بعض الآيات، يرى أنه على الرغم من اختلاف المنهج والهدف وطريقة العرض فإن الفراء والزجاج يتبعان المبادئ نفسها. وهذا ما يشير إلى أن منهج الفراء عمومًا ليس مختلفًا عن منهج النحويين المعاصرين له. كما يشير ذلك إلى أن الخلاف بين البصريين والكوفيين لا يمكن أن يجعل منهما مدرستين مختلفتين.
ويعرض المؤلف في الفصل الرابع، "منهج سيبويه"(113)، منهج سيبويه ويقارنه بمنهج المدرسة البنيوية الأمريكية في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين. ولم يكن هذا المنهج معلنًا عند سيبويه لكنَّ كتابه كان نتيجة لمنهج محدد يمكن اكتشافه. ومن وجوه هذا المنهج استعمالُ سيبويه فكرةَ "التبادل" التي استعملها لتحديد الوظيفة النحوية وتوزيع الكلمات واكتشاف أصح الأشكال للكلمة وتحديد المعنى. ثم ذهب يعطي أمثلة لذلك. كما استعمل سيبويه بعض الطرق المنهجية الأخرى مثل استعمال الدليل السَّلْبي والتصنيف والتبادل القياسي واستعمال الأمثلة الممثِّلة لغيرها وكذلك الكلمات واستعمال الأصل وغير ذلك. وقارن بين سيبويه وابن السراج من حيث المنهج، حيث يرى أن النحو بلغ عند ابن السراج درجة عالية من النضج المنهجي.
ويدرس في الفصل الخامس، "التوابع"(114)، يدرس هذه التركيبات ويطبِّق عليها مناهج النحويين الأوائل مثل سيبويه وابن السراج والفراء والأخفش والمبرد وثعلب وآخرين، وهو ما يدل على تطور في تحليل هذه التوابع وإن لم يَزد اللاحقون من حيث المادة اللغوية شيئًا على ما ذكره سيبويه.
ويقارن في الفصل السادس، "بين سيبويه والفراء من جهة والنحويين المتأخرين"(115)، بين النحويين السابقين واللاحقين، وبين الخطوط العامة التي تساعد على فهم تطور التنظير النحوي العربي.
ويدرس في الفصل السابع، "الفراء حلقةُ وصل"(116)، الفراءَ بوصفه ممثلاً لحلقة تقع بين سيبويه والنحويين المتأخرين ويعده ممثلاً لتطور الدراسة النحوية العربية مقارنًا إياه ببعض النحويين الآخرين.
ويبيِّن في الفصل الثامن، "الفراء وفترة التنوع"(117)، أن الفراء كان ذا فكر نحوي متميز؛ ومن أهم ما يتميز به تفكيرُه استعمالُه مبادئ دلالية في مقابل المبادئ الشكلية التي يستعملها سيبويه.
ويدرس في الفصل التاسع، "نحويون غير بارزين"(118)، عددًا من النحويين غير البارزين مثل لغدة وابن كيسان وخلف الأحمر وثعلب وابن الأنباري ويبين إسهاماتهم ومدى موافقتهم للنحويين الكبار واختلافهم عنهم.
ويتناول في الفصل العاشر، "تطور مدرستي البصرة والكوفة"(119)، المبادئ التي اختلفت فيها المدرستان والتطورات التي مرَّتا بها.
ويتحدث في الفصل الحادي عشر، "التطور البنيوي للنظرية التركيبية العربية المبكرة"(120) عن المبادئ التي كانت تؤطر النحو العربي منذ أطواره المبكرة. ويمكن أن يُعدَّ هذا الفصل خلاصة البحث كله إذ يعرض فيه المصطلحات التي استعملها النحويون المختلفون، ويبين الأطوار التاريخية التي سلكتها هذه المصطلحات. وقد علَّل تسميةَ الفترة التي سبقت نهاية القرن الثالث الهجري بأنها فترة التنوع بثلاثة أسباب هي:
1ـ أن هذه الفترة شهدت مبادئ مستقلة واضحة مختلفة عن الفترات اللاحقة،
2ـ أن النحويين القدماء كانوا معروفين بكثرة الاختلاف فيما بينهم،
3ـ أن التفكير النحوي كان موجَّهًا إما لاتباع سيبويه أو الفراء.
ويبيِّن في الملحق الأول المواضعَ المتعلقة بالمسائل الصرفية الصوتية في كتابي الفراء والزجاج، ويبين المعاني المختلفة للكلمة "حرف" في كتب النحو وكذلك معاني المصطلحين المسند والمسند إليه عند الفراء، ومصطلح "الاشتغال". ويبين موضع التوابع الاسمية عند الأخفش، وبعض المصطلحات الأخرى التي استعملها الفراء، والمواضع التي أشار فيها ثعلبُ في مجالِسه إلى البصريين والكوفيين، والمواضع التي أشار فيها الزجاج في الجزء الأول من كتابه "معاني القرآن" إلى الفراء، والمواضع التي أشار فيها ثعلب في مجالسه إلى البصريين والكوفيين، والمواضع التي أشار فيها الزجاج في الجزء الأول من كتابه "معاني القران" البصريين والكوفيين وغيرهم. وهناك ملحق آخر يحوي الأقوال التي استشهد بها من كتب النحويين وغيرهم، وملحقٌ أخير يحوي أسماء النحويين والأماكن التي عاشوا فيها وتواريخ وفياتهم. وهناك قائمة بأسماء المراجع والمصادر وفهرس للصفحات التي ذُكر فيها النحويون في الكتاب، وفهرس للمصطلحات النحوية العربية، وفهرس للمواضيع التي نوقشت في الكتاب.
ويتبين من هذا العرض الموجز للكتاب أنه يضع بين أيدينا تاريخًا للنحو العربي يختلف عن ما تعودنا عليه في كتب تاريخ النحو التي لا تعطي اهتمامًا كافيًا لدراسة تطور النحو نفسه وتاريخه، بل تهتم بدلاً من ذلك بحياة النحويين وسرد القصص التي تروى عنهم. ويعطي تاريخ النحو في هذا الكتاب معنى للاختلافات التي نجدها بين النحويين ويرصد التطورات التي مر بها هذا النحو حتى استقر.
ولم تكن دراسة النحو العربي فقط هي التي لفتت انتباه اللسانيين الغربيين المعاصرين، بل كان العَرَوض موضوعًا للدراسة كذلك. ومن الذين درسوا العروض العربي اللسانيُّ الشهير موريس هاله(121) وألان برنس(122). لكن أكثر الدراسات الحديثة تفصيلاً هي دراسة جون مالنج التي ناقش فيها كثيرًا من النقد الذي وجِّه إلى العروض العربي في الغرب، وبيَّن أن نظرية الخليل محْكمة جدًّا إذا نظر إليها على أنها تجريد يمكن أن تُشتقَّ منه البحور الستة عشر، كما يمكن أن تصاغ العلل والزحافات صياغة مشابهة لصياغة القواعد الصواتية والصرفية التي جاءت بها المدرسة التوليدية التحويلية(123).
وليس بالإمكان ـ كما قدمت ـ عرض كلِّ ما كتب في الفترة الأخيرة عن النحو العربي، لكن المطلع على الكتابين الذين عرضتهما سيفاجأ بعدد البحوث التي كتبت وسيفاجأ بتنوعها وعمقها حتى ليمكن القول إنه لم يترك جانب من جوانب النحو لم يدرس.
الموقف من اللغة العربية بصفتها لغة:
سبق القول بأن الدراسات الغربية عن اللغة العربية كانت قد اكتسبت سمعة سيئة عند العرب المحدَثين نتيجة لكتابات بعض المفكرين الغربيين والمستشرقين. ذلك أن بعض المفكرين الغربيين في القرن التاسع عشر كانوا عنصريين في توجهاتهم الفكرية مما نتج عنه الاعتزاز بكل ما هو أوروبي والغض من كل ما ليس أوروبيا. وقد عوملت اللغات على أيدي هؤلاء معاملة تتسم بالزعم بأن اللغات غير الأوروبية قديمها وحديثها متخلفة ولا يمكن أن تقارن باللغات الأوروبية في الجمال والإحكام والمنطقية(124).
ومن الكتب الحديثة التي تتصدى للمقولات الأوروبية القديمة عن اللغة العربية كتاب ديفد جستس "دلالة الشكل في اللغة العربية في مرآة اللغات الأوروبية"(125). ويقع الكتاب في 432 صفحة ويتكون من مقدمة واثني عشر فصلا. ويقول جستس في مقدمته إن اللغة العربية عانت من الوصف بالغرابة والرمي بالصفات الجاهزة بالدرجة التي عانت منها اللغة الصينية، وزاد الأمر سوءًا نتيجة للعوامل السياسية.
ويمثِّل التوجهات التي أسهمت في زيادة الأمر سوءًا ما أورده المؤلف من قول أحد الكتاب في مراجعة لكتاب جوناثان رايان "الجزيرة العربية: رحلة في خلال المنعرَجات"، ونشرته جريدة نيويورك تايمز في ملحقها الأسبوعي لمراجعة الكتب: "إن طبيعة لغة الجزيرة العربية، كما يقول المؤلف، منعرجات من الغموض حيث من الصعب أن تجد أيَّ معنى حرفي (لأية كلمة)، وإنما كل ما هنالك إشارات رمزية. تلك هي اللغة التي تعبر فيها كلمة واحدة، باختلاف ضئيل، عن "الجِماع" و"الاجتماعية"، فهل من الغريب إذن، كما يتساءل المؤلف ـ أن يكون من الصعب فهْم العرب". ويبين جستس أن غرضه من الكتاب أن يكون مرآة متعاطفة مع اللغة العربية. إذ سيحاول أن يتفحص الاستراتيجيات والبني التي تبدو مميِّزة للعربية، ويزيل ما علق بها من غموض عن طريق توضيح أن هذه المميزات تشبه ما يوجد في اللغات الأوروبية المعروفة.
ويتكلم في الفصل التمهيدي، "تعريف اللغة المدروسة"،عن تاريخ اللغة العربية ويشير إلى أنها ليست شيئًا واحدًا بل هي مستويات مختلفة تمتد من الفصحى القديمة إلى اللهجات المعاصرة، وهي بذلك تشبه اللغات الكبرى.
وبشير في الفصل الأول، "صعوبة العربية"، إلى وصف اللغة العربية بأنها من أصعب اللغات، إذ تُقارَن بالصينية واليابانية والكورية وغيرها من اللغات. ويقول إنه وَجَد العربيةَ أصعب عند تعلُّمه إياها من اللغات التي تعلَّمها وتنتسب إلى أسرة اللغات الهندية الأوروبية، لكن هذه الصعوبة لا تعود إلى اللغة العربية بوصفها نظامًا لغويا. فالعربية ـ في رأيه ـ لغة مطردة من جهة البنية وهناك عوامل كثيرة في هذا الاطراد تجعل تعلُّمَها أسهل. ويشير في الوقت نفسه إلى بعض أوجه الصعوبة فيها مثل تعدد أشكال جمع الأسماء، لكن هذا لا يجعلها تختلف في ذلك عن الألمانية أو اللاتينية. أما أسباب الصعوبة فليست لغوية بحتة بل هي تاريخية وأسلوبية واجتماعية. ويفصِّل من ثم تلك الصعوبات التي يشار إليها دائمًا ويصف بعض الحلول لها.
ويَعرض في الفصل الثاني، "الخطوط العامة للعربية"، إلى بعض العيوب التي تُنسب إلى العربية كالترادف والمشترك اللفظي والفظاظة والخشونة. ويورد قولاً يكثر إيراده وتوصف به العربية فحواه "إن الكلمة في العربية تعني معناها، وضدَّ ذلك المعنى، وشيئًا فاضحًا وشيئًا عن الجَمل". وهو لا ينكر وجود الترادف والمشترك اللفظي وغير ذلك من الظواهر فيها لكنه يشير إلى أن تلك الظواهر توجد فيها بصورتها التي توجد في القواميس، أما اللغة كما تستعمل فليس فيها شيء كثير من ذلك. ويقارن هذه الخصائص بمثيلاتها في اللغات الأوروبية. ويعرض لغير ذلك من هذه المزاعم التي تؤخذ على العربية مثل: إن المعنى العام للكلمات المشتقة من جذر واحدٍ واحدٌ فكأن هذه الكلمات المختلفة تقول الشيء نفسه، والسطحية والعنف والإطناب والازدواجية اللغوية والغموض والنقص التركيبي والتَّلعُّب بالكلمات ووصفها بالتأخر واتصافها بالأصوات الحلقية القبيحة. وعندما يناقش هذه الصفات يوضِّح أن ما يصفه بعض الناس بهذه الصفات أمور موجودة في كثير من اللغات ومن بينها اللغات الأوروبية.
ويعرض في الفصل الثالث، "الربط بين الشكل والاستعمال"، للزعم بأن اللغة العربية مرآة للعقلية العربية. وهذا الفصل من أطراف الفصول وأجملها، ويبين فيه أن ما تعبِّر عنه العربية تعبِّر عنه اللغاتُ الأخرى بشكل مشابه، وبذلك ينتفي الزعم القائل إن شكل الكلمة يحدِّد معناها أو أن هذه اللغة تصور قصور العقلية العربية.
ويتحدث في الفصل الرابع، "نحو التثنية وتثنية النحو"، عن ظاهرة التثنية في العربية واتخاذ بعض الناس هذه الظاهرة دلالة على وجود بعض القواعد التي لا معنى لها فيها.ويشير إلى أن هذه الظاهرة كانت موجودة في اللغات الأوروبية تاريخيًّا كما توجد في بعض اللغات الأخرى المعاصرة. ويبين أن العربية قد تستعمل التثنية إما لأغراض عميقة من أجل التحديد أو وسيلة للجمال الأسلوبي أو لبعض الأغراض الأخرى. أما مفهوم التثنية فهو من المفاهيم التي بنيت اللغة عليها في مختلف وجوهها.
ويدرس في الفصل الخامس، "اعتباطية الإشارة"، عدمَ الارتباط في العربية بين شكل الكلمة ومعناها، ذلك على الرغم من الحدود الصارمة على شكل الكلمات فيها.
ويدرس في الفصل السادس، "التراكم"، اتصاف اللغة العربية بسعة معجمها.لكن سبب هذه السعة يعود إلى احتواء المعاجم العربية كل الكلمات التي استُعملت خلال تاريخها من غير تمييز للمستعمَل منها في فترة معينة من المستعمَل في غيرها. ويناقش ما يُنسب إلى العربية من عدم القدرة على الرغم من هذه السعة على التعبير عن بعض الأمور. ويبرهن على أن هذه الظاهرة ليست مقصورة على العربية.
ويناقش في الفصل السابع، "الأضداد"، ما ينسب إلى العربية من كون الكلمة تعني أحيانًا الشيءَ وضدَّه؛ وذلك مثل "خائف" التي تعني الفاعل والمفعول، و"باع" بمعنى "باع" و"اشترى"، إلى غير ذلك. ويبين أن هذه الظاهرة موجودة في اللغات الأخرى. ومن ذلك في الإنجليزية كلمة rent التي تدل على "أجَّر" و"استأجر". ويعرض لهذه الظاهرة في التركيب كذلك، كدلالة "الواو" على العطف وعلى التخيير. وكما يؤكد، فمثل هذه الظاهرة موجودة في اللغات كلها وإن كان ذلك بنِسَب متفاوتة. فيجب ألا تؤخذ دليلاً على شيء له علاقة "بعقل" المتكلمين لهذه اللغات. ويجب أن تفسَّر تفسيرًا لغويًّا بوصفها نتيجة لتطورات لغوية أو للتوسع المجازي أو غير ذلك.
ويتحدث في الفصل الثامن، "أسماء النوع"، عن استعمالات هذا التركيب الاسمي ويبيِّن أسبابَ وجوده وأنه لا يوحي بأي مظهر من مظاهر النقص بل له أسباب لغوية مثل: أن إمكان وجود صيغة خاصة مردُّه طواعيةُ تركيب الجذور في العربية واتساعها، ولأن العربية لا تستعمل التركيب المزجي أو الإسنادي كثيرًا فإن في هذه الصيغة تعويضًا عن ذلك، لأنها لا تختلط بغيرها.
ويناقش في الفصل التاسع، "شكل التركيب"، التراكيبَ النحوية مستعمَلةً استعمالاً طبيعيّا. ويبين أن العربية تشبه اللغات الأخرى في استعمال تلك التراكيب.
ويناقش في الفصل العاشر، "الإطناب"، ما يوصف بأنه إطناب لا حاجة له في العربية مثل "لَيْلٌ أَلْيَل"، ويبين أن أكثر هذا الإطناب إنما هو لأغراض أسلوبية وهو موجود في الآداب الأخرى.
ويتناول في الفصل الحادي عشر، "المخصِّصات"، التوابعَ الاسمية كالتمييز والحال، ويبين وظيفتها في اللغة العربية ووجود ما يشبهها في اللغات الأخرى.
ويدرس في الفصل الثاني عشر، "التَّعدية والوصف"، الطريقةَ التي تعبِّر بها العربيةُ عن التعدية عن طريق صيغ خاصة للأفعال ويرى أن اللغات الأخرى تعبر عن المعنى بأساليب خاصة بها.
ويختم كل فصل من هذه الفصول بعدد من الهوامش.
وأبرز ما يميِّز هذا الكتاب الأسلوبُ الذي تغلب عليه السخرية والمفارقة حين يورد مأخذًا على العربية، ويكشف بهذا الأسلوب مدى جهل القائلين بهذا المأخذ أو تحاملهم مع أن ما يأخذونه على اللغة العربية موجود في اللغات التي يعرفون. ويبين أن مصدر هذه المآخذ لا يعدو أن يكون المواقفَ الجاهزة غير العلمية من اللغات التي لا يعرفها هؤلاء أو النية المبيتة التي مصدرها العداء السياسي أو الحضاري لأهل هذه اللغة.
ويحتَلُّ كتاب ديفيد جستس مكانًا مميزًا بين الكتب التي تدعو إلى الموضوعية والدراسة العلمية للغة، وهو جدير بان يقرأه المتخصصون من العرب وغيرهم وذلك لعمق المعالجة للمسائل التي عرض لها وللمقارنة بين اللغات.
وهناك، إضافة إلى هذا الكتاب، إشارات كثيرة في كتابات الدارسين الغربيين لبعض المواقف السلبية التي كانت سائدة في بعض الدراسات الغربية عن اللغة العربية. إذ يحاول هؤلاء الدارسون دفع التهم التي توجه إلى هذه اللغة. ومن ذلك ما يقوله مايكل بريم في مقدمة رسالته للدكتوراه: ". . .  إن اللغة التي سأدرُسها في هذه الرسالة لغةٌ حية. فهي اللغة الأدبية التي توحِّد الدول العربية، وهي التي لا تزال مستعملةً في المدارس والمحاضرات والإذاعة والصحف والتمثيل والوظائف الرسمية الأخرى. إن الزعم بأن هذا النوع الأدبي من العربية نوعٌ مصنوع وسطحي قولٌ لا يدل إلا على جهل قائله. بل إن الفروق التي تفصل بين اللغة الأدبية العربية من النوعيات العامية المختلفة إنما هي فروق مبالغ فيها في الدراسات السابقة. . . "، إلى غير ذلك.
لقد ولى الزمن الذي كانت تروج فيه كتابات مثل كتابات شوبيورافائيل بتاي مما يَخرج على مقاييس العلمية لاعتمادها على فرضيات مثل فرضية سابير وورف التي أُسيء تفسيرها واستعمالها في كثير من الأحيان وهي فرضية نقضتْها البحوث اللاحقة(126).
خاتمة:
كان القصد من كتابة ما تقدم بيانَ أن كثيرًا من المفاهيم الشائعة في الثقافة العربية المعاصرة عن الدراسة اللسانية المعاصرة المتعلقة باللغة العربية تولدتْ عن الجهل بالتقدم الذي يتحقق كل يوم في هذا المجال الحيوي. ولم أكن أهدف إلى كتابة عرض تفصيلي للأعمال المنجَزة بل إن ما قصدته هو التدليل بشكل موجز على هذا النشاط العلمي الذي يبدو أن كثيرًا من المتخصصين في اللغة العربية في العالم العربي إما غير واعين به أو لا يقدرونه حق قدره.
وإلى جانب شك هؤلاء المتخصصين بما ينجز في الغرب عن اللغة العربية لارتباط هذه الدراسات في الضمير الجمعي العربي بدراسة اللهجات بدلاً من الفصحى، وبالدراسات الإستشراقية التي كانت في بعض الأحيان أداة في يد المستعمر، هناك سبب جوهري آخر يتمثل في القول بأن الأجانب لا يمكن أن يفهموا اللغة العربية كفهْم أبنائها لها. وللرد على هذا القول ينبغي الإشارة إلى أن بعض الباحثين في هذه المجالات هم من العرب. يضاف إلى هذا أن القول بأن الأجانب أقل قدرة على فهم اللغة العربية من أبنائها قولٌ ينقصه الدليل. أما الحقيقة فهي أن غير العربي يمكن أن يفهم تركيب اللغة العربية فهمًا يتساوى مع فهم الناطقين بها إذا توافرت له أدوات البحث وكان جادّا. ويمكن أن يدلل على صدق هذه المقولة بأن أبرز علماء اللغة العربية في القديم لم يكونوا عربًا، بل لقد اتهم بعضهم بعدم إجادة اللغة العربية، وأول هؤلاء سيبويه(127).
وإذا نظرنا في تاريخ اللغات الأخرى نجد أحيانًا أن أوفى كتب النحو لبعض اللغات كتبها علماء لم يكونوا من أهل تلك اللغات. وأظهر مثال على ذلك أوتوجسبرسن الذي كتب عن نحو اللغة الإنجليزية وهو دانماركي الأصل واللغة. وعلى الرغم من ذلك فإن كتاباته عنها لا تزال تتمتع بمنزلة عالية في الدراسات الإنجليزية(128).
وهناك ملاحظة مهمة جدًّا هي أن الأجنبي ربما يكون في بعض الأحيان أكثر قدرة على الفهم. وقد حدث هذا فعلاً في دراسة بعض المجتمعات. ومن ذلك ما يقوله ديل إيكلمان: "يعد الكتابان اللذان ألَّفهما باحثان أجنبيان عن المجتمع الأمريكي، في كثير من الجوانب، من أهم وأجود ما كتب في دراسة المجتمع الأمريكي وتأويل قِيَمه الأساسية. ونعني بهما كتاب الأرستقراطي الفرنسي أليكسيس دوتوكفيل "الديمقراطية في أمريكا" الذي صدر في سنة 1835م، وكتاب السويدي المعاصر كونار ميردال "مأزق أمريكا" الذي صدر سنة 1944م. ويمكن للمرء أن يُحاجَّ في هذا الباب فيقول: إن هذين الملاحظين، وإن كانا أجنبيين عن المجتمع الأمريكي، إلا أنهما كانا أكثر وعيًا بالجوانب الأساسية والثابتة من الأمريكيين الذين يأخذون تلك الجوانب على أساس أنها بديهيات أو يكونون على وعي ضعيف بها"(129).
ويصح هذا في فهم اللغة أيضًا. لذلك يجب ألا يُستخفَّ بما يكتبه غير العرب عن اللغة العربية. وهذه ليست دعوة لأن يسلَّم لهم بكل ما يكتبون لكنها دعوة إلى الاطلاع عليه وقراءته قراءة نقدية والاستفادة من الحوار معه.
ويتبين من البحوث التي عرضنا جانبًا منها كذلك أن اللغة العربية لا تزال مجالاً بِكرًا للدراسة، فهناك قضايا كثيرة جدًّا في اللغة العربية الفصحى وفي اللهجات العربية لم تبحث أو لم تنل حظًّا كافيًا من البحث أو أنها في حاجة إلى إعادة التحليل. وتدعو هذه المسألة إلى التفاؤل، إذ أن التحقُّقمن وجود هذه القضايا سيكون دافعًا إلى الانخراط بحماس في البحث اللساني في هذه اللغة. ومما له صلة بهذا الموضوع أن المقولة التي تردد عن النحو العربي ومفادها أنه لا يمكن الزيادة فيه على ما كتبه النحويون العرب القدماء ليست دقيقة تماما. فقد كشفت الأبحاث التي عرضت ـ على الرغم من تقديرها لإسهامات النحويين القدماء ـ أن هناك جوانب عديدة لا تزال بحاجة إلى دراسة.
وأول شروط النهضة باللسانيات في العالم العربي ـ في ظني ـ هو أن نفهم حق الفهم النحوَ العربي بمنطلقاته الفكرية وتقنياته وأُطُره النظرية. لكنْ لا نستطيع أن نحقق هذا الفهم إذا اكتفينا بالنظر إليه من داخله فقط. إنني أظن ـ كما ذكر بعض الباحثين ممن أشير إليهم أعلاه ـ أن الدراسة اللسانية الحديثة قادرة على مدنا بالأدوات المنهجية والأطر النظرية التي نستطيع بها فهم النحو العربي فهمًا دقيقا. وتتعلق هذه النقطة بما يسمى أحيانا "إحياء التراث".
فلا يعني إحياء التراث إلا تفسيره تفسيرًا يجعله معاصرًا لنا. وليس هذا التفسير المعاصر تكلُّفًا إذا ما تعلق الأمر بالنحو العربي. فقد بيّنت كثير من الأبحاث التي عرضت هنا أن هناك قاسمًا مشتركًا في المنطلقات والأهداف والتقنيات بين اللسانيات والنحو العربي. ولا يعني هذا أبدًا أن نكتفي ـ كما يفعل بعض الباحثين العرب المعاصرين ـ بالمقارنات السطحية منطلقين منها إلى الفخر أو إلى تأكيد أسبقية العرب في هذا المجال، بل لا بد أن يكون الهدف إقامةَ الصلة بين منجزات اللسانيات المعاصرة والنحو العربي والبناء على ذلك مسهِِمين في وصف اللغة العربية وصفًا وافيًا ومطوِّرين للنظرية اللسانية المعاصرة نفسها.
ويعني هذا أن الفصل الحاد بين النحويين واللسانيين في الثقافة العربية يجب أن يحل محله الاتصال لخير الفريقين. ومن مقتضيات هذه الصلة أن ينخرط دارس اللسانيات المعاصرة في قراءة النحو العربي قراءة قصدها الأول فهم هذا النحو ومن بعد ذلك نقده وتمحيصه. أما النحوي فيجب عليه الاطلاع على منهجيات اللسانيات الحديثة، وهذا ما سيجعله قادرًا على الإسهام فيها بما يعرفه معرفة حقة من منهجيات النحو.
وقَصْد هذه الدعوة للاتصال بين الفريقين إزالة الجفاء بينهما وتوحيد الجهود بقصد تحقيق نهضة لغوية ليست غريبة على الثقافة العربية. وعلى الرغم مما يشاع في الجو الثقافي العام من ضعف الصلة بين النحو واللسانيات إلا أن الواقع يؤكد أن نشاط النحوي ودارس اللسانيات واحد في الأساس. فلا بد للنحوي ودارس اللسانيات كليهما من جمع المادة اللغوية، ولابد لهما من وصفها، ولابد لهما من تفسيرها. وعند هذه النقطة يتوقف دارس اللسانيات ويستمر دارس النحو في جعل القواعد التي توصل إليها موضوعًا للتطبيق في تعليم الناسِ اللغة.
وخلاصة القول أن واحدًا من معوقات النهضة العلمية اللغوية في الثقافة العربية المعاصرة هو شيوع بعض المقولات التي لا تستند إلى حقائق. وذلك مثل أن النظريات اللسانية المعاصرة لا يصلح تطبيقها على اللغة العربية لأن هذه النظريات أقيمت على لغات غريبة، وأن قصد الدراسة اللسانية المعاصرة فيما يخص اللغة العربية تقعيد اللهجات وإحلالها محل اللغة الفصحى، أو أن الدراسة اللسانية المعاصرة تريد أن تكون بديلاً للنحو العربي بعد إزاحته من مركز الصدارة في الدراسة العربية. ويمكن أن يوصف شيوع هذه المقولات بأنه نتيجة لما يسميه تشومسكي "مشكلة أورويل"، نسبة إلى الروائي الإنجليزي الشهير مؤلف رواية (1984). ويعني بذلك أن كثيرًا من المقولات في المجالات الاجتماعية والسياسية والفكرية تقوم على أسس يمكن بقليل من البحث الكشف عن عدم صحتها، وعلى الرغم من ذلك تبقى سائدة من غير أي تساؤل(130).
لذلك لا يسع المتخصص في النحو العربي في هذا العصر أن يتجاهل التقدم الذي ينجز في اللسانيات، كما أنه لا غنى له عن الاطلاع على ما يكتب باللغات الأخرى عن الدراسات العربية. وبدلاً من القطيعة بينه وبين المتخصصين في هذه المجالات ينبغي عليه أن يسعى إلى الاطلاع على ذلك والاستفادة منه والحوار معه.
الهوامش

