أخر المشاركات بالمنتدى

» السوبر تواصلية : إيصال المعلومات أم إنتاجها || آخر مرسل: حسن عجمي || عدد الردود [ 0 ]    .::.     » الاحالة || آخر مرسل: دكتور عبد الله الحياني || عدد الردود [ 0 ]    .::.     » عــــــــضوة جديدة أنا، هل من مرحب؟ || آخر مرسل: دكتور عبد الله الحياني || عدد الردود [ 4 ]    .::.     » الصرف والتركيب1 || آخر مرسل: الشيماء جمعة || عدد الردود [ 11 ]    .::.     » تدوة ثقافية || آخر مرسل: دكتور عبد الله الحياني || عدد الردود [ 0 ]    .::.     » هام لجميع الطلبة || آخر مرسل: النجاح || عدد الردود [ 0 ]    .::.     » برنامج ندوة شرح كتاب سيبويه الجديد || آخر مرسل: سارة سعد || عدد الردود [ 16 ]    .::.     » هام لجميع الطلبة || آخر مرسل: النجاح || عدد الردود [ 0 ]    .::.     » هام لجميع الطلبة || آخر مرسل: النجاح || عدد الردود [ 0 ]    .::.     » هام لجميع الطلبة \ المساعدة والمشورة في مشاريع التخرج ورسائل || آخر مرسل: النجاح || عدد الردود [ 0 ]    .::.    


 
 منتدى اللسانيات قائمة المنتديات -> اللسانيات ونظرية الأدب
الرواية الجزائرية بين الكلاسيكية والحداثة
 اسم مشترك: تذكرني؟
    كلمة السر:


انشر موضوع جديد   رد على موضوع

استعرض مواضيع سابقة:   

 
 
نشرة ارسل: السبت اكتوبر 04, 2008 6:01 am  موضوع الرسالة: الرواية الجزائرية بين الكلاسيكية والحداثة

ساجدة الروح
لساني نشيط
لساني نشيط

معلومات العضو






غير متصل

 


أرجو ان تعطوني ملخص عن مفهوم الرواية الجزائرية في الكلاسيكية وعن مفهومها في الحداثة حتى استطيع أن ازاوج بينهما وأكتب مقالة

_________________
مالي السعادة لا تريد زيارة الناس
ومال الضحك ينتقم من الوناس
فأصبحت فكرة بعد الضحك البكاء قاعدة وأساس
وهي عندنا حقيقة لا مجرد احساس

     

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة

رد مع اشارة الى الموضوع


 
نشرة ارسل: الثلاثاء اكتوبر 07, 2008 1:51 pm  موضوع الرسالة:

وائل سيد
مشرف منتدى اللسانيات ونظرية الأدب

معلومات العضو






غير متصل

 


الأخت العزيزة سوف أقوم إن شاء الله بتقديم تتبع للنقد العربي
منذ المرحلة الاحيائية (الكلاسيكية) حتى الحداثة، وسوف تجدي
في الحديث عن النقد وسماته حديثا عن الرواية لأن السمة عامة
بين النقد والأدب، وأنبهك إلي أن الموضوع الذي تطرحيه ليس موضوعا
يعالج في مقالة أو أثنين لذا أرجو أن تتحلي بالصبر وشكرا

_________________
مع خالص تحياتي: وائل سيد عبد الرحيم
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

     

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة

رد مع اشارة الى الموضوع


 
نشرة ارسل: الاربعاء اكتوبر 08, 2008 2:49 am  موضوع الرسالة:

ساجدة الروح
لساني نشيط
لساني نشيط

معلومات العضو






غير متصل

 


اشكرك اخي على اهتمامك
اعرف ان الموضوع يحتاج الى اطثر من مقالة لكن اريد المادة العلمية ثم اقوم انا بتلخيصها كما تعودنا مع المحاضرات
لك خالص تقديري واحترامي

_________________
مالي السعادة لا تريد زيارة الناس
ومال الضحك ينتقم من الوناس
فأصبحت فكرة بعد الضحك البكاء قاعدة وأساس
وهي عندنا حقيقة لا مجرد احساس

     

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة

رد مع اشارة الى الموضوع


 
نشرة ارسل: الاربعاء اكتوبر 08, 2008 3:12 am  موضوع الرسالة:

عبدون


معلومات العضو






غير متصل

 


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الاخت الفاضلة:
لقد شدّني موضوعك أو بالأحرى طلبك وإلحاحك في الطلب
والذي فهمته من طلبك أنّك تبحثين أن مساعدة في كيفية
تحضير ماجيستير الرواية العربية التي يشرف عليها الدكتور
محمودي بشير.
أختي الفاضلة:
لأنني مهتم مثلك بالموضوع أنصحك بقراءة رواية ريح الجنوب
لعبد الحميد بن هدوقة ورواية البحث عن الوجه الآخر لعبد
العالي محمد عرعار كما أنصحك بالإطلاع على أعمال لعرج واسيني حتى
النقية منها ككتاب أتجاهات الرواية العربية في الجزائر.

والله الموفق.