9ـ                Roman Jakobson, "Mufaxxama: The Emphatic Phonemes in Arabic," in Salman Al - Ani (ed) Readings in Arabic Linguistics (Bloomington: Indiana University Linguistic Club. 1978) PP 269 - 283.
10ـ
Joseph H Greenberg, "The Patterning of Root Morphemes in Semitic," in Salman Al Ani.  “Reading...,” PP. 431 - 456.
11ـ                                 Joseph H. Greenberg, Ibid. P.432
12ـ Zellig S. Harris, "The Phonemes of Moroccon Arabic", in Salman Al - Ani, Pp.. 247 - 267.
13ـ                                                   Harris, P.265
14ـ J.R. Firth. "Sounds and Prosodies," in Eric P. Hamp, Fred W.Householder, and Robert Austerlitz. Readings in Linguistics II
(Chicago: The University of Chicago. 1996) PP. 175 - 191.
15ـ Fred Householder. "Preface," in Salman Al-Ani. Reading, P. Viii
16ـ Michael B. Brame. Arabic phonology: Implications for Phonological Theory and Historical Semitic. Ph. D. Dissertation
MIT, 1970
17ـ    Noam Chomsky and Morris Halle. The Sound Pattern of English.
(New York: Harper and Row, 1968).
18ـ                    Michael Brame. Arabic Phonology... P.Vii
19ـ                 John Joseph McCarthy III. Formal Problems in Semitic Phonology. and Morphology. Ph. D. Dissertation. MIT. 1979.
20ـ John J. McCarthy, "A Note on the accentuation  of Damascene of Arabic," Studies in the
Linguistic Science (1980)
10.2.
John McCarthy, "A Prosodic Account of Arabic Broken
Plurals," Current Trends in African Linguistics I (ed) By L. Dihoff,
(Dordrecht: Foris, 1983) PP. 263 - 289
J. McCarthy and A. Prince. "Foot and Word In prosodic morphology: The Arabic Broken Plural," Natural Language and
Linguistic Theory 8 (1990) PP. 109 - 183.
21ـ Alan Prince, "Planes and Copying, linguistics of Rhythmic Organization," in Papers from Chicago Linguistic Society, Vol 2,
(1990) PP. 355 - 398.
22ـ  Mushira Eid, "Arabic Linguistics: The Current Scene," in Perspectives on Arabic Linguistics I. Ed By Mushira Eid,
(Amsterdam/ Philadelphia: John Benjamins Publishing co.
1990) PP. 3-37.
23ـ   Charles A. Ferguson., "Come forth with a Surah Like it: Arabic as a measure of Arab Society," in M. Eid. PP. 39 - 51.
24ـ Charles A. Ferguson,"Diglossia," Reprinted in pier paolo Giglioli (ed) Language and Social Context. (London: Penguin
Books. 1972) PP. 232 - 251.
25ـ M. Eid and J. McCarthy, "Introduction," in M. Eid andJ McCarthy Perspectives on Arabic Linguistics. (Amsterdam II/
Philadelphia: John Benjamins Publishing Co. 1990) PP. xii -
26ـ     J. McCarthy and A. Prince, "Prosodic Morphology and Templatic Morphology," in M. Eid and J. McCarthy, PP. 1-54.
27ـ            John Moore, "Double Verbs in Modern Standard Arabic," in M. Eid and J. McCarthy, PP. 55-93.
28ـRobert R. Ratcliffe, "Arabic Broken Plurals: Arguments for tow folds classification of Morphology," in M. Eid and J. McCarthy. PP. 94 - 119.
29ـSamir Farwaneh, "Well - Formed Associations in Arabic: Rules or Condition?" in M. Eid and J. McCarthy PP. 120 - 142.
30ـ      C. Douglas Johnson, "Levantine Cyclogenesis," in M. Eid and J.    McCarthy. PP. 143 - 166.
31ـ  Mahasen Hasan Abu - Mansur, "Epenthesis, Gemination and Syllable Structure," in M. Eid and J. McCarthy. PP. 176 - 191.
32ـ John C. Eisele, "Aspectual Classification of verbs in Cairene Arabic," in M Eid and J. McCarthy, PP. 192 - 233.
33ـMahmoud Al - Batal, "Connectives as Cohesive Elements in Modern Expository Arabic Text" in M. Eid and J. McCarthy,
PP.234-268.
34ـ  Dilwort B. Parkinson, "Orthographic Variation in Modern Standard Arabic: The Case of the Hamza," in M Eid and J.
McCarthy. PP 296 - 295.
35ـ Adel I. Twaissi, "Foreigner Talks in Arabic: Evidence for the Universality of Language Simplification," in M. Eid and J.
McCarthy, Pp. 296 - 326.
36ـ                J. McCarthy, "Linear order in Phonological Representation," Linguistic Inquiry, 20.1 (1989) PP. 71 - 99.
37ـA. Prince, "Planes and Copying," Linguistic Inquiry, 18.2 (1987) Pp. 491 - 509.
38ـ Bernard Comprie, "On the Importance of Arabic for General Linguistic Theory," in Bernard Comprie and
M. Eid (eds). Perspectives on Arabic Linguistics III (Amesterdam Philadelphia:
John Benjamins Publishing Co. 1991) P. 3 - 30.
39ـ B. Comprie. Ibid. PP. 3 - 4.
40ـ Mushira Eid, "Verbless Sentences in Arabic and Hebrew," In B. Comprie and M. Eid, P. 13 - 61.
41ـ       John McCarthy, "Semitic Gutturals and Distinctive feature Theory," in B. Comprie and M. Eid . PP.63-91.
42ـ Awwad Ahmad Al - Ahmadi Al - Harbi, "Arabic Loanwords in Acehnese," in B. Comprie and M. Eid. PP 93 - 117.
43ـ Abdel Gawad T. Mahmoud, "A Contrastive Study of Middle and Unaccusative Constructions in Arabic
and English," in B. Comprie and M. Eid. PP.119 - 134.
44ـ Mahasen hasan Abu – Mansour, "Epenthesis in Makkan Arabic: Unsyllabified consonants Vs. Degenerate syllables,"


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركةمرسل: الجمعة مارس 25, 2011 10:55 am 
معلومات العضو
لساني نشيط
لساني نشيط
إحصائيات العضو

اشترك في: السبت إبريل 21, 2007 10:59 am
مشاركات: 102
مكان: اكادير
غير متصل
السلام  عليكم  ورحمة الله ،

أولا : لم أرد على فكرتك وتساؤلك بصدد نظرية نشأة اللغة ، لا نشغالي بأشغال المؤتمر الدولي الثاني هذا أولا
ثانيا : المعارف مطروحة في الطريق يعرفها العربي والعجمي  كما قال الجاحظ ت255هـ
ثالثا : جمالية البلاغة العربية القديمة ، في كونها تعلمنا كيف نسوس الكلام  لمقتضى المقام ، فلهذا كثيرا ما يتحدث البلاغيون عن حقوق المخاطب ،وحقوق المقام ، بل إن ابن المقفع يتحدث عن سياسة المقام
    ولهذا فالنقاش العلمي يقتضي احترام المقام ، وحسن التأني ، الفكرة التي أدافع عتها هي أن اللغة العربية من منظور اللسانيات المعاصرة لغة طبيعة ، تتطور تخضع لضوابط ، تتحكم فيها مبادئ معينة ، واستدلت بلساني  من العيار الثقيل ، ممثل النظرية التوليدية عربيا بامتياز ، عبد القادر الفاسي الفهري
   أما ما كتبه الآخرون عن اللغة العربية ، فهو لا ينكر ، وكثير ومحمود ، فأكثر من حقق الشعر العربي القديم من المستشرقين ، وسيبويه نفسه ، فارسي
نحن نشتغل على العربية من منظور اللسانيات المعاصرة ، ولا ننكر أهمية النحو العربي
    ومنه الأخت الكريمة حتى يكون النقاش جديا أكثر من اللازم الفكرة التي أناقشها ، -وهي بالمناسبة مشروع مقالة الآن أشتغل عليها ، طرحت الفكرة لأستمع لأراء الطلبة ،-  هي قداسة اللغة العربية من منظور اللسانيات المعاصرة . أنا أرى ويرى معي الكثير من اللسانيين العرب المعاصرين أنها لغة طبيعية ،لديك رأي آخر معزز بالحجج  لك الكلمة !
                                                     والسلام

التوقيع
jتحية اكبار واعتزاز ،للأستاذ المحترم عبدالرحمان بودرع على هذا المنتدى القيم الذي أخد على عاتقه خدمة اللغة العربية واللسانيات العربية .والله ولي التوفيق .


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركةمرسل: الجمعة مارس 25, 2011 8:18 pm 
معلومات العضو
لساني مميز
لساني مميز
إحصائيات العضو

اشترك في: الخميس يناير 13, 2011 6:04 pm
مشاركات: 404
غير متصل
وعليك سلام الله

أخي الكريم لا أدري أين تجاوزت المقام أوالجدية عندما تحدث عن "قداسة اللغة العربية " كل ما قمت به هوأنني رددت عليك من الوجهة اللسانية، وأنت استدلت بلساني مشهور،وأنا استدلت بآخرين فأين الخطأ أخي الكريم
  
أما فيما يخص  اللغة الطبيعية

إن اللغة الطبيعية في جوهرها هي ربط الأصوات بالمعاني ويتحقق ذلك في ظل الحافز التواصلي بين أفراد المجتمع اللغوي، مما يجعل اللغة نظاما من العلامات الدالة التي تغطي مجالا أرحب من المفاهيم، إذن فهي حـقل السني يشمل جميع التصورات المستوحاة من الواقع وتحقيق التلازم بين الصورة السمعية ﴿الدال﴾ المرتبط بتلك الصورة ( المدلول ).
ومن هنا فإن الحديث عن الدلالة يقتضي الحديث عن العلامة، فمنذ كان الوجود وجدت العلامـة نظرا لاتصال الإنسان بالطبيـعة وتفـاعله معـها من أجل تفسير الظواهر وإخضاعها بتأويل دلالتها لتحقيق ظروف الاجتماع بـوصفه ميزة إنسانية، ولا تتحقق هذه النزعة إلا في وجود نظام اصطلاحي من العلامات الدالة.
فما طبيعة العلامة وما قيمتها الدلالية في البحث اللساني ؟
I) تعريف العلامة :
إن حـاجة الإنـسان منذ البدايـة إلى تفسـير الظواهر المحيـطة بـه وتمييـزها وتحديـدها استوجب وجـود العـلامة التي هـي معطى نفسي وثقافي واجتماعي وحضـاري بشكل عـام، ولذا كـانت العلامـة موضوعا للدراسة لدى الفلاسفة والمفكرين الأقدمين منذ أرسطوا وأفلاطون مرورا بالرواقيين إلى أن استقلت بموضوعها في الفكر السيميائي المعاصر.
أ - تعريف العلامة في التراث:
إن التراث الفكري العربي بشموليته الحضارية عبارة عن نظام من العلامات الدالة والتي إذا ما أوغلنا التأمل فيها وجدنا أن هذا التراث الواسع يتجلى فيما يلي.
1 - الموروث اللساني: ويتمثل في
     الموروث النحوي
     الموروث اللغوي
     الموروت المعجمي
2- الموروث البلاغي: ويتجلى في:
     الجانب التقني للبلاغة بمعاييرها المألوفة
     الجانب النقدي
     الجانب الاعجازي
     الجانب الأدبي (المدونات الأدبية الكبرى)
3- الموروث الديني: وينقسم إلى:
     التفسير
     علم الأصول
4- الموروث الفلسفي
5- الموروث الاجتماعي
ومن هذا كله تتضح مميزات تراثنا العربي أنه يتمركز حول الوحي ( القرآن الكريم ) بأبعاده الروحية والعقائدية والاجتماعية والعلمية واللسانية. إذ منذ نزول القرآن الكريم كان التأمل في العلامة واعتبار دلالتها بالنظر والتأمل والتدبر، وقد ورد ذلك في غير موضوع من القرآن الكريم ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى
) إن في ذلك لآيات للمتوسمين((1)
) إن في ذلك لآيات لقوم يعلمون ((2)
) وعلامات وبالنجم هم يهتدون((3)
في رحاب هذا التوجيه القرآني كان التعامل مع العلامة من أجل تفسير دلالتها الكونية والروحية، والاستدلال بحاضرها على غائبها.
يقول "القاضي عبد الجبار" (415هـ): " إن من حق الأسماء أن يعلم معناها في الشاهد، ثم يبنى عليه الغائب" وقد أشار إلى ذلك " الراغب الاصبهاني"(5651) في حديثه عن الفقه حيث قال " أن الفقه هو معرفة علم غائب بعلم شاهد".
ومن هذا المنطلق تعامل الفكر العربي مع العلاقة من حيث هي حقيقة حسية حاضرة تحيل إلي حقيقة مجردة غائبة.
ب - مفهوم العلامة عند الأقدمين:
إن مفهوم العلامة عنـد الدارسين الأقـدمين يتجـاوز مفهوم السمة والأمارة والدليل وكل ذلك يتعلق بالدلالة. وهي في تصورهم " كون الشيء بحالة يلزم من العلم به العلم بشيء آخر "(4).
ويقول "ابن فارس " (395) " الدال واللام أصل يدل على إبانة الشيء بأمارة تتعلمها، والدليل الإمارة في الشيء " وفي حديثه عن مادة /دل/ .
وفي حديث " أبي هلال العسكري" (400هـ) عن العلامة والدلالة يقول " … يمكن أن يستدل بها أقصد فاعلها ذلك أو لم يقصد والشاهد أن أفعال البهائم تدل على حدثها. وليس لها قصد إلى ذلك … وآثار اللص تدل عليه وهو لم يقصد ذلك وما هو معروف في عرف اللغويين يقولون استدللنا عليه بأثره وليس هو فاعل لأثره قصد"(5).
وهذه إشارة واعية من أبي هلال إلى إشكالية القصدية في العلامة وهي الإشكالية التي تثير موضوع الجدل بين فريقين: فريق يؤكد الطبيعة التواصلية للعلامة ويمثل هذا الفريق كل من بريلو ومونان ومارتيني في الثقافة اللسانية والسيميائية المعاصرة الفرنسية وهم يرون أن العلامة تتكون أساسا من دال ومدلول والقصد.
وفريق آخر يركز على الجانب التأويلي للعلامة: أي من حيث قابليتها للتأويل الدلالي بالنسبة للمتلقي، ويمثل هذا الاتجاه رولان بارت وهو ما يسمى بـ السيمائية الدلالية.
وهو نفس التصور لدى الراغب الاصبهاني حيث يقول " الدلالة ما يتوصل به إلى معرفة الشيء، كدلالة الألفـــاظ على المعنى، ودلالات الإشـارات والرموز والكتابة. وسواء أكان ذلك بقصد من يجعله دلالة أم لم يكن بقصد، كمن يرى حركة إنسان فيعلم أنه حي ، قال تعالى :
) ما دلّهم على موته إلا دابة الأرض((6)
فالراغب بهذا التصور للدلالة يوسع المجال الإجرائي للعلامة لتشمل أنماطا لسانية وسيميائية (الألفاظ - الإشارات - الرموز - الكتابة) ثم يؤكد قضية القصدية عدمها في العلامة، وإذ تتحقق دلالة العلاقة في محيطها الطبيعي والاجتماعي والثقافي سواء أكان هناك قصد أم لم يكن، إذ جسد ذلك بصورة سليمان عليه السلام كما ورد في الآية الكريمة إذ بعد وفاته ظل حولا كاملا منتصبا ومتكئا على عصاه وهذه الهيئة هي علامة دالة أولتها الجن بدلالة الحياة، لذلك ظلت تسعى وتعمل كأنها مأمورة غير أن الأمر هنا ليس بالنطق أو الإشارة وإنما كان بالهيئة فهي إذن علامة دالة على الحياة لدى الكائن الحي، وبالتقادم بدأت الأرضة تأكل عصاه فخر ساقطا، وهذه العلامة هي علامة فناء وانتهاء.