     

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة

رد مع اشارة الى الموضوع


 
نشرة ارسل: الاربعاء اكتوبر 08, 2008 11:28 am  موضوع الرسالة:

عبدون


معلومات العضو






غير متصل

 


انظري الرابط التالي :

http://lissaniat.net/viewtopic.php?t=1443

     

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة

رد مع اشارة الى الموضوع


 
نشرة ارسل: الاربعاء اكتوبر 08, 2008 1:42 pm  موضوع الرسالة:

ساجدة الروح
لساني نشيط
لساني نشيط

معلومات العضو






غير متصل

 


عبدون, شكرا اخ عبدون على اهتمامم
هل انت ايضا ستمتحن في هذا المقياس

_________________
مالي السعادة لا تريد زيارة الناس
ومال الضحك ينتقم من الوناس
فأصبحت فكرة بعد الضحك البكاء قاعدة وأساس
وهي عندنا حقيقة لا مجرد احساس

     

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة

رد مع اشارة الى الموضوع


 
نشرة ارسل: الخميس اكتوبر 09, 2008 4:10 am  موضوع الرسالة:

عبدون


معلومات العضو






غير متصل

 


اعتقد ذلك

أهديك هذه الرواية للمطالعة عسى أن تفيد في المراجعة والتحضير.





سُلَيمان حُسَين


الطريق إلى النّصّ

مقالات في الرّواية العربية





من منشورات اتحاد الكتاب العرب
1997

















تصميم الغلاف للفنان : جليدان الجاسم







إهــــــداء

إلى الجمال.. شغفي الدائب
ومسوّغ الوجود







المقدمة

يمكننا أن نقول بجرأةٍ ما: إنّ الرّواية العربية في مسيرتها الطويلة بلغت مرحلة جيّدة من الاستقرار والاستقلال عن التبعية المطلقة للفنّ الرّوائيّ في الغرب التبعية التي رافقتها منذ نشأتها حتى مرحلة متأخرة نسبياً من تاريخها الذي قارب قرناً ونصف قرن.
وهذا الاستقرار يمنحها قدرات إبداعية عليا سوغت انتماءها إلى الأدب بمعناه المصطلحيّ الدقيق، ويقوم الاستقلال بمنح الفن الرّوائيّ العربي خصوصيّة عربية ذات آفاق نفسية روحية حضارية وفكرية أيديولوجية وفنية وقومية مميزّة لما ندعوه "الرّواية العربية" ويمكننا أن نقول - وإن بجرأة أقل - إنّ الدّراسات الروائية أصبحت من حيث الكمّ والنوع والتعدد في مرحلة استقرار تخولها أن تؤسس لمفهومات نقدية أو لضوابط دراسية لمقاربة النصّ الروائي، لكنّ السّمة الثانية وهي سمة الاستقلال لم تتحقق بعد للنصّ النقدي الروائيّ العربيّ لأنّ جميع الدّراسات من (دراسات تطوّرية تصنيفيّة، ودراسات الشرح والعرض والتوضيح، والدّراسات النفسية (السيكولوجية) والدّراسات الأكثر أهمية والاجتماعية والسياسية والدّراسات الأكثر أهميّة والأكثر عمقاً ؛ الدّراسات النصيّة (البنيوية، الرّمزية، الأسلوبية)(2) ما زالت تستند إلى معايير نقدية مستوردة من الشرق أو مِنَ الغرب، وهذا ما يدعو إلى البحث عن خصوصية نقدية عربية أو معايير نقدية عربية تؤلف ضوابط ذات فحوى قومية عربية تُحققُ معنى أدبية الأدب بل قيم النقد، لذلك كان دأبُ فهمنا للدّراسة الرّوائية محاولة الاعتماد على الذّات في مقاربة النص، والبحث عن التنوع في التناول والاعتناء بالنص أولاً وقبل كل شيء، والاهتداء إلى المضمرات النصية بالصوى الإبداعية التي يحملها النص سواء أكانت خطابية أم فنية نصية.
تتنوع مقارباتنا التالية وفق إيحاءات النص ومضمراته وقدراته التخييلية ودرجة محاورته للواقع وخلق عوالمه الخطابية، وكذلك وفق مكوّناته الفنية وعناصره النصية، ولسنا ندعي هنا الإحاطة الدرسية أو الشمول ولكننا قُمنا بتخير بعض الظواهر الغالبة وظهرناها لتتوضح بسهولة أمام المتلقي.
وكان أول ما اهتممنا به واقعية المتخيل ونعني بهذين الحدين (الواقع والمتخيل) درجة تمازج الحديث الروائي(3) مع الواقع ونقله وموازاته ؛ لأن العمل الرّوائي موازاة فنية مبدعة لعالم الواقع، ونعني بالمتخيل العالم المفترض الذي يخلقه الكاتب ليوازي به عالم الواقع. وفي نوع آخر من المقاربة حاولنا إستشفاف الوحي المستقبلي الذي ينفتح عليه النص ويشي وبه إضافة إلى إيحاءاته حول الماضي الفائت والحاضر الراهن، وهذا التناول اقرب إلى الغرضية الأيديولوجية ونعترف هنا بالغرضية لضرورة أيديولوجية تتعلق بالقضية القومية العربية، قضية فلسطين والعلاقة بين ما هو صهيوني وبين ما هو عربي وفلسطيني على التخصيص. وتجاوزت بعض المقاربات الأبعاد الخطابية للنص لتدلف إلى البعد البنائي وتم اختيار بعض الصوى الرمزية والبحث في دلالاتها وفحواها ضمن البناء الكلي للنص وضمن المسار الكلي للأعمال التي ينجزها منتج واحد، وعرض تلك الدلالات نموذجاً يمثل تصورنا لمقاربة أحد مكونات النص وهو الرمز.
وتناولت مقاربة أخرى تجربة إبداعية مبتكرة وطريقة تمثل إنجازاً روائياً مشتركاً وبحثت في إمكانية نجاح هذه التجربة والبحث غير المجدي عن موقع كل من الروائيين في هذا العمل لنخلص في النهاية إلى نتيجة فحواها أن الإبداع الأدبي إبداع فردي صرف.
وفي محاولة ثانية للولوج إلى عالم النص وعناصره ومكوناته انتخبنا من بينها العنصر الأهم وهو اللغة الروائية وامتداداتها وإيحاءاتها وشعريتها وأداؤها على المستوى البلاغي وعلى المستوى الإبداعي وقد تم اختيار نموذج خاص يتميز بأدائه اللغوي وموضوعه المتناسب مع هذا الأداء.