II) القيمة الدلالية للعلامة في النظام التواصلي :
لقد حظي النظام التواصلي منذ البداية الأولي باهتمام ملحوظ نظرا لأهميته في الإنسانية وهذا ما أشار إليه " ابن سينا " 428 هـ في قوله " لما كانت الطبيعة الإنسانية محتاجة إلى المحاورة لاضطرارها إلى المشاركة والمجاورة، وانبعثت إلى اختراع شيء يتواصل به ذلك … فمالت الطبيعة إلى استعمال الصوت، ووفقت من عند الخالق بالات تقطيع الحروف وتركيبها معا لبدل بها على ما في النفس من أثر، ثم وقع اضطرار ثان إلى إعلام الغائبين من الموجودين في الزمان أو المستقبلين إعلاما بتدوين ما علم، فاحتيج إلى ضرب آخر من الإعلام غير النطق فاخترعت أشكال الكتابة "(7) .
ومن هنا فإن لنظام التواصلي يحقق النزعة الاجتماعية للإنسان وهو الوسيلة الجوهرية التي يستخدمها البشر بوصفهم مكلفين ومتكلمين والعنصر الجوهري الذي يكون هذا النظام هو العلامة نظرا لطبيعتها الدلالية والإبلاغية.
يقول الغزالي: لا متكلم إلا وهو محتاج إلى نصب علامة لتعريف ما في ضميره(8) ونفس الشيء نجده عند الجرجاني في قوله " اللغة تجرى العلامات والسمات ولا معنى للعلامة أو السمة حتى يحتمل الشيء ما جعلت العلامة دليلا عليه(9).
وهي إشارة إلى أهمية العلامة في النظام التواصلي ( الكلام ) ومكانتها في الحياة الإنسانية عامة.
III)طبيعة العلامة
لقد اهتم الدارسون القدامى على اختلاف اتجاهاتهم العلمية من فلاسفة ولغويين وفقهاء، بطبيعة العلامة من حيث هي شيء محسوس بديل في الواقع المدرك من شيء غائب عن الأعيان ولذا كان عالم يرى تفسير ا محددا لطبيعة هذه العلامة، آخذا بعين الاعتبار زاوية من الزوايا مبرر ا خصائصها ومميزاتها.
أ - عند ابن سينا:
يقول في هذا المضمار:
" إن الإنسان قد أوتي قوة حسية ترتسم فيها صور الأمور الخارجية، وتتأدى عنها إلى النفس، فترتسم فيها ارتساما ثانيا ثابتا وإن غابت عن الحس... ومعنى دلالة اللفظ أن يكون إذا ارتسم في الخيال مسموع اسم، ارتسم في النفس معنى، فتعرف النفس أن هذا المسموع لهذا المفهوم، فكلما أورده الحس على النفس التفتت إلى معناه"(10)
ومن هنا يلاحظ المتأمل ويدرك أن تصور ابن سينا لدلالة اللفظ يتوافق تماما مع ما ذهب إليه دي سوسير في تفسير العلامة.
فالعلامة في نظر ابن سينا هي ثنائية المبنى تتكون مسموع اسم / معنى. ملغيا بذلك من مفهوم العلامة الواقع الخارجي أو المرجع الذي تميل إليه العلامة وذلك ما فعله دي سوسير أيضا.
على عكس ما نجده عند فئة أخرى من الدارسين الأقدمين حيث ترى أن المرجع طرفا أساسيا في العلامة.
ب - عند " دي سوسير ":
إن طبيعة المنهج العلمي الذي تبناه دي سوسير في مجال البحث اللساني أفرز رؤية تعاملية تميل إلى الشيء المحدد والمتجانس في ذاته فكانت فكرة النظام اللساني الذي يتكون من وحدات أساسية متوافقة فيما بينها تسمى هذه الوحدات بالعلامات اللسانية.
ومن هنا فإن العلامة اللسانية في نظر دي سوسير هي وحدة النظام وهي العنصر اللساني الذي يتكون من صورة سمعية ومفهوم أي الفكرة التي تقترن بالصورة السمعية فعلى سبيل المثال كلمة / رجل / هي علامة لسـانية مكوّنة من صورة سمعية وهو الإدراك النفسي لتتابع الأصوات (ر-ج-ل)، ومفهوم وهو مجموع السمات الدلالية - ( حي-ناطق-عاقل-إنسان-ذكر-راشد ...).
إذن فالعلامة عند- دي سوسير- توجد بين مفهوم وصورة سمعية وليس بين شيء واسم، وللإشارة فإن الصورة السمعية ليست الأصوات المادية بخصائصها الفيزيائية؛ وإنما هي البصمة النفسية للصوت، لأن التتابع الصوتي إذا أخذ على حدة، فإنه سوف لا يكون علامة لسانية مستقلة، إنما هو ترتيب لأصوات مجردة ليس إلا. كما أن السمات الدلالية التي تكون مفهوم الرجل لا تشكل علامة لسانية بمفردها، بل تقتضي الاتحاد التام بين الصورة السمعية والمفهوم.
يصرّح دي سوسير بالإبقاء على مصالح العلامة للدلالة على الكل وتعويض المفهوم والصورة السمعية بلفظيين دال ومدلول، ويعلل هذا بقوله: " أفضلية هذين اللفظيين أنهما يدلان على المواجهة التي تفصلهما سواء فيما بينهما أو من الكل الذي يجمعهما "(11).
أن العلامة اللسانية هي مركب يتكون من وجهين: دال ومدلول يستحيل الفصل بينهما لأنهما يرتبطان بعلاقة تواضعية التي يرى دي سوسير أنها علاقة اعتباطية أي علاقة غير معللة." أي أن العلامة هي تقسيم للواقع عن طريق التواضع بمعنى الاتفاق والاصطلاح عكس المفهوم العفوي لدى المتكلم الذي يرى العلامة اللسانية كأنها إسم للواقع "(12).
إذا كانت العلاقة التي تربط بين الدال والمدلول هي علاقة اعتباطية فإن الرابط الأساسي الذي يربط بينهما هو اللسان بوصفه نظاما من العلامات، هذا النظام هو الذي يضبط هذه الاعتباطية ويقوي مكانه الرابط الذي يجمع بينهما.
لقد أقصى دي سوسير الواقع الخارجي الذي تشير إليه العلامة ( المرجع) فهو يقول في هذا الشأن " إن العلامة لا تربط بين الشيء والاسم، بل بين المفهوم والصورة السمعية ".
يضع سوسير اللغوي السويسري العلامة اللغوي في إطارين: الأول مادي، وهو الدال والثاني مثالي، وهو المدلول فإذا أخذنا على سبيل المثال كلمة "غزال" فإن الدال هو الصورة الصوتية (يعني وجود أصوات غ -ز -ا-ل)، أما المدلول فهو -مفهوم الغزال. والعملية التي يجري إخضاع الدال لها وتتماشى والمدلول تسمى الدلالة. إذ أن الرابطة ما بين هذا الدال وما يقابله من مدلول، من حيث الجوهر -هي رابطة تواضعية وغير معللة (لأننا لا نستطيع أن نثبت، على سبيل المثال، أن الصورة الصوتية لكلمة "غزال" يحددها جوهر مفهوم "الغزال"). ولكن، مع ذلك فإن المواضعة الساكنة في أساس الدلالة وطيدة وثابتة (لا يوجد أحد من بين أعضاء المجتمع يستطيع أن يغيرها انطلاقاً من رغبته الفردية)، لقد تم "تحييد" هذه المواضعة.
عندما ينظر سوسير إلى اللغة، كمنظومة لغوية مطلقة، فإنه يسمح بالقول بأن اللغة ليست المنظومة الإشارية الوحيدة، وأن ثمة منظومات أولية كثيرة من هذا النوع (أو "اللغات")، على سبيل المثال، فإن علامات الطرق والإشارات الضوئية تعتبر منظومات إشارية أيضاً: إنها تمثل شكلاً من أشكال "اللغة". فالدال هنا هو "اللون الأخضر"، وهو يتطابق والمدلول، الذي يعني "الطريق خال"، والعلاقة القائمة. بينهما هي علاقة مواضعة غير معلّلة، مثلها مثل العلاقة اللغوية. ومن هنا يستخلص دي سوسير ضرورة وجود منهج نظري عام لدراسة المنظومات الإشارية بشكل عـام؛ وهذا العلم يسميه السيمياء (السميولوجيا). وبناء على رأيه، فإن علم اللغة هو جزء من هذا العلم المفترض فقط…
وقد وافق دي سوسير مجموعة أخرى من اللسانين في إبعاد المرجع من مفهوم العلامة - من بينهم " ستفن أولمان " في مجال علم الدلالة و" إمبراطو ايكو" في مجال السيميائية.
وفيما يلي نوجز الفرق بين ابن سينا ودي سوسير في تعريف العلامة في المخطط التالي:
ج-عند بارت
ينطلق بارت من فكرة دي سوسير ليصنف المنظومات الإشارية الأخرى. يرى بارت في الملابس مثلاً، إضافة إلى الجانب النفعي، منظومة إشارية أيضاً "لغة" (الملابس تعني شيئاً ما، مثلاً اللون المعتم وما يطابقه من غطاء تمثل الدال، الذي يضفي على المدلول، كما هو متداول، هيئة "الوقار" و"الرسمية")، ويدرج بارت الطعام والسيارات الخفيفة فيّ نطاق المنظومات الإشارية ("أسس السميولوجيا"). ونذكر هنا أن بارت يعتبر عدداً كبيراً من الحقائق الحياتية التي تكتسي دلالة إنسانية ما مثل: ("رحلة على دراجة في فرنسا"، "النبيذ المعتق"، وما شابه ذلك)، يعتبرها ("مؤسطرة"). ويكشف بارت في جميع هذه الحقائق الدالة والمدلول المرتبطين بعلاقة مواضعة غير معلّلة.
يمكن ترجمة هذه المنظومات الثانوية "المادية" إلى اللغة الطبيعية: مثال ذلك، الموضة التي يمكن وصفها بالكلمات. إن جميع هذه الأشياء (الملابس، الطعام، وغيرها)، توجد فعلياً، وهي جزء من الحياة اليومية للإنسان. لكن، أليست تصرفات الأبطال في رواية ما تشكل منظومة إشارية مادية فعلية منسوجة بالكلمات، ولها قوانينها الخاصة.
يعتبر بارت أن الأمر هو كذلك فعلاً، يعني أن العالم الفعلي في أعمال هذا الكاتب "مؤسطر" (العالم -حسب رأي بارت- هو "لغة"، يعني منظومة إشارية ثانوية).
وهكذا، فإن السلوك الموصوف في العمل الفني، إذا كان حقيقة، وليس وهماً، فإنه يكوِّن ما يشبه اللغة المادية، كما هو الشأن في حالة لغة الموضة. ويتوصل بارت، وهو يعالج إبداع ساد، إلى نتيجة مفادها أن هذا المؤلف أشاد "لغة" نمطية للمتعة الايروسية، وهذه اللغة تتشكل من شعائر ايروسية مغالية، يتَّبعها أبطال ساد في سلوكهم. ويكشف بارت في الشعائر المذكورة أعلاه نسقية ما، يعني "دلالة" (اختيار حركات وأوضاع وإيماءات ذات دلالة)، و"قواعد نحوية" (اختيار أسس لتركيب عناصر "سيميائية"). وبهذه الوسيلة يشيد فورييه "لغة" السعادة المجتمعية: ويخضع كل شيء عند الكتائب المتطرفة لنظام داخلي معين ونسقية محددة. وينشئ لويولا أيضاً "لغة" للعقيدة: فعنده لا يتم الترقب من الذات الإلهية بشكل تلقائي، وإنما بفضل المحافظة على احتفالية محددة. وهذه النسقية الداخلية بالذات (وجود روابط وظيفية بين العناصر)، التي تصف العالم المتخيَّل (الشبقية الايروسية، اليوطربيا الاجتماعية، وقوة الجذب الغيبية) تشكل جميعها لغة لويولا.
هل يمكن أن تتواجد منظومة العلامات الثانوية ("اللغات المتولِّدة")، على أساس اللغة الطبيعية نفسها؟ يقدم بارت جريا وراء هيلمسليف عالم اللغة الدانمركي جواباً إيجابياً على هذا التساؤل ("أسطوريات"، "أسس السيميولوجيا"). لنأخذ حالتين:
أ‌)     علامات اللغة الطبيعية تشكل مدلول "اللغة" المتولِّدة.
ب)علامات "اللغة" الطبيعية تشكل دال "اللغة" المتولدة...
الظواهر التي تتفق والحالة الأولى يسميها هيلمسليف "دلالة" أو مؤشر؛ اللغة الثانوية التي تنشأ نتيجة هذه الدلالة تشكل في ذاتها لغة اصطناعية شارحة (ميتالغة). وما يهم دارس الأدب هو الحالة الثانية أكثر من غيرها، وهذه الحالة يسميها هيلمسليف"تضمين" (connotation) في هذه الحالة يكتسي النص كله، الذي يتكون من عدد من علامات اللغة الطبيعية، معنى ثانوياً جديداً، وهذا المعنى الجديد بدوره لا يلتقي مع أي معنى من معاني الكلمات المفردة الموجودة في النص. وبكلمات أخرى، فإن النص كشيء متكامل يصبح علامة جديدة، تكون فيه علامات اللغة الطبيعية (يعني الكلمات) هي الدال، أما المدلول فهو شيء ما جديد (يعني عدم إمكانية تصوره كمجمل لمعاني الكلمات المفردة في النص). لنأخذ على سبيل الإيضاح المثال التالي، الذي يورده بارت في مقدمة كتابه "مقالات نقدية". إن عبارة "عزاء حار" في علاقتها بالمتوفى القريب تتضمن المعنى الثاني ("التقدير المراسمي")، الذي لا يمكن العثور عليه في أية كلمة من الكلمتين الموجودتين في العبارة السابقة ككل:
العزاء الحار = الدال الضمني.
التقدير المراسمي = المدلول الضمني.
فإذا كان هذا التعبير العادي المكون من كلمتين يمكن أن يكتسي معنى ثانوياً، فلماذا لا يمكن أن ينظر إلى النص كله كدال متكامل، يراعي أي مدلول ضمني آخر؟ مثال ذلك، أن هذا النص يمكن أن يتضمن جواً انفعالياً ما. نقول إذا أردنا أن نبلغ أهل المتوفى عزاءنا الحقيقي الحار، علينا أن ننشئ نصاً، مشحوناً ككل متكامل، بالحزن والأسى والمشاركة(مع احتمال أن لا تكون هذه الكلمات من ضمن فقراته). بينما لا يمكن أن يكون مثل هذا النص شيئاً آخر سوى كونه نصاً أدبياً. إن جوهر الأدب -حسب رأي بارت- يتلخص في التضمين: "الأدبية" في الأدب ليست سوى نسق إشاري ثانوي، ينمو على قاعدة اللغة الطبيعية ويخضع لإمرتها". وبإجراء مماثلة مع الموضة وإشارات الطرق واللغة الطبيعية يتوصل بارت إلى توكيد يقول بأن المعنى الضمني في الأدب غير معلل، يعني أنه يأتي نتيجة لمواضعة "حيادية". وعلى علم الأدب أن يكون -حسب رأي بارت- في مثل هذه الحالات جزءاً من علم عام لأنساق العلامات الثانوية -السميولوجيا (السيميائية). ‏
د - عند الغزالي:
يعد المرجع عند الغزالي طرفا أساسيا في العلامة، فهو يرى أن الأشياء في الوجود لها أربع مراتب حيث يقول "إن للشيء وجودا في الأعيان ثم في الأذهان ثم في الألفاظ ثم في الكتابة، فالكتابة به دالة على اللفظ واللفظ دال على المعنى الذي في النفس والذي هو مثال الموجود في الأعيان"(13).
إذن العلامة في نظرا الغـزالي كيان متكامل يتكون من أربعة أطراف أساسية
     الموجود في الأعيان.
     الموجود في الأذهان.
     الموجود في الألفاظ
     الموجود في الكتابة.
إن اللغة الإنسانية تعكس قدرة الإنسان العقلية في إبداع نظامه التواصلي لتحقيق إنسانيته في الوجود. هذا النظام الذي يمكنه من التكيف مع الواقع الخارجي.

هـ - في نظر النظرية الإحالية :
من الدين اعترضوا على دي سوسير اعتراضا شديدا " أحد ورتشاردن" في كتابهما معنى حيث أشار إلى أهمية التحليل المزدوج الذي يتناول العلاقة بين الأفكار والكلمات من جهة والأشياء المشار إليها من جهة أخرى وقد اختصرا فكرتهما في شكل مثلث أشتهر في الدراسات الدلالية.
أصبحت هذه النظرية تعرف بالنظرية المنطقية أو الإحالة وهي ترى أن الدراسات التي تناولت العلامات عندما أغفلت تماما الأشياء التي تشير إليها العلامات في الواقع الخارجي، ابتعدت عن الدقة والإثبات العلمي.
كما ترى هذه النظرية أننا في حاجة إلى منوال علمي يهتم بالعلاقة القائمة بين الكلمات والأشياء التي ترمز إليها هذه الكلمات بواسطة الأفكار وأن تحليل العلاقة في الواقع يتم بتناول العلاقة بين الكلمات والأفكار من جهة والعلاقة بين الأفكار والأشياء من جهة أخرى.
إن العلاقة بين الموجود في الألفاظ (الرمز) والموجود في الأذهان (الفكرة) علاقة سببية، أي أن الدال يستدعي في ذهن المتلقي المدلول، كما أن المدلول يستدعي في ذهن المتكلم الدال الملازم له.
إن التصورات والمفاهيم المستوحاة من المرجع الخارجي للوسط اللغوي قابله لأن تكون مشتركة بين جميع أفراد المجتمع، بينما هذه الخاصية تفتقر إليها الموجــودات في الألفاظ (الدوال) وارتباطها (الموجودات) بالمدلولات لأنها تواضعية واصطلاحية، وقد أشار إلى ذلك الغـزالي بقـوله " الـموجود في الأعيان والأذهان لا يختلف باختلاف البلاد والأمم، بخلاف الألفاظ والكتابة، فإنهما دالتان بالوضع والاصطلاح"(14).
ويقول " حازم القرطاجني " .... قد تبين أن المعاني لها حقائق موجودة في الأعيان ولها صور موجودة في الأذهان ولها من جهة ما يدل على تلك الصور من الألفاظ وجود في الأفهام والأذهان"(15).
IV) المجال الدلالي للعلامة
إن المجال الإجرائي للعلامة أوسع وأرحب مما نتصوره إذ أن العلامة ذات فضاء دلالي أوسع من أن يحصر في الاقتران بين دال ومدلول معين يصاحب بعضهما بعضا. إن العلامة في حقيقة أمرها لها صفة التجدد التي يمنحها لها الوسط الثقافي للمجتمع.
يرى " الغزالي " أن دلالة العلامة تتمثل في ثلاثة أوجه هي:
" المطابقة والتضمن والالتزام، فإن لفظ البيت يدل على معنى البيت بطريق المطابقة ويدل على السقف بطريق التضمن لأن البيت يتضمن السقف، وأما دلالة الالتزام فهي كدلالة لفظ السقف على الحائط فهو كالرفيق الملازم الخارج عن ذات السقف الذي لا ينفصل عنه "(16).
ونجد توضيحا آخر عند "الجرجاني" في قوله " الكلام على ضربين ضرب أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده وضرب آخر أنت تصل منه إلى اللفظ ولكن يدلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض "(17).
إن قول الجرجاني يقترب من مفهوم بيبرس من حيث قابلية المفسرة للتحول إلى متوالية من العلامات ذات فضاء دلالي واسع غير محدود وقد وضح ذلك المرجاني " قائلا: " المعنى ومعني المعنى، تعني بالمعنى المفهوم من ظاهر اللفظ الذي تصل إليه بغير واسطة، ومعنى المعنى هو أن تعقل من اللفظ معنى ثم يقضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر "(18).
V) أنواع العلامات :
إن العلامات في الفكر العربي تنقسم إلى أنواع هي كالآتي:
1- من حيث طبيعة الدال فهي لفظية وغير لفظية.
العلامة←الدال: -لفظية
-غير لفظية
2- من حيث العلاقة بين الدال والمدلول فهي إما وضعية أو عقلية أو طبيعية
العلامة← الدال والمدلول: - وضعية
- عقلية
- طبيعية
3-العلامة اللفظية الوضعية تتفرع إلى مطابقة وتضمن والتزام.
العلامة← اللفظية-الوضعية: - مطابقة.
- تضمن.
- التزام.
أولا: العلامة الوضعية:
هي العلامة الاصطلاحية المتفق عليها بين أفراد المجتمع اللغوي ويشمل هذا النوع كل العلامات اللفظية ولابد من وجود شروط معينة لتحقيق الدلالة في العلامة هي:
1- اللفظ: نوع من الكيفيات المسموعة.
2- المعنى: الدلالة التي وضع لها اللفظ.
3- إضافة عارض بينهما : الوضع الذي جعل اللفظ بإزاء المعنى.
ثانيا: العلامة العقلية:
يقصد بها دلالة الأثر على المؤثر، كدلالة الدخان على النار والسحاب على المطر، وهي تنحصر في التراث العربي في علاقة العلية أو السببية أي وجود علاقة ذاتية بين الدال والمدلول.
ثالثا: العلاقة الطبيعية:
يقصد بها الطبع أي أن العلامة الناتجة عن إحداث طبيعة من الطبائع كطبيعة اللفظ أو الحامل المادي للعلامة، فكل العلامة التي تعكس أصوات الطبيعية تندرج ضـــمن هذا النوع، وكذلك صيحات المصاحبة للانفعالات والتبدلات الفيزيولوجية، ملامح الوجه، تغير لونه من حالة إلى أخرى "(19).

المصادر والمراجع
-     القرآن الكريم.
-     أبو هلال العسكري: الفروق في اللغة.
-     الشريف الجرجاني: كتاب التعريفات.
-     الراغب الاصبهاني مادة ( دل).
-     ابن سينا: الشفاء.
-     الغزالي المستصفى في علم الأصول - معيار العلم.
-     الجرجاني: أسرار البلاغة.
-     عادل فاخوري: علم الدلالة عند العرب.
-     حازم القرطاجني: منهاج البلغاء وسراج الأدباء.
-     الجرجاني : دلائل الإعجاز - أسرار البلاغة.
-     كاترين فوك: مبادئ في قضايا اللسانيات المعاصرة.
-     دي سوسير: دروس في اللسانيات العامة.

أتمنى أن لاأكون تجاوزت المقام أو الجدية  أخي الكريم

وشكرا على حسن  التتبع والمناقشة

وفقك الله


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركةمرسل: الجمعة مارس 25, 2011 9:39 pm 
معلومات العضو
لساني نشيط
لساني نشيط
إحصائيات العضو

اشترك في: السبت إبريل 21, 2007 10:59 am
مشاركات: 102
مكان: اكادير
غير متصل
السلام عليكم أختي الكريمة ؛
   سأرد عليك بجمل :
  الجملة الأولى : يتحدث السجلماسي (ت711 هـ) عن تعريف الاستعارة في كتابه البديع فيقول :" و حاصلها المبالغة في التشبيه  مع الإيجاز غير المخل بالمعنى والتوسعة على المتكلم في العبارة "
    طيب نحن نناقش قداسة اللغة العربية  من منظور لساني ،بمعنى أن الردود يجب أن تنصب في منظورين اثنين :
     منظور يرى اللغة العربية لغة طبيعية ، تتطور وتخضع لضوابط ومبادئ ( اللسانيات العربية المعاصرة
     منظور لاعلاقة له بالخطاب اللساني ، يرى أن اللغة العربية تتميز عن اللغات الأخرى
الجملة الثانية : في حديثك عن ما كتب غربيا عن اللغة العربية هذا ليس غريبا ، إذا رجعنا لمقدمة ابن خلدون وفي فصله الثالث والأربعون يقول :" من الغريب الواقع أن حملة العلم في الملة الإسلامية وليس في العرب حملة علم لا في العلوم الشرعية ولا في العلوم العقلية إلا في القليل النادر .وإن كان منهم العربي في نسبه فهو أعجمي في لغته  ومرباه ومشيخته ، مع أن الملة عربية وصاحب شريعتها عربي " المقدمة تحقيق درويش جويدي ط 2 ،2000 ،ص 541  
إذن ليس غريبا أن يهتم غير العرب بالعربية ،لأن ذلك يدخل في إطار المثاقفة ولأن المعرفة الانسانية إنسانية.
الجملة الثالثة :   أنا لا أناقش ماهية اللغة الطبيعية وخصائصها كما أشارت وأسهبت جزاك الله خيرا ، أنا أريد بالضبط هل تقرين بأن اللغة العربية كما تراها اللسانيات الحديثة لغة طبيعة .
   أم أنك تراينها فعلا لغة مقدسة من منظور لساني ، أما من منظور ثقافي فهذا معروف فهي لغتنا وهويتنا ، ومعبرة عن تجذرنا الثقافي والحضاري ، تختارين منظورا محددا بمفاهيم محددة لأن المفاهيم معالم كما يرى محمد مفتاح
  الجملة الرابعة : العلامة في القرآن الكريم بمعنى الآية ،التي تدعو إلى التدبر والتأمل " تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في ذاته " ومنه قوله تعالى :" أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت والى الجبال كيف نصبت والى الأرض كيف سطحت " سورة الغاشية الآية 16-20 ، بهذا المعنى فالعلامة في القرآن فيها الجانب القصدي ، ومنه فكر المقاصد عند الشاطبي  
   أما العلامة  عند دوسوسير فهي اعتباطية ، بين الدال والمدلول ، وإذا أسقطنا ذلك على الخطاب القرآني فسنقع في إشكالات فكرية عقدية  تلغي مقصدية الخطاب .
    تحدثي في الجانب البلاغي عن الجانب الاعجازي فالإعجاز في الخطاب القرآني وليس في البلاغة ، ولهذا تحدث الجرجاني(ت471هـ) عن دلائل الإعجاز  في القرآن الكريم ، وليس في غيره من الشعر أو ماشاكل ذلك  ، وقد سبقه إلى ذلك الباقلاني (ت403هـ) فتحدث عن إعجاز القرآن الكريم
   الكلام الذي تفضلت به كله لا يلمس جوهر الموضوع وإنما يحوم حوله ، ولم يوشك أن يقترب فيه ،هل تكثرين الغناء خارج السرب لا أعتقد !
     أرجو لك التوفيق

التوقيع
jتحية اكبار واعتزاز ،للأستاذ المحترم عبدالرحمان بودرع على هذا المنتدى القيم الذي أخد على عاتقه خدمة اللغة العربية واللسانيات العربية .والله ولي التوفيق .


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركةمرسل: السبت مارس 26, 2011 1:34 pm 
معلومات العضو
لساني مميز
لساني مميز
إحصائيات العضو

اشترك في: الخميس يناير 13, 2011 6:04 pm
مشاركات: 404
غير متصل
وعليكم السلام

أخي الكريم حتى لا أكون أحوم حول الموضوع أو أكثر الغناء

دعنا نتفق أولا على ما المقصود باللغات الطبيعية ؟ ثم ننقاش على قاعدة صلبة
أجيبك أخي الكريم بالآتي
النظرية الطبيعية
هذه النظرية تقول إن اللغة بدأت بمحاكاة الأصوات المسموعات كدوي الريح وحنين الرعد وخرير الماء وشحيج الحمار ونعيق الغراب وصهيل الفرس ونزيب الظبي ونحو ذلك ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد.

وقد قال بهذا الرأي من المسلمين عباد بن سليمان الصيمري الذي يرى أن لا بد أن يكون بين الكلمة ومعناها علاقة طبيعية حملت الواضع أن يضع لفظ كذا لكذا وإلا كان اختصاص المعنى بلفظ من بين الألفاظ بلا مخصص.

ومن الفلاسفة اليونان الذين قالوا بهذا الرأي أفلاطون الذي قيل إنه قال إن هناك علاقة طبيعية بين الكلمة وما تشير إليه.

وقد كان الفلاسفة اليونانيون المعروفون بالرواقيين Stoics يعتقدون بعلاقة طبيعية بين الكلمة وما تشير إليه، ويستدلون على ذلك بوجود الكلمات المحاكية onomatopoeia لمعناها في اللغات. وقال بذلك أيضا إبيقور Epicurus الذي علل وجود الكلمات غير المحاكية بأنها تعود إلى كونها نقلت من معانيها الأصلية إلى أخرى عن طريق الاستعارة والمجاز.

التوفيق بين الأصل الإلهـي والطبيعي عند الغربيين: هناك نظرية حاولت التوفيق والجمع بين نظريتي الأصل الإلهي والطبيعي. أصحاب هذه النظرية يقولون: إن آدم عندما كان في الجنة كان إنساناً كاملاً يتمتع بمعرفة سماوية وافية، لذلك كانت أسماؤه التي أطلقها على الأشياء ذات علاقة طبيعية قوية وكانت تعبر في لفظها عن طبائع الأشياء وحقائقها وكان هناك انسجام تام بين الكلمة والشئ ,ولكنه بعد اقتراف الخطيئة وهبوطه إلى الأرض فقد تلك القدرات اللغوية السماوية ووجد نفسه وذريته مضطرين إلى إنشاء كلمات قائمة على التواضع والاصطلاح وضعيفة المحاكاة.

شغل لغز بداية اللغة مفكري ولغويي القرن التاسع عشر فتعدت الآراء وتباينت الادعاءات وطغت النظريات الطبيعية على غيرها، ومن هذه النظريات الحديثة:

(أ) نظرية Bow-Wow: يرى أصحابها، أن اللغة نشأت من تقليد أصوات الطبيعة، وهي النظرية التي أشار إليها ابن جني بقوله: "وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها، إنما هو من الأصوات المسموعات، كدوي الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء، وشحيج الحمار، ونعيق الغراب، وصهيل الفرس، ونزيب الظبي، ونحو ذلك. ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد. وهذا عندي وجه صالح متقبل".

وترى هذه النظرية أن الإنسان الأول، عندما أراد أن يميز بين الكائنات، بأسماء ليتحدث عنها، أو يشير إليها في حين غيابها، أخذ في محاكاة أصواتها الطبيعية، فنباح الكلب، مثلاً، اتخذ رمزاً ليدل على هذا الحيوان، ومثل ذلك عواء الذئب، وزئير الأسد، ومواء القط، ومن ثم أصبحت هذه الأصوات الحيوانية المختلفة رموزاً، يشير بها الإنسان الأول إلى هذه الحيوانات، ومثل ذلك في حفيف الشجر، وزفير النار، وقصف الرعد، وخرير الماء وغيرها. ومن هذه الأصوات، تكونت مجموعة من الكلمات، هي أقدم الكلمات في لغات البشر، ثم تطورت هذه الأصوات، أو الكلمات من الدلالة على هذه المعاني الحسية المباشرة، إلى معان أخرى، أكثر تجريداً، ومن هذه الأصوات البدائية، تكونت اللغات فيما بعد على مدى قرون طويلة.[12]

وقد لاقت قبولاً كبيراً، في القرن التاسع عشر، والعشرين وأيدها علماء بارزون، مثل Jesperson جسبرسين ، و Herder هيردر، ومن العرب: إبراهيم أنيس، وعلي عبد الواحد وافي، ودافعوا عنها دفاعاً شديداً ووصفوها بأنها: "أدنى النظريات إلى الصحة، وأقربها إلى المعقول، وأكثرها اتفاقاً مع طبيعة الأمور.[13] والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف حوكيت وسميت الأشياء الجامدة ، كالحجر والجبل، والشجر. وأهم ما يؤخذ على هذه النظرية، أنها تحصر أساس نشأة اللغة، في الملاحظة المبنية على الإحساس بما يحدث في البيئة وتتجاهل الحاجة الطبيعية الماسة إلى التخاطب والتفاهم، والتعبير عما في النفس، تلك الحاجة، التي هي من أهم الدوافع إلى نشأة اللغة الإنسانية.[14]

(ب) نظرية Ding Dong: أشهر القائلين بهذه النظرية Max Muller ماكس موللر، الذي قال إن الإنسان قادر بفطرته على صوغ الألفاظ عند الحاجة وقد صاغ كلماته الأولى معبرا بها عن شعوره الداخلي عند سماعه أصوات الطبيعة في الخارج. فكل شيء يسمع صوته أو يرى شكله يولد عنده انطباعا داخليا يترجمه بفطرته إلى كلمات لغوية.

(ج) نظرية Yo-He-Ho كان يقول بهذه النظرية الفرنسي Noiré نويري، وهي تفترض أن اللغة بدأت بأصوات غير مقصودة كانت تصاحب النشاط الجسماني للبشر، وهذه الأصوات كان يراد منها تنظيم إيقاع العمل، خاصة عند الجر أو الدفع أو الحمل أو القطع أو ما شابه ذلك من النشاطات. ثم تطورت هذه الأصوات غير المقصودة مع الزمن لتصبح أغان وأناشيد وشعرا.

(د) نظرية التنفيس عن النفسPooh-Pooh : هذه النظرية، تقرر أن الفضل في نشأة اللغة، يرجع إلى غريزة خاصة تحمل الإنسان على التعبير عن انفعالاته، بحركات وأصوات خاصة، مثل انقباض الأسارير، وانبساطها، أو الضحك، أو البكاء، أو غير ذلك، مما يعبر به عن انفعالات كالغضب، والخوف، والحزن، والسرور، نحو: أح، أخ، أف، أوّه، آه. وهذه الألفاظ كانت متحدة عند جميع الأفراد في طبيعتها، ووظائفها، وما يصدر عنها، وأنه بفضل ذلك اتحدت المفردات، وتشابهت طرق التعبير عند الجماعات الإنسانية الأولى، فاستطاعوا التفاهم فيما بينهم.

والنقد الذي يوجه إلى هذه النظرية هو أنه لا يمكننا أن نتصور أن اللغة بدأت من هذه الكلمات لأنها مازالت في اللغة على شكل تعبيرات وأسماء أصوات اعتراضية، مما يبين أن طبيعتها تختلف عن بقية كلمات اللغة. وبعض هذه الألفاظ أيضاً ليس قديما بل نشأ حديثا، والإنسان يغيرها دائما، وهي ولا تخضع لقواعد الجمل النحوية بل هي كلمات خاصة لها طبيعة معينة ولا يمكن اعتبارها أصلا لكلمات اللغة إضافة إلى أن بعض أصواتها لا يشبه بقية أصوات اللغة.

(هـ) نظرية الأصل الإشاري والحركي للغة :

يقول Pagetباجيه إن اللغة بدأت بإشارات بالشفتين واللسان وتشكيلات في عضلات الوجه، وقد حاول أن يدلل على ذلك بأمثلة من ألفاظ الضمائر في اللغة الإنجليزية، مثل بروز الشفتين عند نطق ضمير YOU وكأنك تشير إلى المخاطب.

وانكماش الشفتين عند نطق ضمير المتكلم " I " كأن المتكلم يشير إلى نفسه.

وانكماش جانب الفم عند نطق لفظ ضمير الغائب HE

ثم صاحب هذه الإشارات بعض الأصوات لتأكيدها ثم بعد ذلك ضعف دور الإشارات وقوي دور الأصوات واستعيض عن الإشارات بأصوات كلامية. ولو طبقنا هذه النظرية على العربية لقلنا مثلاً:

أنا : فيه إشارة إلى المتكلم بتقلص الشفتين إلى الداخل.

هو: فيه إلى شارة الغائب ببروز الشفتين.

ومن النظريات الحديثة تلك التي تربط بداية اللغة بنظام الحركة ومناطق تحكمه في المخ. ومن الأدلة التي يستأنسون بها هو أن أي خلل أو عطب في مناطق المخ المتحكمة في الحركة يصاحبها اختلال في الكلام واللغة عند الإنسان، بينما لا يحدث هذا عند القردة، فأي عطب في مناطق المخ المتحكمة في الحركة لا ينتج عنه اختلال في صيحاتها. هذا الترابط والتلازم بين الحركة والكلام يدل في نظرهم على أن اللغة بدأت بحركات ثم تطورت إلى حركات وأصوات ثم تحولت بعد ذلك إلى أصوات. ومن الأدلة أيضا على هذه النظرية أن كلام الإنسان في أكثره مصحوب بحركات باليد والرأس وتشكل في ملامح الوجه، ويضيفون أيضا أن الصوت ناتج عن حركة في أعضاء النطق.

(و) نظرية التطور: هذه النظرية تعتمد كثيراً على معطيات نظرية Darwin دارون في النشوء والتطور في الأحياء. هذه النظرية أثرت في كثير من العلوم الإنسانية كالأنثروبولجيا (علم الإنسان) وعلم الاجتماع والفلكلور وغيرها. وقد وجد بعض علماء اللغة فيها وسيلة لتفسير أصل اللغة، لذا نجدهم يفترضون أن اللغة لم تبدأ كاملة منذ الوهلة الأولى وإنما تطورت مع تطور جسم ومخه وقدراته العقلية. ويقارنون أطوار تطور لغة الإنسان القديم بمراحل النمو عند الأطفال. وهذه المراحل في نظرهم كالتالي:

1- مرحلة الأصوات الانبعاثية الساذجة حين كانت أعضاء النطق غير ناضجة والميول والرغبات غير واضحة، هذه المرحلة في نظرهم تشبه حالة الطفل في الشهور الأولى من حياته.

2- مرحلة الأصوات المكيفة المنبئة عن الأغراض والرغبات المصحوبة بإشارات متنوعة. في هذه المرحلة يظهر التمييز للأصوات كالجهر والهمس، والشدة والرخاوة، والتمييز في نطق بعض الأصوات الشفوية (ب، م) وهذه المرحلة تناظر حالة الطفل في أواخر السنة الأولى عندما يبدأ بترديد أصوات مثل: با با، ما ما، دا دا ...إلخ.

3- مرحلة المقاطع التي أصبح الإنسان فيها ينطق أصوات محددة المعالم في صورة مقاطع قصيرة محاكية أصوات الحيوانات والأشياء في الطبيعة، وتشبه هذه المرحلة حالة الطفل في بداية السنة الثانية عندما يبدأ يسمى الأشياء بحسب أصواتها مثل تسمية الكلب "هوهو" والقطة "نَوْ نوْ" والساعة "تك تك".

4- مرحلة تكوين كلمات من مقاطع، وهذه تمثل الجذور اللغوية الأولى التي استعملها الإنسان الأول لقضاء حاجاته، وقد بلغ هذه المرحلة اللغوية بعد أن اكتملت قدراته العقلية ونضجت أعضاؤه الصوتية، واشتدت حاجته إلى التفاهم مع غيره، ويناظر هذه المرحلة من أطوار نمو الطفل تلك التي يبدأ فيها التفاهم مع من حوله ويصبح لديه قدرا من المفردات التي تساعده في الإشارة إلى الأشياء في محيطه وبيئته


ل هذه الأمور مجتمعة تجعلنا نقول إنه يبدو أن الأصل الإلهي في اللغة هي تلك المقدرة الفطرية اللغوية التي وهبها الله للإنسان وجعله قادرا إيجاد نظام من العلامات يستطيع به التفاهم مع الآخرين من جنسه. ومسألة هل بدأت هذه اللغة بكلمات محاكية أو غير محاكية ليست مهمة في نظرنا لأنه لا علاقة لها بالأصل الفعلي للغة. فالإنسان لو لم ذا صوت لاستخدم وسيلة إشارية أخرى. نحن نرى اليوم الصم والبكم يستخدمون الإشارات كلغة ذات نظام صرفي ونحوي قادرة على التعبير بتراكيب تشتمل على علامات للعدد والزمن والضمائر. وهناك مجموعات من البشر حرمت السمع والبصر فعمد أفرادها إلى استخدام نظام لغوي قائم على تشكيلات من اللمسات. وهناك من يقول إنه لو عزل اثنان أو ثلاثة من الأطفال في مكان ما لاستطاعوا أن ينشئوا لغة جديدة قد تضاهي اللغات الأخرى في تراكيبها ونحوها وصرفها. إذن المسألة المهمة في أصل اللغة ليست الكلمات. المهم هو أن هذا المخلوق قد وهب قدرات عقلية ولغوية فطرية تمكنه من استخدام أي وسائط متاحة ليستعملها نظاما للتفاهم مع غيره. وقد نجح علماء في بريطانيا في الكشف عن أول مورث، أو جين، مسؤول عن تطور اللغة والكلام عند الإنسان. يقول البروفيسور انتوني موناكو من مركز ويلكوم لدراسات المورثات البشرية، إن هذا الكشف يعد أول دليل علمي على وجود مورث يمكن أن يكون له علاقة واضحة بمشاكل نشأة اللغة وتطورها، ومن شأنه إلقاء الضوء على ألغاز اللسان والكلام وأسرارهما.
فما رأيك أخي الكريم في هذا ؟ وهل تعتبر أنت العربية لغة طبيعة ؟ مع تعليل الجواب ؟ من السهل جدا أخي الكريم طرح الأسئلة

وأتمنى أن لا أكون تجاوزت المقام أو الجدية أو الغناء في الموضوع

وفقك الله أخي وشكرا على حسن التتبع والمناقشة الهادفة


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركةمرسل: السبت مارس 26, 2011 7:55 pm 
معلومات العضو
لساني نشيط
لساني نشيط
إحصائيات العضو

اشترك في: السبت إبريل 21, 2007 10:59 am
مشاركات: 102
مكان: اكادير
غير متصل
طيب نفترض على أن ما قلته بصدد اللغة الطبيعية صحيح ، وإن كان فيه خلط بين ما ينتمي اليوم إلى البحث الدلالي ، وأحيلك على مؤلفات عبد المجيد الجحفة ( مدخل إلى الدلالة الحديثة ) أو مؤلفات محمد غاليم ( المعنى والتوافق الدلالي ).
ثم لم تجيبي على أي من المنظورين المحددين سلفا ، اللغة العربية هي لغة طبيعية ، أم أنه تتميز بخصائص غير موجودة في اللغات الأخرى .
ما تفضلتي به بصدد اللغة الطبيعية يقال في جميع اللغات ، ولا يستثني لغة بعينها
ما يقال بصدد الضمائر :
أنا : إشارة إلى المتكلم بتقلص الشفتين إلى الداخل
هو : إشارة إلى الغائب ببروز الشفتين
هذا كلام انطباعي لايستند على أساس عقلي ، فهو مردود على قائله ، وهذا يذكرني بحكم النابغة الذبياني على شعر بعض الشعراء ؛ والله إنك أشعر الجن والإنس! وهل فعلا هو أشعر الجن والإنس ، وهل للجن شعر ؟؟!
اللغة العربية من منظور اللسانيات لغة طبيعية ،لا فرق بينها وبين اللغات الأخرى عبرية أو انجليزية أو سنسكريتية
أما حديثك عن الصم والبكم يستخدمون الاشارة كلغة ذات نظام صرفي نحوي قادر على التعبير ، فأتساءل طبيعة هذا النحو وهذا الصرف ؟؟أية تحويلات واشتقاقات وزمن وجهة في لغة الاشارة ؟ أي ضم أو فتح أو كسر في لغة الاشارة ؟
ثم هذا واضح أي إنسان يوضع في وضعية (مشكلة ) بمعناها البيداغوجي فإنه سيبدع لغة يتواصل ، فتصوري انك في مطار روسي ، نسيت حقائبك في الطائرة ولا تجدين الروسية ، فستبدعين لغة تفي بالغرض التواصلي وهو التوصل إلى الحقائب .