أما المحاولة الختامية فكانت تطمح إلى البحث في المكونات الخطابية والنصية كافة أي أنها تنزع منزعاً شمولياً في البحث وهو تصورنا الأقرب إلى المطمح الأمثل لدراسة الحديث الروائي، فأول عنصر خطابي درس في هذه المحاولة هو المنزع الأيديولوجيّ للخطاب وهذا في عرفنا النقدي كما أسلفنا أهم تناول تؤديه الممارسة النقدية، وهو الغرض الأسمى لأي خطاب أدبيّ، والعنصر الخطابي الثاني هو التناول الاجتماعي والسياسي برصد المشاهد الاجتماعية والسياسية وعرض السلوكيات الاجتماعية والحكم عليها وفق سلم القيم الاجتماعية وفحص السائد الاجتماعي ومحاورته وتصنيفه قيمياً. وفي مجال آخر حاولنا رصد العلاقة بين التخيل والواقع وهذا عنصر خطابي جرت دراسته في مقاربتنا التي عنوناها بـ"صيادون في شارع ضيق : المتخيل والواقع" وهو عنصر خطابي مهم لأن المرجعية الرئيسية للخطاب الروائي هي الواقع بمفهومه العام، وقد طغى الواقع ليندغم بالمتخيل ويتسايران على مدى مسيرة الحدث ويتميز الواقع المتخيل في هذا العمل المدروس بقربه من الواقع الشعبي الذي يحاول رسم متخيله وفق تصور عجائبي وأحداث تحاكي أحداث القص الشعبي.
ثم تقوم المقاربة بانتقاء شخصيتين تقومان بحمل البناء الروائي. هاتان (الشخصيتان تشكلان القوام الروائي، وتقوم بدراستهما وفق مقياسين مهمين الأول : القدرة على الفعل والثاني القدرة على الانفعال، في بحث يعتمد التحليل السيكولوجي والاعتماد على صوى نفسية في تحديد الآفاق والنواظم والضوابط التي تحدد الشخصية.
وتحدد الدراسة الموقع السردي بل المواقع السردية للراوي مكانياً وزمانياً وفنياً. وتختتم المقاربة بالدراسة الأهم وهي الدراسة اللغوية، فاللغة في رؤيتنا هي الانبناء الأساس بل البناء الذي يمنح العمل الروائي قدراته الفنية البلاغية والإبداعية وتقوم دراسة هذا العنصر بتقصي البُنى اللغوية السائدة التي تحكم العمل وتسيطر عليه، وفي الختام لا بد من الاعتراف بأن هذه المقاربات ليست إلا اقتراحات أو محاولات لفهم القدرات الأدبية والمضمرات النصية والخطابية، وكان مطمحها الأسمى التنوع في التناول والمقاربة، إذ تتوخى أن تقترب من الدقة الدراسية والنقدية.

 هوامش المقدمة:

(1) يقصد بالمعنى "المصطلحي الدقيق للأدب " ذلك الأدب الرفيع الذي يرتقي عن الابتذال والعادية ويتسم بسمة العظمة التي تمنحه الخلود.
(2) ما يجمع بين المقاربات الدراسية: (الرمزية والأسلوبية، والبنيوية) أنها تتوجه في أول توجه لها إلى النص وحده وتحاول جاهدة أن تتحاشى الاهتمام بالمتعلقات الأخرى كالتاريخ والأديب والمجتمع.
(3) نستخدم مصطلح الحديث الروائي في دراستنا للدلالة على مُكوِّنيْ النوع الأدبي (الرّواية) الخطاب الذي نقصد به المكونات الأيديولوجية والفكرية والاجتماعية والتاريخية للرواية من لغة وسرد وحوار وتصوير وزمان ومكان وشخصيات وتناص...