وما زلت لم تتوصلي بها بصدد الموضوع المطروح للنقاش ، اللغة العربية لغة طبيعية .
والسلام

التوقيع
jتحية اكبار واعتزاز ،للأستاذ المحترم عبدالرحمان بودرع على هذا المنتدى القيم الذي أخد على عاتقه خدمة اللغة العربية واللسانيات العربية .والله ولي التوفيق .


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركةمرسل: السبت مارس 26, 2011 8:47 pm 
معلومات العضو
لساني مميز
لساني مميز
إحصائيات العضو

اشترك في: الخميس يناير 13, 2011 6:04 pm
مشاركات: 404
غير متصل
وعليك سلام الله
أخي الكرم لاأدري إذا كنت قد قرأت نهاية المقال فقد رددت على سؤالك ، أما فيما يخص الرأي الإنطباعي فقد تكلمت بنظريات موجودة في الساحة لا أظن أنك تجهلها فكيف تكون إنطباعية

فتفضل أخي الكريم وشرح الموضوع أكثر ,

سؤال ماهو رأيك في الموضوع مع إتيان بالأدلة.

وفقك الله

التوقيع
شَكَوْتُ إلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي     ..     فَأرْشَدَنِي إلَى تَرْكِ المعَاصي
  وَأخْبَرَنِي بأَنَّ العِلْمَ نُورٌ                 ..         ونورُ الله لا يهدى لعاصي


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركةمرسل: السبت مارس 26, 2011 9:49 pm 
معلومات العضو
لساني نشيط
لساني نشيط
إحصائيات العضو

اشترك في: السبت إبريل 21, 2007 10:59 am
مشاركات: 102
مكان: اكادير
غير متصل
السلام عليكم ورحمة الله ،
أنا قرأت الموضوع فقرة بفقرة ، وتتبعته كما يفعل ابن شهيد الأندلسي في رسالته التوابع والزوابع ، مع زوابعه وتوابعه ، فيناقشهم ، ويرد على خفة أفكارهم يقول ابن شهيد في نص طريف له " كيف أوتي الحكم صبيا ، وهز بجذع نخلة الكلام فأساقط عليه رطبا جنيا ،أما به شيطانا يهديه وشيصبانا يأتيه ! وأقسم أن له تابعة تنجده وزابعة تؤيده ....إلى أن يقول فأصخ أسمعك العجب العجاب :
كنت أيام كتاب الهجاء أحن إلى الأدباء ، وأصبو إلى تأليف الكلام ، فاتبعت الدواوين وجلست إلى الأساتيذ، فنبض لي عرق الفهم ودر لي شريان العلم "
كم هي جميلة النصوص التراثية !
النظريات التي أشارت إليك أنها انطباعية ،بمعنى أنها غير قابلة للتجريب ، ولاتستند ألى أساس عقلي يقويها ،مثلا أنا تتقلص الشفتين إلى الداخل وهو تبرز الشفتين ، ليس له أساس منطقي ، وفي الفرنسية مثلا :je –tu –moi-toi من يبرز ومن يتقلص ، وفي الدارجة المغربية نقول : أنا – نتا – نتي
في الأمازيغية نقول : نكي – نتات – نتا ، بتشديد حرف الكاف والتاء .
النظرية السلوكية في معالجتها للمعنى تصورت أن الظاهرة الإنسانية ،يمكن تفسيرها بمثير واستجابة ( تجربة بافلوف) ، ولكن الظاهرة الانسانية ومنها اللغة ظاهرة معقدة يتداخل فيها النفسي ، بالاجتماعي بالذهني ،ولا يمكن حصرها أبدا في السلوك والحركة .
المعرفة إذا أردنا أن نبنيها ، نبتعد عن الحس المشترك ، أي ما يسلم به العوام ، اللغة العربية ، لغة طبيعية ، تلك الهالة من القداسة التي تلف فيها ، ممكن أن يقبل بها الباحث في كتب البلاغة ،أو النقد أو فقه اللغة ، لأن هذه المؤلفات تدرس العربية في ذاتها ، ولوحدها .
أما اللساني فإنه يبحث عن المشترك بين اللغات ، أي النحو الكلي ، دون إغفال بعض الخصوصيات التي لها علاقة بنسق النحو الذهني كما يتصوره تشومسكي، ومنه يمكن القول أن اللغة العربية لغة طبيعة ،أي ما نجده فيها من ظواهر صوتية ، قد نجده في العبرية ،فالسلام في العبرية ينطق الشلام النعال تنطق نعلايم وهكذا ، إذن أين ما تتميز به اللغة العربية !
بل حتى ظواهر الرتبة نجد مثلا : أكل محمد الخبز ، بالأمازيغية : اشا محمد أغروم
على أي هي تختلف عن لغات الهند أوربية التي تبدأ بالاسم ....
كل هذا يدل على أن الذين يدعون أن اللغة العربية تفوق اللغات ، وتتميز عنها ، لا يستندون إلى الأساسيات المنهجية التي يتحدث عنها الخطاب اللساني ، بل سيتندون لأساسات ثقافية : اللغة العربية لغة القرآن ، لغة أهل الجنة !!
هذا الكلام مسلم به ثقافيا ، ولكن من الناحية اللسانية ، فإنه لا يخاض فيه .
أعتقد لخدمة اللغة العربية يجب أن نفكر في :
- حوسبة معجم للغة العربية
- استثمار اللسانيات الحديثة لخدمة اللغة العربية كما فعل مشروع أحمد المتوكل ، ومشروع عبد القادر الفاسي الفهري
- ترسيخ الثقافة الابستمولوجية ، للتعامل مع المعرفة عامة والكتابات اللسانية خاصة كما فعل مشروع مصطفى غلفان(انظر اللسانيات العربية الحديثة دراسة نقدية في المصادر والأسس النظرية والمنهجية )، وحافظ اسماعيلي علوي ، وامحمد الملاخ ( أنظر قضايا ابستمولوجية في اللسانيات )
- توسيع متن اللغة العربية ، وتجديده
- التقعيد لنحو جديد للغة العربية ،
والسلام

التوقيع
jتحية اكبار واعتزاز ،للأستاذ المحترم عبدالرحمان بودرع على هذا المنتدى القيم الذي أخد على عاتقه خدمة اللغة العربية واللسانيات العربية .والله ولي التوفيق .


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركةمرسل: السبت مارس 26, 2011 10:54 pm 
معلومات العضو
لساني مميز
لساني مميز
إحصائيات العضو

اشترك في: الخميس يناير 13, 2011 6:04 pm
مشاركات: 404
غير متصل
وعليكم السلام

أخي الكريم فيما يخص حوسبة معجم للغة العربية أجيبك

أظهرت دراسات أخرى للغة ودلالاتها أن المناهج اللسانية الحديثة باستنادها إلى هندسة اللغة وحوسبتها تساعد على التقريب التداولي للمصطلح البلاغي على سبيل المثال، فمن "فضائل التداولية المدمجة في التركيبية، والدليل أنها تلفت نظرنا ـ بعد الملقي ومعنى ما يلقيه من الكلام ـ إلى المتلقي والدلالات التداولية ( المفترضة والمضمرة) التي تحصل في ذهنه وفي سياق معين إلى الغاية العلمية والفائدة والنتيجة الفعلية من إلقاء الكلام الفوري أو الدوري... ويعتبر ما ذكرنا مثل المجاز والمشاكلة والتورية والرمز فضلاً عن الكناية و الاستعارة والمثل فالتمثيل ثم الأمثولة نموذجاً لما لم يتأت ذكُره، فالدلالات التداولية لهذه المصطلحات البلاغية تختبئ وراء معانيها الظاهرة، ولابدّ لها من متلق يفهمها في سياقها، ويتصرف وفق هذا الفهم".‏

وتثّمر الغيرات الدلالية على نحو أفضل إذا عولجت الفروق الدلالية ضمن سياقات تعبيرها، ولاسيما أشكالها المجازية.‏

4ـ 3ـ وضع المصطلحات وتوليدها:‏

يتفق معظم اللغويين العرب على أن تطوير الاشتغال على قضايا المصطلح شأن من شؤون مواكبة اللغة العربية للعلوم الحديثة، كما أظهرت ذلك ندوة "قضايا المصطلح" (جامعة تشرين 28 ـ 30 نيسان 1998) ، وتنطلق المسالة برمتها من تطوير المصطلحات اللسانية ومعاجمها الحديثة من حيث قابلية المصطلح لحوسبة المعجم فيما يخص مجاوزة علل الافتقار إلى الدقة والوضوح والاكتمال، إذ يعاني المصطلح اللساني من الارتباك المتمثل في " تعدد المقابلات في المعاجم والمؤلفات والمترجمات، وتبقى محاولة التمييز والاختبار بين المقابلات أو محاولة التوفيق بينها من أصعب المشكلات التي تواجه المعجمي والدارس والمؤلف العربي، ولا حل لها إلا باتباع مبدأ المصطلح المفُضل والمصطلح المقبول (1984 Felber)، فالمصطلح المفضل هو المصطلح الموصى به والمصطلح المقبول أو المجاز هو المصطلح الذي يمكن أن نعده مرادفاً للمصطلح المفضل"

ودعا هليل من قبل إلى التقييس المصطلحي في البلاد العربية،و"هو توحيد التصورات والتقليل من المجانسة homonymy ومن الترادف وإقناع عدد كبير من أهل الاختصاص في حقل من الحقول بأن يعتمدوا تعريفات التصورات في هذا الحقل والمصطلحات المقترح إسنادها لهذه التصورات".‏

وحدد معوقات التقييس الناجمة عن التباين في المقابلات العربية للمصطلح الأجنبي الواحد فيما يلي:‏

1 ـ استعمال المقابلات العربية الترجمية لبعض المصطلحات التي يوجد لها مقابلات في التراث العربي، وقد نجد المصطلح التراثي جنباً إلى جنب مع الترجمة الحرفية للمصطلح الأجنبي.‏

2 ـ التردد بين التعريب والترجمة.‏

3 ـ ترادف المصطلح التراثي نفسه.‏

4ـ استعمال الصيغ الاشتقاقية المختلفة مقابلات للمصطلح الأجنبي.‏

5 ـ تباين طرائق النقل للمصطلح الأجنبي الواحد إلى العربية.‏

6 ـ التباين في ترجمة السوابق واللواحق والجذر والصيغ الرابطة.‏

7 ـ الترجمة الحرفية للمصطلح دون الانطلاق من التصور وراء المصطلح.‏

8ـ التباين في ترجمة العناصر المصطلحية التي تعبر بشكل متسق عن علاقات تصورية في اللغة المصدر. بسبب هذا التباين لا يتم نقل وظيفة العنصر أو معناه في حقل التخصص كما تفقد الأسرة المصطلحية اتساقها.‏

9 ـ عدم تعيين الحدود بين المترادفات وتخصيصها.‏

10ـ نقص الاهتمام بالمصطلحات المشتركة بين الحقول المتعددة التي سبق نقلها إلى العربية مما يمثل غياب التنسيق في العمل المصطلحي.‏

11ـ اختلف علماء العربية من المحدثين والمترجمين في موقفهم من النحت فعدّه بعضهم طريقة مشروعة من طرائق نقل المصطلح فأسرف في استعماله، وقد تسبب هذا الموقف في تعدد بعض المقابلات العربية.‏

12ـ الخطأ في فهم المصطلح التراثي والإسقاط الخاطئ(.‏

وتستدعي هذه الإرباكات التواضع على طرائق نقل المصطلح إلى العربية وتوحيدها، ولا تقتصر هذه الطرائق على النقل، بل تستند بالأساس إلى الوضع الاصطلاحي من خلال معاينة عناصر هذا الوضع، لأنه يشمل التعريب والترجمة ومقاربات الاشتقاق والنحت والتراث ( مراعاة الدلالات المتوارثة وتغيراتها) والتعريب الجزئي. وقد وضعت عدة معاجم للمصطلحات اللغوية واللسانية العربية دون حوسبتها، وهي:‏

ـ عدة معدين: المعجم الموحد للمصطلحات اللسانية (إنكليزي ـ فرنسي ـ عربي). تونس 1989.‏

ـ رمزي بعلبكي: معجم المصطلحات اللغوية (إنكليزي ـ عربي) بيروت 1990.‏

ـ خليل أحمد خليل: معجم المصطلحات اللغوية (عربي ـ فرنسي ـ إنكليزي) بيروت 1995.‏

ـ مبارك مبارك: معجم المصطلحات الألسنية. بيروت 1995.‏

واقترح بعض اللغويين مثل عصام نور الدين (لبنان) " أن تنشأ لجنة عربية موحدة تضم المتخصصين المشهود بعلمهم وإخلاصهم لانتمائهم القومي، وتغذى من كل الدول العربية والجامعات العربية لترجمة أمات الكتب اللغوية من كل اللغات، ثم تعرض هذه الترجمات الموحدة على مجامع اللغة العربية كلها وعلى الجامعات ومراكز البحث لتقول كل مؤسسة كلمتها فيها وفي مصطلحاتها التي يجب أن يحوي كل كتاب منها على تثبت مصطلحات لأن تحديد المصطلحات اللغوية وتوحيدها واستعمالها ونشرها والتعليم بها شرط أساسي وأولي لتطور علم اللغة وتقدمه وشرط أساسي لتمكين الدارسين العرب من الانتقال من مرحلة التلقي والاستهلاك إلى مرحلة التمثل والتأليف والإبداع"(44).‏

ويستكمل توحيد المصطلح بوضع معاجم اصطلاحية ترتب مداخلها حسب الألفبائية العربية وشرح المصطلح وتعريفه بذكر خصائصه القياسية وليس بالمقابلة (تفيد هذه الحال الوضع وليس الترجمة أو التعريب)، و"استخدام الشواهد النصية والصورية واجتناب التعريب وإيجاد الكلمة المعبرة عن طريق التعبير الدلالي لكلمة عربية قديمة أو عن طريق الاشتقاق وتفضيل الكلمة الدقيقة على الكلمة العامة أو المبهمة"(45).‏

ولفت أحمد مختار عمر (مصر) النظر إلى الآثار السلبية للتعددية في المصطلح اللغوي، قائلاً: "فلعل أخطر ما يتعرض له المصطلح اللغوي الحديث من قصور ناتج عن كثرة ما تقذفه المطابع كل عام من دراسات لغوية يصحبها إدخال ألفاظ جديدة بدلالات جديدة كل يوم دون أن تتوافر لها شروط المصطلح واستخدام لغة لم ترق في تعبيراتها المتخصصة إلى مستوى المصطلح. ولولا أن كثيرين ممن يقدمون المفاهيم الأجنبية في لفظ عربي يقرنون المصطلح العربي بنظيره الأوروبي لغمض فهم المصطلح العربي على الكثيرين، ولكان هذا المصطلح عامل تفريق لا تجميع، وما كان هناك حدّ أدنى من الاتصال بين لغويين قطر عربي وآخر، بل بين لغوي وآخر في داخل القطر الواحد، وقد أدى هذا ـ بالضرورة ـ إلى خلق مجالات كثير للتعارض والتصادم بين هذه المصطلحات ومستخدميها بعضهم مع بعض"(46).‏

ووضع محمود أحمد السيد عدة اجتهادات في وضع المصطلحات وتوليدها في مجال المفردات بتدقيق المصطلح ووضوحه واكتماله وانسجامه مع القواعد العربي وأصولها وفي مجال النصوص باستعمال مصطلح النص المفرّع أو الممنهل مقابل hyper text والنص المفرّع في علم الحاسوب هو تسمية مجازية في تقديم المعلومات يترابط فيها النص والصورة والأصوات والأفعال معاً في شبكة من الترابطات مركبة وغير تعاقبية مما يسمح لمستعمل النص (القارئ سابقاً) أن يجول في الموضوعات ذات العلاقة دون التقيد بالترتيب الذي بنيت عليه الموضوعات، وهذه الوصلات تكون غالباً من تأسيس مؤلف وثيقة النص المفرّع أو من تأسيس المستعمل حسب ما يمليه مقصد الوثيقة. والنص المرفل Hyper media هو مصطلح لاحق للنص المفرّع وإغناء له، وقد دخل مجدداً في علم الحاسوب وعالم الإعلام والتربية، وهو في علم الحاسوب دمج الرسوم والأصوات والفيديو أو أي تشكيل آخر في منظومة ترابطية بشكل رئيسي لخزن المعلومات واستدعائها، وفي النص المرفل تربط المعلومات بشكل يسمح للمستعمل أن يقفز عند عملية البحث عن المعلومات من موضوع إلى آخر متصل به، ويسمح للمستعمل أيضاً القيام بتداعيات بين الموضوعات بدلاً من التنقل المفروض تتابعياً من موضوع إلى آخر في قائمة ألفبائية"(‏