قوة الواقع
فـي
مذكرات امرأة غير واقعية

إن المرجعية الرئيسية للخطاب الروائي خاصة وللخطاب الروائي عامة هي الواقع بمفهومه العام، وتتفاوت قوة هذا بين روائي وآخر وبين رواية وأخرى وفق رؤية الكاتب للعالم ونظرته إلى الإنسان وأخص الرواية بالذكر لأنّ إسهامها الخاص يقرن عادة بتطورها كشكل أدبي يهدف إلى وصف الحياة وصفاً صادقاً أو واقعياً، ومن المفترض تقليدياً بالروائي أن يكون أشد الناس اهتماماً بما هو واقعي، حتى وهو يستعمل الأسطورة أو الرمزية فإنه يوظف مثل هذه المحسنات ليوسع فهمنا للعالم"(1)
وفي تصوري أن الواقع عندما يفرض سلطته كمتكأ خطابي إنما يكون بعده الاجتماعي هو صاحب لهذه السلطة لأن " الأدب يمثل الحياة والحياة في أوسع مقاييسها حقيقة اجتماعية معينة لا يمكن أن تكون فردية صرفاً"(2)
تنتمي رواية" مذكرات امرأة غير واقعية "إلى ما اصطلح على تسميته (بالأدب النسوي) في مستويين: المستوى الأول الأقل عمقاً هو أن كاتبة الرواية امرأة، والمستوى الثاني الأعمق هو أن الخطاب الرئيسي في الرواية بحث إشكالية الواقع الاجتماعي للمرأة كموقع في المجتمع وموقع بشري، كقدرة إنسانية لها خصائصها وكعالم مستقل واسع له آفاقه ورؤاه.
إن حديثنا عن الإبداع النسوي، خال تماماً من الصفة الهجائية وهو مجرد تصنيف بحثي يعتمد طبيعة هذا الصنف الخطابي لأنه يتميز بخصوصية خطابية ونصية.

1- الواقع : قوة الحضور:
معنى الواقع في الرّواية:
تقوم الرواية بتوصيف الواقع بطريقتين : الطريقة الأولى التوصيف المباشر الذي جاء على لسان بطل الرّواية "الواقعية تعني الرضا بالواقع والتأقلم معه وفيه والانخراط في مسالكه لدرجة الاستشهاد في سبيله"(3)
والموقف من هذا الواقع الموصف هو الرفض الخاضع للمناقشة وليس الرفض التام، والطريقة الثانية : التوصيف الضمني من خلال عرض الحدث الواقعي وعرض المواقف النفسية المضادة له وأيضاً عرض الحدث النقيض، وهذا التوصيف هو الواقع الملخص في التوصيف الأول وهو ما سنقوم برصده وتحليله.
الواقع : حضور المجتمع:
آ - إشكالية وضع المرأة :
البعد الاجتماعي " تحقق الذات ومضادات التحقق " .
يجند الخطاب جميع قدراته ويسخر جميع المساحات الروائية للحديث حول الموضوع المحوري البؤري "وضع المرأة" في المجتمع، وقوة هذا المجتمع في الصراع بين المجتمع الذكوري والأنثى. وتتنوع الإشكالات المطروحة حول وضع المرأة المرأة بين انكسار الحلم ومعاناة الواقع ومأساويته وتظهر المرأة في في الوضع الاجتماعي جزءاً ملحقاً بالرجل، ولا إمكانية لوجودها أو تحقق هذا الوجود في بعده الإنساني إلا بوساطة الرجل" وأن الحقيقة ما يلي: ألا مكان للمرأة إلا بيئتها"(4)
هكذا تتكون هيكلية عالم الرواية الاجتماعية معتمدة هذه المقولة نقطة انطلاق ومحوراً أساسياً للبعد الاجتماعي في الرواية.
إن مقولات السائد الاجتماعي طاغية متكررة في الخطاب وأولى هذه المقولات :

1ً- الأنوثة المُصادرة:
تقترن هذه المسألة دائماً بالمباح الذكوري، فكل ما يباح للذكر يُصادر وتُمنع الأنثى منه، وتصور الرواية الذكورة (فعلاً) والأنوثة (قولاً) وهنا تظهر قوة الواقع على بطلة الرواية التي تقوم بهذه التصنيفات منساقة وراء تصنيف (السائد الاجتماعي)، ومع ذلك كله فإن الأنوثة التي توقفت عند السلوك القولي مصادرة وممنوعة: "كان يتلقى صدمات البيئة ويكظمها قولاً وينفس عنها فعلاً، فقد كان ذكراً وكنت أنثى ولهذا اختلفت ردّات فعلنا، فنفست بواسطة القول لا الفعل وبما أنّ القول ممنوع أيضاً، فقد اعتبرت متمردة عنيدة متحدية"(5)
2- القيم العشيرية (مجتمع الذكر)
تعاني المرأة في مجتمع العشيرة مجموعة من القيم تصادر عليها إنسانيتها وتزيحها إلى الوراء إلى مرتبة ثانية مهملة بعد الذكر ويُفضل الذكر وفق هذه القيم لأنه يحمل"قطعة لحم" تطلق نافورة ماء وتعتبر ماء الكولونيا "كولونيا يا بنات الكولونيا"(6) وتبقى رؤية العشيرة هي سيدة الفعل في المجتمع ويبقى قانون الخيمة والمضارب مسيطراً على ألفي سنة من تراكم الحضارة.
"تعرفين هذه الحكاية يا عفاف؟ امرأة غضبت من زوجها وعادت إلى خيمة والدها ورفضت كل وساطة، شيخ القبيلة أشار على والدها مشورة فنفذها: أمر النسوة أن يخلعن عن المرأة ثيابها وألا يبقين عليها إلا عباءة، ناداها حيث يجلس هو وشيخ القبيلة والزوج، وفجأة نزع الوالد عنها العباءة، فهرعت من توّها نحو زوجها وهي تستجير به: استرني يا مستور استرني"(7).
3- الرؤية البرجوازية:
دون إشكال يمكن أن نطرح انتماء هذه الشخصية إلى الطبقة البرجوازية، وإن كانت لديها بعض حالات التمرد؛ فهي لا تتعدى كونها حالة تمرد فردي أحادي الأفق، وتمرد مغامرات، وفي بعض جوانبها نجد لديها تعاطفاً مع الآخر الطبقي ولكن على هذا الآخر أن يستجدي تعاطفها حتى تحس به، وخير مثال قصتها مع (رغدة المعلاق) الفتاة المسكينة، وكذلك رؤيتها للمتزاحمين على حافلات (Cool النقل ويمكن رصد جميع ردود فعلها على مجموعة كثيرة من القضايا لكشف توجهها وإحساسها وانتمائها البرجوازي أمام هذه القيم ماذا يمكن أن تفرز الحالة الواعية، تتنوع عندها ردود الفعل وتتباين وفق خصوصية التجربة، لقد اكتفت بطلة الرواية برودود الفعل التالية:
أولاً : انكسار الحلم:
يسود الرواية تراوح بل انتقال بين طرفين وفي وجهة واحدة، الطرف الأول الحُلم والطرف الثاني الواقع الذي يعني الانكسار- الحلم - الانكسار (الواقع). إذ يتحول العالم الذي يصوغه الحلم من ارتباط وثيق وعلاقة شبق وشغف بالعالم إلى انفصال كلي عنه وتذوب جميع الصلات القديمة بين الذات والعالم:
"وماجت النخلة في عيني وانكسرت دموعاً، أحسست أني قطعة من ذاك الماضي وأن الماضي مازال حولي... وأظل أبكي ما حييت، لأني أحببت كثيراً، وضحكت كثيراً ولأني ظُلمت كثيراً وبكيت كثيراً ويئست كثيراً ولأنني عرفت أن الحياة ليست طفولة، وأن الطفولة حلم ووهم، وأنها مطعن واتهام"(9)
ثانياً:الاغتراب:
إن المقولات السابقة هي مقدمات طبيعية للوصول إلى حالة غربة، أولاً عن المجتمع بقيمه ورؤاه ومن ثم الوصول إلى الاغتراب الداخلي ونفي العالم كله وفصله والتعامل معه ومع مكوناته كحالة غير منتمية، وكمصدر للخوف والقتل والموت"ولهذا لم يعد سراً إن حاولت طوال عمري أن أخلق لنفسي واقعاً أكثر أمناً وسلاماً وجمالاً" (10) أين الطريق وكيف وأين أبدأ ؟ أنا.. وحيدة ضد العالم لا شيء معي، لا أحد.. ماذا أفعل؟ (11) " كل شيء غريب وكل شيء بعيد وأنا في الداخل دودة قز في شرنقة"(12).
ثالثاً: البعد السيكولوجيّ: يُشكل الاغتراب مقدمة لظهور أبعاد (فوق اجتماعية) أهمها البعد السيكولوجي في شكله غير السوي نظراً إلى خصوصية النموذج المدروس فالبطلة (رسامة) فنانة وهذا يجعلنا نتناول القضية من منظور خاصّ، فالعالم الداخلي عند البطلة دخل ضمن إطار وعيها فهي تعي ذاتها بالدرجة نفسها التي تعي فيها العالم الخارجي*** ولذلك ترصد عملية تحولها إلى نموذج سيكولوجي مرضيّ.«فماذا يتوقع العاقل أن يفعل زوج كهذا وعزلة كهذه وغربة كهذه في عقل إنسانة من لحم ودم؟ ولكنّني لم اكن أتوقع أن تقودني خيالاتي ويقودني إحباطي إلى هذا النوع من الجنون والسادية، صحيح أنّني لم أقم بذلك لم أخنه على طريقة عنبر**** ولم أشق بطنه كما أشق بطن السَّمكة ولم أذبح عنقه كما أذبح عنق الدّجاجة لكنّ المتعة التي أحسُّ بها وأنا أتصوّر تلك الخيالات هي دليل على استعداداتي الكامنة، وهذا يعني أن المزيد من الضغط والقليل من الحرص في ضبط الأعصاب سيؤدي بي إلى هذا الطريق وأصبح مجرمة »(13). تمارس البطلة هنا نوعاً من (الفيتشية)** الذهنية في خيالاتها للوصول إلى معادل نفسي يعيد التوازن إلى عالمها الداخلي بعد أن فقدته في عالم الواقع. وتمارس كذلك نوعاً جديداً من الفيتشية الاجتماعية بوعي دقيق منها، فهي تقوم بالانتماء إلى حياة الأُسر وإلى نظام المجتمع من خلال حبال الغسيل فقد أصبح رصد الغسيل ومراقبته عادة مستفحلة بدأت تعويضاً عن حاجتي إلى الناس ثم أصبحت إدماناً مرضياً يشبه مرض التلصص على حياة الناس من خلال ثقوب الأبواب، وقد كانت حبال الغسيل هي الثقوب التي أدخل منها إلى تلك البيوت وأحصيها وأعد افرادها وأصبحت مقتنعة بأنني مصابة بمرض نفسي، وأن حالة العزلة التي أعيشها هي السبب وأنّ المسبّب هو زوجي فزادت نقمتي عليه »(14).
المرأةُ القطةُ:
نتيجة للوضع الاجتماعيّ (الحصار) الّذي تعانيه المرأة فقد رأينا مجموعة من الخروقات السلبية أو الإيجابية لهذا الحصار، ولكنّ الخرق الحقيقي بل الإنهاء التام للحصار يمتد بعملية (تراسل وإسقاط) على مدى الرَّواية، عمليّة الإسقاط السيكولوجيّ التي تقوم بها البطلة على قطتها عنبر وهذا الإسقاط في أكثره يحمل بعداً جنسياً. تبدأ عملية التراسل بين الأنثى(الإنسان) والأنثى(الحيوان) بإسقاط الحسّ الجنسي على جزء من مكونات العالم، فقبل ذلك بقليل أسقط حِسُّ الأمومة( الجنس) على التفاحة ثم اهتدت الكاتبة إلى مُكوِّن أكثر مناسبة لترميز الجنس وهو القطة، فعملت على الموازاة بين المرأة وتحققها الرمزي وتحققها الذهني (القطة) وتعاني المرأة صراعاً داخلياً شديداً بين أن تبقى محافظة على ذاتها مع الاستمرار في معاناتها وأن تبحث عن حلول تتمثل في تنوع علاقتها بالرَّجُل إقتداءً بمرموزها القطة.
يبدأ الصراع شديداً لا ينتصر فيه أحد الطرفين في مستوى الواقع لكنّ المرأة القطة تنتصر ذهنياً وسيكولوجياً عن طريق الفيتشية التي تحدثنا عنها وتبقى هذه حالة الصراع حتى تصل إلى التدرج من الانتصار الذهني إلى تحقق الانتصار في الواقع وتنتصر في النهاية المرأة القطة على المرأة ويتحقق الانتصار في الفعل وتعود المرأة إلى حبيبها الأول قبل الزواج: «نخلة وراء الزجاج وأمام الزجاج قطة وأنا خلف القطة» (15) ما زالت المرأة هنا محبوسة في داخلها وبين عالم التحقق وبينها قطة وزجاج، الزجاج يشفّ عن رؤاها والقطة هي الوسيط التخييلي بينها وبين العالم المفارق لعالمها المعيش:
ألا أيها العمر هل من بديل، لزوج مقيت وكوم غسيل؟!»(16).
وبهذا يتبأرّ البحث عن بديل داخل الصراع.
إنّ النخلة التي وراء الزّجاج أفق البحث عن الخلاص بامتدادها وأستقامتها وترميزها الذّكوريّ وهي ليست وحدها الخلاص بل يجب أن يرافقها في بعدها الرّمزي قطّ أبيض الوجه أخضر العينيين ممشوق القوام لتصبح نخلة الارتقاء ويكتمل الرّمز الذّكوريّ.
«ومقابل نافذتها مباشرة نخلة انزرعت في وعيي وذاكرتي إلى مالانهاية، أهرب إليها بعينيّ كلّما اشتدت علىَّ وطأة التّهاوي فأتسلّقها وأمكث بين حبّات البلح أستقطر عطف النسائم وزرقة الفضاء. وهناك رأيته، قطّ أسود الجسم أبيض الوجه أخضر العنين ممشوق القوام. لأوّل وهلة، وحين تذكرت شباط أحسست بحفنة من مزيج ماء ورد ونبيذ تُرش في وجهي وتنساب إلى قلبي فعظامي »(17).تتَضّح هنا بقوة رمزية النخلة والقط؛ الرّمزية الجنسية والبحث عن الخلاص في الأفق البعيد.
وتتعمق العلاقة بين عنبر القطة وعفاف بطلة الرّواية ولننتبه إلى الاسم الذي يُحملَّ بترميز دلالته اللغوية( العفّة والعفاف) وتقترب المرأة من القطة ويصبح إسقاط الحالة علنياً في عالم الوعي ففي شباط بعد أن ترسل عفاف قطتها عنبر إلى الشارع لتكسر مرارة الحرمان مع القطط خارج البيت وبعد أن تبوء بالفشل تتذكر معايشتها لهذا الإحساس منذ تجمر أنوثتها:
«وباءت التجربة بالفشل، عادت عنبر، كانت قطة بيتية لم تعتد الخروج واللعب مع الأغراب، وابتسمت بمرارة وتذكرت تاريخي... كانت ما زالت تتلوى عند قدمي، حركاتها توحي إلىّ بَردَّاتِ فعلنا حين يحترق في يدنا إصبع، نظلّ نحرك اليد، نهزّها نهوّيها... ولا نهدأ، وكانت عنبر تلحس موضع الحرق ولا تهدأ وكدتُ أبكي فقد كنت أعرف بِمَ تحسُّ، كنت قد عايشت هذا الإحساس مذ تبرعمتْ فيَّ تلابيبُ الأنوثة »018).
إنّ القطة الرّمز عنبر لم تفارق الرّواية لحظة واحدة فهي في كل حدث وخاصة بعد نهايته «وذهبَ الحملُ وذهبت الأمومة وبقيت عنبر. ويشكل هذا الرمز كابوسية روحية تنتهي بانتصار تامّ للمرأة القطة وتستعيد عفاف ذاتها وذلك بعد الخروج من وراء الزجاج وسفرها إلى حبيبها.
الواقع - قوة الحضور:
ينحسر الخطاب السياسيّ عن متمّمه الاجتماعي في «مذكرات امرأة غير واقعية» ويكون حضوره طيفياً إذا ما قيس بالآخر ولا يُذكر إلا في خدمة الخطاب الاجتماعي حيث يستدعيه وتأتي الإشارة إلى الواقع السّياسيّ سريعه: «عبد الناصر يا عنبر كان إلها والقرآن كان مناشير ندسّها في الصّداري ونحن مختبئات خلف أغصان الكينا في ساحة المدرسة الثانوية»(20).
ويشكل السّياسيّ بُعداً سلبياً في علاقته بالاجتماعي «حتى هَمُّ فلسطين زهقتُه»(21) وهنا يتجلى البعد الانهزامي في شخصية البطلة وسيطرة الهم الشخصي على ذاتها حتى إلغاء الذات والآخر والكفر بكلّ القيم: «جعلتها تسهب في الاستشهاد بكل قصص الشعوب التي ثارت على أوضاعها وحملت السلاح وناضلت حتى الاستقلال : فيتنام وكوبا والهند والسند واليمن السعيد واليوم دور فلسطين فسألتها بعد لأي ومتى يجيء دور عفاف؟ قالت: عفاف هي جزء من ثورة المرأة الفلسطينية والثورة الفلسطينية هي جزء من الثورة العالمية ومن فوري أحسست بالشوق العظيم لزوجي وبكيت»(22)
- الواقع - قوة العقل:
يقوم الواقع الاجتماعي بالسيطرة الكاملة ومدّ سلطته على آفاق المرأة جميعها، هذا في طرف أوّل، وفي طرف ثان قام الواقع بقدرة فائقة على تحويل هذه المرأة من الحلم إلى الانكسار، من المرأة العفاف إلى القطة، من التمرد إلى اليأس والخضوع والخنوع ولكنّ الواقع السّياسي اعتبر قوة فعل مغفلة مسقطة من حسبان الفعل، مهمشة ومؤجلة.
إنّ الرواية حافلة بالمقولات الاجتماعية إذ لا يمكن تتبعها بشمول واستقصاء إلا ضمن دراسة مستفيضة، وهذه المقولات في أكثرها مقولات تقليدية تعزل فيها الكاتبة البعد الاجتماعي عن متمّماته الأخرى.
تشرين الأوّل 1991