وظهرت تجارب محدودة في حوسبة المعجم الاصطلاحي مثل تجربة المجلس الأعلى للغة العربية في وضع المصطلحات الإدارية التي حوت في الوقت نفسه مصطلحات من شتى الاصطلاحات مثل الاقتصادية والفلاحية والأدوات والآلات الفنية والرياضية والمعادن والأحجار‏

والطبية والبيطرية والبيولوجية والإعلام الآلي والكيميائية و الفيزيائية والقانونية والسياسية والإدارية البحتة ومصطلحات أخرى،ولاحظ ناقدو هذا العمل المعجمي النقض والخلط فيه، بالإضافة إلى خلوه من التهيئة للحوسبة، وهناك ألفاظ عربية وفرنسية عامة لا علاقة لها، وأشار لعبيدي بوعبد الله (الجزائر) إلى توافر استراتيجيات الوضع القابلة للحوسبة في حالتين الأولى تتعلق بوضع عدة مقابلات لمصطلح واحد فيما يتعلق باللغة العامة وما يتعلق بالمصطلحات مثل تسمية واحدة لعدة مفاهيم (تحويل ـ تخفيض ـ تداول ـ تمديد) أو عدة تسميات لمفهوم واحد، وتتعلق بالحالة الثانية من طرق الوضع كالاشتقاق والترجمة والنحت والافتراض وغيرها، ولعل توكيد استخدام الموروث المصطلحي وتطويره بعيداً " عن الصيغ الغربية التي لا تنسجم مع المجال المعرفي المحدد، ويستحسن وضع تعريف يحدد معناه ومظانه ومجال استخدام كل مصطلح بشكل يضمن له التداول وعدم الهجران".‏

ولعلنا بعد هذه الإلماحات المتعددة لواقع المعجم العربي إزاء المصطلحية والاصطلاحات نفيد أن حوسبة المعجم تقوم على قواعد الضبط الاصطلاحي من نظريات متعددة ومناهج مختلفة تراعي العديد من الاعتبارات اللغوية والتقنية.‏

4 ـ 4ـ توظيف التقنيات العصرية:‏

صار لزاماً على المعنيين بحوسبة المعجم العربي أن يراعوا توظيف التقنيات العصرية مثل المعالجة الآلية لعناصر المعجمية وبرمجتها من حيث التصنيف والتخزين والمرجعية وتحويل النص المعجمي إلى نص إلكتروني ممنهل يدمج أيضاً بين الفكر والكتابة، "موحداً العقل ومساحة الكتابة في كل واحد غير قابل للنسخ"، ناهيك عن إثراء المعجمية بالتكامل بين الصور الرقمية والأصوات في قاموس إلكتروني حيث تحل محل النص الكلامي الصور والأصوات وإدراكات حواسية أخرى كاللمس والشمّ، ويتم التوصل إلى تقديم تعددي الاتصال يتوجه فيه الحاسوب إلى حواس المشترك جميعاً، وحيث يصيب هذا الأخير مشاهداً، وتتحول الموسوعة إلى تلفزة تبادلية أو واقع خلبي (والأفضل خلاّب)"(50).‏

وتساعد حوسبة المعجم العربي على تسهيل معجمية الرصيد اللغوي العربي الثرّ في حافظات برمجية جاهزة للتسيير وفق الأغراض المعجمية المنشودة من حيث الإحصاء والوصف والتعدد الدلالي والتوزع اللغوي الصوتي أو الصرفي أو النحوي أو البلاغي أو الاصطلاحي والمجالات الإبلاغية الاتصالية في هذا المنحى أو ذاك بالتعاضد مع تقانات " الملتيميديا" لدى إدخالها تقانات للنص المرفّل .. إلخ والمجالات الاستعمالية للغة في التعليم أو التدريب أو التأليف، ولطالما شكا اللغويون من محدودية النشر الإلكتروني، وإن لم يصرحوا بغنى الأخير لعدم تعاملهم معه واكتناه قابلياته التقنية المتعددة في صون الرصيد اللغوي العربي وتثمير إمكاناته الكثيرة، وسمت الباحثة حفيظة تازروتي (الجزائر) قصور النشر المعجمي التقليدي عيوباً دون أن تقارب تقانات النشر الإلكتروني في خدمة حوسبة المعجم العربي.‏

و أورد مثالاً على تخديم حوسبة المعجم العربي بتوظيف التقنيات العصرية، فقد وضع أمين علي السيد كتاباً أقرب إلى العمل المعجمي عن قواعد الصرف سمّاه "في علم الصرف"(52)،وظهرت منه طبعات متعددة، والكتاب موضوع لتيسير الدراسة في علم الصرف والسير بها نحو الجانب التطبيقي المفيد، على أن تحويل هذه القواعد إلى مجال البرمجة والحوسبة يخفف من الجهود الكبيرة للحصول على قاعدة معينة في كتاب صغير الحجم، ويتطلب ذلك في الوقت نفسه إعادة النظر في إيراد هذه القواعد مشمولة باستخدام التقنيات العصرية.‏

ويقال الرأي نفسه حول " معجم الإملاء"لمحمد محيي الدين مينو الصادر مؤخراً (2002) ويضم قواعد الإملاء حسب الحروف وحالاتها، وملحقاً بمعجم الأخطاء الإملائية الشائعة وآخر عن أبجديات الحروف وقيمتها وثالثاً عن مخارج الحروف. ومن المفيد أن نعترف بأن حوسبة هذا المعجم الصغير، على محدوديته، تيسر الاتصال معه، وتُغنيه إذا أدغمت بتقنيات النص الممنهل والمرفل والكتابة عامة.‏

5 ـ آليات معجم عربي جديد:‏

رهن كثيرون تحديث العربية بتحديث معجمها اللغوي، وقد دعا العفيف الأخضر، وهو مفكر سياسي، إلى تأطير عمليات تحديث المعجم العربي فيما يلي:‏

* فتح المعجم على دفتيه للدخيل أي المعرب وأيضاً للنحت وللترجمة.‏

* ترجمة معجمين أساسين عامين من الإنجليزية والفرنسية.‏

* نقل المعاجم المتخصصة في العلوم الدقيقة والإنسانية.‏

* إصدار معجم عربي حديث حقاً.‏

* إصدار معجم اشتقاقي.‏

*إصدار معجم تاريخي للعربية.‏

*إصدار معجم بفصحى الحياة.‏

* الاعتراف باللحن.‏

* تحديث الأبجدية.‏

* دمج البادئة واللاحقة في صلب المصطلحات العربية المترجمة على غرار اللغات الأوربية(.‏

ومن الواضح أن اهتمام المفكرين والكتّاب مثل اللغويين بتحديث العربية ومعجمها شاغل ضاغط على الوجدان والعلم و المعرفة، وعلى الرغم من ارتباك آراء العفيف الأخضر واختلاطها، فإنها تعبر عن مسعى تحديث المعجم العربي، وإن غفل عن آفاق حوسبته وقضاياها.‏

وقد اخترت إشارة لرأيه أنموذجاً للاتفاق العام على ضرورة تحديث المعجم العربي، إذ تحتاج حوسبة المعجم العربي إلى آليات جديدة في مجالات التوليد المصطلحي (الصوتي ـ الصرفي ـ الدلالي ـ المرتجل بقاعدتيه الارتجال الحقيقي والإتباع ـ والافتراضي بقاعدتيه المعرب والدخيل) وبالاستناد إلى تفعيل القاعدتين الأهم وهما الاشتقاق والمجاز لدى معاينة الأصول الجذرية أو الجذعية أو الأجنبية. ويرى بعض اللغويين المعجميين مثل إبراهيم بن مراد أن " أهم هذه الأصناف الثلاثة بالنسبة إلى الحاسوب هو الصنف الثاني أي صنف الأصول الجذعية. وهو مشتمل على خمسة أنواع من الأصول: أربعة منها تمثلها المقولات المعجمية التامة، وهي الأسماء والأفعال والصفات والظروف. والصنف الخامس تمثله الوحدات المعجمية غير التامة، وهي تنتمي إلى مقولة الأدوات، وهي تشمل الحروف بمختلف أنواعها والضمائر وأسماء الإشارة وأسماء الموصول والأفعال الناقصة.‏

وهذه الأدوات كما يلاحظ هي وحدات صرفية نحوية، لأنها ذات وظائف نحوية في اللغة أهم من وظائفها الدلالية العامة"(.‏

والمجال الثاني من مجالات التطبيق الحوسبي في المعجمية المختصة هو الجمع من المصادر والنظر في المستويات اللغوية والوضع باعتماد الترتيب والتعريف خدمة للتكنيز المصطلحي، غير أن هذين المجالين يستدعيان اشتغالاً على معالجة القضايا المتعددة التي أشرنا إلى جوانب منها في حوسبة المعجم العربي.‏

وبدأ الكثيرون بإعداد معجم جديد، مثلما فعل محمد محمد حلمي هليل( الكويت) في معجمه الجديد للترجمة من العربية إلى الإنجليزية ساعياً إلى أن تغيّر الثنائية من وسائلها، وأن تعيد النظر في منهجيتها. "من هنا تولدت لنا فكرة معجم الترجمة. وحيث إن الترجمة كما يقول (1989:9) Hartmann: " عملية معقدة تتضمن القدرة على صياغة معنى التعبير الواحد باللغة المصدر واللغة الهدف"، فالجمع بين معجم عربي أحادي اللغة ومعجم ثنائي من نوع خاص من أفضل آليات الترجمة".‏

وعمد هليل إلى العناية بالسياق والجذر والأمثلة التوضيحية والتعريف والاستعمال المجازي والمقابلات والوحدات متعددة الكلمات والمتلازمات اللفظية والتعبيرات الاصطلاحية. وخلص إلى اقتراح بناء المعجم الجديد على محورين أولهما الترجمة الناجحة التي تعتمد اعتماداً كبيراً على فهم النص، وتنحصر الوسائل المعجمية في اللجوء إلى ما من شأنه أن يساعد على دقة الفهم من شرح معنى الجذر الذي يدور حوله المعنى العام والتعريف الدقيق والشامل الواضح والاعتماد أساساً على كلمات أو تعبيرات تعيش في سياقها لا كلمات مجرد عن السياق. وثانيهما أن فكرة المقابل تنبع من فكرة ضيقة عن التكافؤ اللغوي والمعجمي، لأنه واقع الحال يضحد الفكرة، فليس ثمة تقابل بين كلمات اللغة التي نترجم منها واللغة التي نترجم إليها. من ثم فالمعجم المقترح لا يطمح في تزويد المستعمل بالمقابل اللغوي، ولكن يزوده بالمقابل النصي، لأن معنى الكلمة أو التعبير لا ينفصم عن السياق، بل هو رهين به(.‏

هناك دعوات لمعجم عربي جديد، ولكنها لا تستفيد من إمكانات الحاسوب الهائلة في إنتاج حوسبة المعجم على الرغم من الاشتغال الكبير في هذا التطلع من خبراء المعلوماتية العرب الذين ينبغي أن تتعاضد جهودهم مع علماء اللغة واللغويين العرب، فقد ظهرت مؤشرات متعددة لمثل هذا الإنتاج، وما تزال الجهود قاصرة عن الإنجاز المنشود.‏


لقد أظهرت دراسة حواسبة المعجم العربي أن المشكلات اللغوية والتقنية الناجمة عن هذه الحوسبة كثيرة بالنظر إلى خصوصيات اللغة العربية وتراثها العريق والثرّ من جهة وأهمية تحديثها، ولاسيما معجمها من جهة أخرى سبيلاً لصون الذات وتثمير معطياتها التاريخية والوجودية باللغة أداة لسلطة المعرفة في صوغها الجديد. ومن المفيد أن نورد بعض الحلول لهذه المشكلات:‏

أ. تطوير عمل المجامع اللغوية لمواجهة هذه التحديات والشروع في البرمجيات لوضع إطار تقانة المعلومات من منظور اللغة العربية وإقامة النماذج اللغوية وتحليل فروعها المختلفة في ميادين الصرف الحاسوبي و النحو الحاسوبي والدلالة الحاسوبية والمعجمية الحاسوبية وعلم النفس اللغوي الحاسوبي والتاريخ اللغوي لحاسوبي للمواءمة بين المنظومات البرمجية وطبيعة اللغة العربية.‏

ب. مجاوزة الحال السائدة التي تفرّق بين الحاسوبيين واللغويين العرب، فلا يمكن وضع البرمجيات المنشودة دون الاستناد لمعرفة لغوية صرفية وصوتية ونحوية ودلالية وتركيبية، وقبل ذلك معرفة لغوية تاريخية للإحاطة بجوانب الاشتقاق والنحت والمجاز وما يندرج في مكونات التمثيل الثقافي من جهة، وبجوانب الأصيل والدخلي والثنائيات المتعددة المشار إليها في البحث من جهة أخرى.‏

ج. مجاوزة الأطر النظرية لحوسبة المعجم التي مازالت متوقفة عند الجمع المعجمي الذي يراعي عمليات تفعيل النظم الإشارية والرمزية والدلالية للكلمة في نسيجها التركيبي والمجازي والتاريخي التي تنفع في تثمير معطيات الحوسبة في النص الممنهل أو النص المرفل من أجل الاستعمال المعجمي المتعدد.‏

د. تطوير آليات الاشتغال المعجمي في مجالاته المختلفة مما يستدعي تشكيل فرق عمل من اللغويين والحاسوبيين من أجل معجم عربي جديد يقوم على توسيع فروع المعجم لئلا تقتصر على شرح المفردة في حال معينة والعناية بمجالات التوليد المصطلحي.‏

هـ. الاشتغال اللغوي في مجالات تيسير النحو العربي نحو تقعيده وقوننته وذكر ما يخرج عن هذه القواعد والقوانين أو ما يختلف عنها في جانب فرع المعجم التاريخي إزاء أصل الوضع وأصل القاعدة والأخذ بموقف النحاة من القراءات القرآنية والاستشهاد بالشعراء أو الحديث النبوي.. إلخ. ولابد من التواضع على هذه القواعد والقوانين تفعيلاً لحوسبة المعجم العربي وتوظيفاً لخصوصيات اللغة العربية التي تندعم بالنحو وبسيرورة تقانات حوسبته للإجابة على نماذجه دون عسر مثل النحو التوليدي والتحويلي ونحو الحالات الإعرابية.. إلخ، ولا تنطبق هذه النماذج على نحو اللغة العربية، لأن نحوها يعتمد أساساً على خصوصيات قواعد الاستصحاب وامتدادها إلى العلاقات البلاغية والصرفية مما يشكل النحو العلائقي في مثل هذا الجانب.‏

و. العناية بالفروق الدلالية التي تسعف هندسة اللغة وإثراء حوسبتها بمستويات الدلالة وسياقات تعبيرها المجازية وسواها.‏

ز. أخذ اللغويين والحاسوبيين المشتغلين بوضع معجم لغوي عربي جديد بعلم اللسانيات أو علم الدراسات اللغوية الحديثة لدى وضع البرمجيات، وأن تستند إلى معرفة لغوية بالنظرية اللسانية الحديثة لدى تحليل بنية اللغة العربية، وأن تتحالف هذه المعرفة مع كفاية لغوية نافعة في ميادين الإشتغال على التوليد اللغوي.‏


وفقك الله أخي الكريم

التوقيع
شَكَوْتُ إلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي     ..     فَأرْشَدَنِي إلَى تَرْكِ المعَاصي
  وَأخْبَرَنِي بأَنَّ العِلْمَ نُورٌ                 ..         ونورُ الله لا يهدى لعاصي


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركةمرسل: السبت مارس 26, 2011 11:58 pm 
معلومات العضو
لساني نشيط
لساني نشيط
إحصائيات العضو

اشترك في: السبت إبريل 21, 2007 10:59 am
مشاركات: 102
مكان: اكادير
غير متصل
السلام عليكم
الآن يا عمر!
الآن يمكن أن نتفق لأن الإشكال المعرفي في الثقافة العربية الحديثة مطروح وبحدة ،بداية تطوير الإنسان يكون أساسا بالنهوض باللغة ، وفي هذا الصدد أشيد بما أشارت إليه بصدد حوسبة معجم جديد للغة العربية ، وقد خاض في هذا الموضوع اللساني الفاسي الفهري يمكن الرجوع لمؤلفاته ( المعجم العربي ، اللسانيات واللغة العربية في جزأين والمعجمة والتوسيط ) وهي كتب غنية في هذا الباب ذلك أن " إنسان عصر المعلومات يواجه " التحديات " هي أن مخه لا بد وأن يجمع بين سرعة الاستجابة للمتغيرات تجاوبا مع تسارع لإيقاع الحياة والقدرة على استيعاب الظواهر البطيئة والمتراكمة " العقل العربي ومجتمع المعرفة مظاهر الأزمة والحلول ج 1 ، نبيل علي ،عالم المعرفة نونبر2009 ،ص55
إن هذا هو المدخل الحقيقي للنهوض بأحوال الأمة العربية في زمن التصحر المعرفي بحسب نبيل علي ، الذي يحاول تجريف التربة الأكاديمية في كثير من البلدان العربية ،تحت دعوى عولمة التعليم العالي ،الشئ الذي أحال الخدمة التعليمية الى عمل تجاري محض ،بالتالي غاب الفكر النقدي ، وساد الزيف .
وإن ما أشارت إليه بصدد حوسبة المعجم ، وتيسير النحو العربي ، وتجديده لهو المدخل الحقيقي للتنمية البشرية ، عوض التباكي على الأطلال ، وإسناد أسباب الأزمة للآخرين.
حياك الله ، وشكرا

التوقيع
jتحية اكبار واعتزاز ،للأستاذ المحترم عبدالرحمان بودرع على هذا المنتدى القيم الذي أخد على عاتقه خدمة اللغة العربية واللسانيات العربية .والله ولي التوفيق .