 الهَوَامش :


1- نظرية الرواية، جون هالبرن: ترجمة محي الدين صبحي- وزارة الثقافة والإرشاد القوميّ دمشق 1981 ص 309.
* - هذا الكلام نسبي بين الروائيين والرّوايات.
2- نظرية الأدب- رينيه ويلك- اوستن وارن، ترجمة محي الدين صبحي مراجعة د.حسام الخطيب، وزارة الثقافة ص119.
3- مذكرات امرأة غير واقعية، سحر خليفة، دار الآداب بيروت الطبعة الأولى 1986ص65
4- نفسه ص 47.
5- نفسه ص 27.
** نفسه ص 20
6- نفسه ص20
7- نفسه ص17.
8- نفسه ص 40.
9- نفسه ص28- و29.
***المواقف التي تشير إلى ذلك كثيرة في الرّواية يمكن مراجعة ص 36.
10- نفسه ص 34.
****عنبر قطة البطلة (وهي قِصتها أيضاً ترميزياً).
11- نفسه ص 140.
12- نفسه ص41.
13- نفسه ص 36.
14- نفسه ص 60.
15- نفسه ص 20
16- نفسه ص 21
17- نفسه ص 26
18- نفسه ص 31
19- نفسه ص33
20- نفسه ص 49
21- نفسه ص 95
22- نفسه ص 61.







مؤلفات الرّوائية- سحر خليفة

1- باب السَّاحة : رواية، دار الآداب بيروت 1990.
2- الصبّار : رواية، دار ابن رشد ص (2) 1978.
3- عباد الشّمس : رواية دار الجليل، دمشق، ط3 1984.
4- لم نعد جواري لكم: رواية، دار الآداب، بيروت 1988.
5- مذكّرات امرأة غير واقعية: رواية، دار الآداب بيروت 1986.