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركةمرسل: الأحد مارس 27, 2011 10:01 am 
معلومات العضو
لساني مميز
لساني مميز
إحصائيات العضو

اشترك في: الخميس يناير 13, 2011 6:04 pm
مشاركات: 404
غير متصل
وعليكم السلام


أخي الكريم

نعلم للسانيات الحديثة ، لكن لا يجب أن نغفل قيمة التراث اللساني العربي بدعوى الأطلال أو غير ذلك ، وألاحظ كثيرا أخي الكريم أنك تستشهد بالفاسي الفهري فهل هو اللساني الوحيد الذي تعرفه " لا أظن ذلك "

وتتمة ل "حوسبة معجم للغة العربية"

أحيطك علما أن قواعد بيانات القرآن الكريم كأساس للمعجم الآلي الموسع للغة العربية
لا بد للمعجم الآلي للغة العربية أن يحتوي مفردات جامعة ونصوصًا رصينة . وليس هناك ما يحقق هاتين الخاصيتين أفضل من نصوص القرآن الكريم . هذا بالإضافة إلى أن الكلمات والتعابير الأكثر استعمالاً في اللغة العربية واردة في القرآن الكريم في غالبيتها العظمى .

يحاول البحث أن يبين أسلوب تكوين قواعد البيانات الخاصة بالقرآن الكريم بدءًا من إعداد النص القرآني من كافة جوانبه مستندين في ذلك إلى أسلوب كتابة المصحف بالرسم العثماني وإلى أسلوب كتابة الخط العربي الحديث والضرورات الطباعية الحديثة وإلى قواعد الكتابة المعروفة ومنها قواعد كتابة الهمزة وواو الجماعة والألف المقصورة والتاء المربوطة ، إضافة الى الشواذ ، مع إعطاء فكرة عن المعالجات الآلية اللازمة لكي يدخل النص إلى قواعد البيانات . لذلك فإن قاعدة البيانات الأولى هي قاعدة بيانات الكتابة العربية.

بعد إعداد النص القرآني بشكل آيات متسلسلة يجب تحديد بدايات الجمل القرآنية ونهاياتها.

قاعدة البيانات الثانية اللازمة هي قاعدة البيانات الصرفية بما فيها من فصل للواصق السابقة واللاحقة والأفعال المشتقة منها الكلمات وأوزانها الصرفية والجذور التي تعود لها الكلمات .

أما قاعدة البيانات الثالثة فهي قاعدة البيانات النحوية والتي تستكمل تقسيم المصحف إلى جمل مستقلة وفي إعراب الكلمات وعلامات الإعراب والتشكيل ومحل أشباه الجمل والجمل من الإعراب وإلى التذكير والتأنيث والإفراد والتثنية والجمع وغير ذلك .

قاعدة البيانات الرابعة هي قاعدة بيانات المعاني والدلالة بدءًا من الجذور ثم الأفعال مع تجميع للأفعال ذات المعنى المتقارب أو المتضاد والمعاني المختلفة للكلمات مع تحديد كل استعمال ، وفيما إن كان الفعل لازمًا أو متعديًا لمفعول واحد أو لأكثر من مفعول أو متعديًا بحروف الجر ومعاني كل فعل عند تعديه بحرف الجر ومعاني العبارات المكونة من أكثر من كلمة .

قاعدة البيانات الخامسة هي قاعدة بيانات الصوت والنطق . ونظرًا لأن العناية بالقرآن الكريم في ترتيله وتجويده كانت عظيمة لا توجد في لغة أخرى غير اللغة العربية ، لذا فإن معالجة قواعد الوقف والتجويد في القرآن الكريم بشكل صوتي يمكن أن يكون نموذجًا للدراسات اللغوية الصوتية للغة العربية . وتجدر الإشارة إلى توفر ترتيل وتجويد للقرآن بأصوات مقرئين من شتى أصقاع العالم العربي والإسلامي يمكن أن يغني قاعدة البيانات هذه ، بالإضافة إلى تضمينها مختلف القراءات القرآنية .

يمكن تكوين قاعدة بيانات سادسة للخط العربي بمختلف خطوطه على مر التاريخ بما فيه النماذج الفريدة الرائعة فنيًا للخطاطين اللذين أولوا القرآن الكريم عنايةً فائقةً .

يعطي البحث أمثلةً عمليةً لبعض من المعلومات التي أدخلت إلى بعض قواعد البيانات الموصوفة أعلاه ، ويخلص إلى الإشارة إلى الجوانب والطرائق التي يمكن الاستفادة منها في مختلف الجوانب اللغوية في إعداد المعجم الآلي للغة العربية والإفادة من هذا المعجم في التعريب والترجمة وفي حوسبة النحو والصرف ونطق اللغة العربية .

1- مقدمة
حتل الدلالة ضمن المعالجة الآلية للغة العربية أهمية كبيرة، فلا يمكن أن تتم معالجات عميقة للنصوص العربية بدون معلومات كافية عن دلالة الألفاظ المكونة لتلك النصوص.

تحتاج المعالجة الدلالية الآلية للغة العربية مقدارًا كبيرًا من المعلومات عن مختلف جوانب اللغة. وهذه المعلومات يجب ان تكون مرتبة ومبوبة بنسق معين. وليس هناك أفضل من ترتيب هذه المعلومات من قواعد البيانات. وهذه المعلومات تشمل المعلومات عن الألفاظ وما تحوي من دلالات مختلفة وصرف وما يجوز أن تستعمل معه الكلمة وما لا يجوز والكلمات المقاربة والمضادة وكل ما يوصل إلى دقة دلالة الكلمة من وسائل.

إن أية بداية في هذا الصدد لا بد وأن تستند إلى نصوص رصينة ولذلك فإن دراسة مفردات القرآن الكريم هي خير بداية لمثل هذا الجهد ، وسنناقش في هذا البحث قواعد بيانات القرآن الكريم وكيف يمكن أن تساعد في المعالجة الدلالية للغة العربية.

سنتعرض أولاً إلى قواعد البيانات المتعلقة بنسق الكتابة بالرسم العثماني والرسم الإملائي وما يحتاج ذلك من معالجات مسبقة للنص القرآني. ومن ثم يتم تقسيم النص القرآني إلى جمل مفيدة بصرف النظر عن اتفاق ذلك مع الفواصل بين الآيات من عدمه.

بعد ذلك نتعرض لقاعدة بيانات الصرف وما يتعلق بها من فصل لنواة الكلمة عن لواصقها السابقة واللاحقة وربط النواة مع الأوزان الصرفية المعروفة. يلي ذلك قواعد بيانات النحو الذي يحتاج إلى تقسيم اللواصق إلى مكوناتها والأخذ بعين الاعتبار الضمائر المستترة وتقديرها ، وذلك من خلال شبكة موسعة لقواعد البيانات الارتباطية. كما أن قواعد بيانات اللفظ والنطق السليم ضرورية للغة العربية ( بالنسبة للقرآن التجويد والترتيل) لاستكمال المعالجات المناسبة للغة العربية.

كل تلك المعالجات وقواعد البيانات تصب في قواعد البيانات المتعلقة بالمعاني وترتبط معها بشكل تشابكي محكم.

إن معالجة اللغة العربية حاسوبيًا اليوم بحاجة إلى مكنز (lexicon) متكامل لتحديد المعاني المستعملة في اللغة الحديثة وفي الأزمنة المتعاقبة التي مرت بها اللغة العربية وتبويب ذلك بشكل منتظم. لقد كان التطور هائلاً في أبحاث معالجة اللغات الطبيعية وخاصة الانكليزية خلال العقود الماضية ، وكان لاستخدام قواعد البيانات أثرًا كبيرًا في هذا التقدم. وقد تكونت مكانز هائلة للغات حديثة متعددة. أنظر مثلاً المواقع على الشبكة المعلوماتية العالمية. ولذلك هناك حاجة لجهد هائل للغة العربية.


أخي الكريم لك الكلمة

وفقك الله

التوقيع
شَكَوْتُ إلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي     ..     فَأرْشَدَنِي إلَى تَرْكِ المعَاصي
  وَأخْبَرَنِي بأَنَّ العِلْمَ نُورٌ                 ..         ونورُ الله لا يهدى لعاصي


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركةمرسل: الاثنين مارس 28, 2011 9:09 am 
معلومات العضو
لساني نشيط
لساني نشيط
إحصائيات العضو

اشترك في: السبت إبريل 21, 2007 10:59 am
مشاركات: 102
مكان: اكادير
غير متصل
السلام عليك ، بصدد الاستدلال بالفاسي أعتقد واضحة فهو يعتبر كوجود الماء
فلا نظطر للتيمم ، لأن العلة مرفوعة فكيف أستدل بقول التلميذ وأنا أعرف الأستاذ!
ولا أعتقد أن هناك باحثا في اللسانيات العربية الحديثة ، لا يعرف أهمية مشروع الفاسي
اللهم إذا صدق عليه قول الشاعر:
أعلمه القوافي كل يوم **فلما قال قافية هجاني
الاعتراف لأصحاب الفضل فضيلة ، ثم إن المعرفة في الثقافة العربية تأخذ بالتواتر ،للتوضيح أكثر
أحيلك على مقال قيم للدكتور عبد الرحمان بودرع بعنوان منهج المعرفة عند علماء العربية
،عالم الفكر ، مجلد34 عدد3 يناير مارس 2004
أو كتاب بعنوان الاستدلال النحوي في كتاب سيبويه ، أما حتحات
نقاشنا يصدق عليه قول الشاعر:
كل مافي الوجود يطلب صيدا غير أن الشباك مختلفات
لك التوفيق

التوقيع
jتحية اكبار واعتزاز ،للأستاذ المحترم عبدالرحمان بودرع على هذا المنتدى القيم الذي أخد على عاتقه خدمة اللغة العربية واللسانيات العربية .والله ولي التوفيق .


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركةمرسل: الاثنين مارس 28, 2011 10:02 am 
معلومات العضو
لساني مميز
لساني مميز
إحصائيات العضو

اشترك في: الخميس يناير 13, 2011 6:04 pm
مشاركات: 404
غير متصل
وعليكم السلام

أخي الكريم لم ترد على موضوع "حوسبة معجم اللغة العربية " وأنت من أنصار اللسانيات الحديثة


أما فيما يخص الدكتور "الفاسي الفهري فليس محل خلاف " لكنني لاحظت عليك أنك تستشهد به فقط

أخي الكريم تقول اللسانيات الحديثة ثم تذهب إلى التراث ، وعندما أتحدث أنا عن غني الدرس اللساني العربي القديم تعيب على ذلك بدعوى الأطلال

أي مفارقة هذه ؟ ( وهذا الموضوع وغيره دليل )وفيما يخص مقالة الدكتورعبد الرحمان بودرع بعنوان منهج المعرفة عند علماء العربية سبق أن قرأت الموضوع ، بل أكثر من ذلك أحيلك على مدونة الدكتور عبد الرحمان بودرع

http://www.boudraa.com/
وتجدر الإشارة أن موضوع "منهج المعرفة عند علماء العربية" ج 1و2و3

أخي الكريم مارأيك في موضوع "حوسبة معجم اللغة العربية " خاصة على مستوى قواعد بيانات القرآن الكريم كأساس للمعجم الآلي الموسع للغة العربية

مع تعليل القول ؟

لك الكلمة أخي الكريم

وفقك الله تعالى


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركةمرسل: الاثنين مارس 28, 2011 12:06 pm 
معلومات العضو
لساني نشيط
لساني نشيط
إحصائيات العضو

اشترك في: السبت إبريل 21, 2007 10:59 am
مشاركات: 102
مكان: اكادير
غير متصل
السلام عليكم ، بالمناسبة الأخت الكريمة ، كيف تحيلنني على مدونة د عبد الرحمان بودرع ، وأنا أعرفه ودرست في وحدته سابقا : اللسانيات وتقنيات تحليل النص ،(قبل أن تتحول لماستر اللسانيات العربية والأمازيغية ) الفاسي الفهري اهتمامي به ،نابع من كونه يحمل مشروع يتجدد ويستمر من طبيعة الحال لا نغفل نعوم تشومسكي صاحب المشعل ، أعرف الفاسي ، وأعرف تلامذته ، ونحن تلامذة تلامذته ، فهو يمثل الوضوء ونحن نمثل التيمم ، وإذا حضر الماء ، رفع التيمم ، لزوال العلة .
المعجم الآلي لحوسبة اللغة العربية ، تجدر الإشارة إلى أن تصور الفاسي للمعجم العربي ، نابع من قناعة أن " المعاجم العربية الحالية رغم الجهود القليلة المبذولة ، لا تتيح مواكبة تطور اللغة " المعجم العربي ص13 بالتالي لا بد من التفكير في وضع معجم جديد للغة العربية يفي بالغرض ويقترح مايلي :
- تحديد المادة المعجمية التي ستحوسب
- تحديد الملكة المعجمية
- تحديد القواعد المعجمية
- تحديد المداخل المعجمية
أنظري الفصل الرابع من كتاب المعجمة والتوسيط ،للفاسي
كما أحيلك على مقالين جيدين في اطار الندوة التي جامعة مكناس و معهد الدراسات المصطلحية فاس 200 حول قضايا المصطلح في الآداب والعلوم الانسانية في جزأين :
- بناء معجم مفاهيمي للمصطلحات التكنولوجية الحديثة ، بلقاسم اليوبي ج2
- قضايا الترجمة الآلية للمصطلح الأجنبي ، العياشي السنوسي ج2
في السنة الماضية نظمت ندوة مهمة بفاس حول المعجم التاريخي للغة العربية قضاياه النظرية والمنهجية والتطبيقية المحصول والمأمول، يمكنك الرجوع إلى توصياتها ففيها الكثير من الأفكار النيرة ،
ثم بالنسبة للقرآن الكريم يجب ان أطلع على الموضوع أكثر ، لأنني أتحفظ من مثل هذه العناوين حتى أبحث فيها، مؤخرا في ليبيا أحد الإخوة يتحدث عن لسانيات اسلامية .. يبدو لي أنه يقصد التلاسنيات لأن هناك اللسانيات ، وهناك التلاسنيات !!
استشهادك بالتراث لا أعيبه عليك ، لأن التراث لا يمكن أن يجر بجرة قلم أو شطحة فكرية !إنما طريقة استخدامك للتراث فيها نظر وغير منهجية ، أنت تقولين مثلا : التناص هو السرقات الشعرية
إذن السيف هو الصاروخ العابر للقارات
هذا منطق لا يستقيم ، لأنه لا تاريخي ولا منهجي
هذا كلام ،ولكنه امكانية الاقرار به ، يستدعي الدقة لأن المعرفة إنسانية ، لا يمكن حصرها في خندق ضيق كما يحلوا ،للذين صدمتهم وحرقتهم صدمة الحداثة !
أكرر لك أني لا أجيب عن الأسئلة المدرسية ، تذكرنني بالقسم حين يسأل المتعلم ماهو الممنوع من الصرف ، هذا واضح ، المعارف مطروحة على الطريق يعرفها العربي والعجمي …لو عاش الجاحظ (ت255 هـ)إلى هذا الوقت لأضاف ويعرفها الحاج google
كما يسمونه .إلى الآن أنا أقش أن اللغة العربية لغة طبيعية من منظور اللسانيات ، وليست مقدسة ومميزة عن غيرها ، عرجت بنا لمناقشة اللغات الطبيعية ، وخصائصها ، الآن الحوسبة والمعجمة ،الآن تقرين أن اللغة العربية لغة طبيعية ، و أن ما يقال أنها أكبر اللغات ، ولغة أهل الجنة ، ومقدسة ، عذبة وسلسة هذا الكلام صحيح ولكن من منظور البلاغة والشعر والثقافة ، ولا علاقة لها بالخطاب اللساني الذي يدرس اللغات كنسق من العلامات والرموز ،
بالتالي تجيب على قدر السؤال ، وليس ما العلامة ما الرمز هذه أسئلة أجابت عنها اللسانيات السوسيرية ، ذكرتني بما وقع لللسانيين المغاربة ومنهم الفاسي في ندوة حول اللسانيات ، حينما كان المشارقة يسألونه ، ما العجرة؟ وما التشجير ؟ ما س خط أعتقد ترجع إلى المؤلفات وتجيب لنفسك كما قال سقراط عرف نفسك بنفسك ، التكوين الذاتي
لك التوفيق

التوقيع
jتحية اكبار واعتزاز ،للأستاذ المحترم عبدالرحمان بودرع على هذا المنتدى القيم الذي أخد على عاتقه خدمة اللغة العربية واللسانيات العربية .والله ولي التوفيق .


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
عرض مشاركات سابقة منذ:  مرتبة بواسطة  
إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ 19 مشاركة ]  الانتقال إلى صفحة 1, 2  التالي

جميع الأوقات تستخدم GMT
اليوم هو السبت أكتوبر 25, 2014 8:42 am


الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 1 زائر


لا تستطيع كتابة مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لا تستطيع كتابة ردود في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع حذف مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع إرفاق ملف في هذا المنتدى

البحث عن:
الانتقال الى:  
Powered by phpBB © 2014 phpBB Group
ترجم بواسطة phpBBArabia | Design AdevConsulting:AdevConsulting
  AdevConsulting   http://www.AdevConsulting.com