إلى الجحيم أَيُّها الليلك
انفتاحات النص
الفائت - الراهن- المستقبل

ترتبط الأيديولوجيا بالنّصّ الرّوائي ارتباطاً وثيقاً تمازجياً ووظيفياً، تكون فيه العلاقة الوظيفية متبادلة، يقوم فيها النّصّ بأداء الدّور الوظيفي عندما تكون المرامي أيديولوجية وتمثل الأيديولوجيا الدّور ذاته عندما يقوم منتج النّص ببنائه على مرجعيّات أيديولوجية صرف.
ويُعدّ المجتمع - وهو عنصر مهم ومكوّن من عناصر الواقع- المرجع الرئيسيّ للخطاب الرّوائيْ، يتحوّل فيه الأدب إلى كائن اجتماعي فور إنجازه، لينتمي إلى الحركة الاجتماعية، يؤثر فيها، لأنه متعلق بمنتجه، والأدب يهتم بالواقعيّ على اختلاف مفاهيمه، «وأخصّ الرّواية بالذّكر لأنّ إسهامها الخاص يُقرنُ عادة بتطورها كشكل أدبي يَهدف إلى وصف الحياة وصفاً صادقاً أو واقعياً. ومن المُفتَرضَ تقليدياً بالرّوائي أن يكون أشدّ الناس اهتماماً بما هو واقعي، حتى وهو يستعمل الأسطورة أو الرّمزية، فإنه يُوظف مثل هذه المحسنات ليوسع من فهمنا للعالم»(1)
بتصور أوّلي يمكن أن نستنتج أن الأدب وُجد ونشأ لأداء وظيفة «اجتماعية أو فائدة لا يمكن أن تكون فردية صرفاً» (2) هذه الوظيفة نمت وتحددت مع تنامي الخبرة الأدبية وتراكم وعيها، وهي في أساسها تنزع إلى مقاربة للواقع أو مقاربة صحيحة للواقع أو مقاربة تصحيحية له، ولا يخلو الأمر من إضافة العوالم المناسبة للحلم الإبداعي لأنّ «واقعية عمل تخييليّ، ونعني بها إيهامه لنا بالواقعية، وكذلك تأثيره في القارئ بوصفه مطالعة مقنعة في شؤون الحياة- ليست بالضرورة ولا بالأولية، واقعية ظرف من الظروف أو تفصيل من تفصيلات الحياة أو روتين شائع مبتذل»(3)
إِنَّ إعادة قراءة نصّ أدبيّ محموله أيديولوجيّ تعني إعادة فتح النّصّ على مرجعياته الواقعية والتخييلية، وتعني أيضاً الكشف عن مضمراته النّصّية، فتكون المرجعية الواقعية للنصّ هي الفائت (الماضي) والمرجعية التخييلية هي (راهن) النّصّ عند إنجازه، وعند انفتاحه على كلّ قراءة،سواء أكانت مقاربة نقدية أم قراءة متعة وتذوق، وفي كلتا الحالتين يمتد أفق النّصّ إلى خطاب ثالث ندعوه خطاب المستقبل إضافة إلى انفتاحه على الفائت والرّاهن، ويكون هذا الخطاب مبنياً على الرمي إلى العالم الغائب في الواقع كما في النّصّ ويوصف هذا المضمر (بالمعنى الحقيقي) بأنّه الوضع التّنّبؤي للخطاب وهو دائماً يهبه فحوى تميزّه وارتقائه فوق مستويات الخطابات الأخرى.
تحدثت في مفتتح هذا المقال عن اجتماعية الأدب وواقعيته ومرجعيته التاريخية والكونية والثقافية والنفسية، والفنية، وعن وثائقيته وعلاقته كمنتج إنسانيّ بالمبدع والعالم واللغة وتحدثت في سياق ذلك عن خصوصية الرّواية النوع الأدبي الأقدر في التعامل مع جميع هذه المضمرات وفي مجادلتها لاحتوائها في سياق مبدع هو النص، ولكن هذا الحديث كان تناول النصّ الروائي نصاً منجزاً ومنفتحاً على العالم (الواقع الفائت) ومنفتحاً على العملية النقدية أو على عملية المقاربة في علاقتها المنضبطة بهذا الفائت، ومتكئاً على واقع منجز فائت أيضاً أو متخيّل منجز، أقصى إنفتاحه هو تراسله بين راهن النصّ وراهن المتخيل وقد أغفلنا بذلك مرامي أخرى للنصّ وتجاوزنا بذلك بعض الامتدادات الدلالية لآفاقه، واكتفينا برؤيته نصاً منغلقاً على راهنه وراهن متخيله.
في المقاربة التالية للخطاب المحمول في نصّ سميح القاسم" إلى الجحيم أيُّها الليلك" سنتعدى جميع المضمرات الأيديولوجية المنقضية إلى رؤية النصّ في حالة تكوّن مستمرّ، يعطي فرضيات جديدة لبناء عالم مستقبلي، منفتحاً على راهنه المتخيل الذي يشكل المرجعية الواقعية له، وأخيراً على مستقبله الذي يشكل واقعه التنبؤيّ لأنّ النصّ مزود بخصوصية نصيّة شعرية ترميزيه انتحت به منحى التنبُّؤ والاستشراف.
أولاً- الانفتاح على الواقع:
الواقع الرئيسي الذي يبئره الخطاب واقع تاريخي يرصد آفاقاً متعددة أولها الأفق السّياسي وبالأخصّ الأفق السّلبيّ لحرب عام 1948. وثانيها الأفق الحضاريّ ببعديه الاجتماعي والتطوّري والأفق الثالث ينزع منزعاً كونيا عبر التساؤل الغيبيّ عن مجريات العالم وعبر البحث عن إجابات عن هذه التساؤلات، لكن الشرط النفسيّ والرّوحي لهذا التساؤل لا يكتفي بانتظار الإجابة وإنما يحسم الأمر لصالح تمرده على الإجابة ومصدرها ويحل محلّ الحلول الغيبيّة قدرة الإنسان وقوة الواقع أي أنّه يُلقي علاقته بالغيب ويكرٍّس علاقة روحية تكتفي باقتيات ذاتها وذلك مصدر قلقها الرئيسي، وهذا لا ينفصل عن الأفق الذي كان تمهيداً كمقدمة للنتيجة، فالأفق الأوّل يرصد بحسّ إنسانيّ فجائعيّ العجز العربيّ عن الفعل ويُظهر جيش الانقاذ العربي الذي أرسل عام 1948 لإنقاذ الفلسطينيين حكاية أسطورية مبتذلة وألهية صبيانية، إذ تحوّل الجيش العربي إلى أكداس من الجنود تتخذ من المدارس ثكنات لها، هذا إذا لم تتكدّس داخل سيّاراتها عائدة نحو الشمال "المدارس مسكونة بالجنود اسمهم جيش الإنقاذ" جاؤوا ليُقذونا من اليهود هكذا قال لنا الناسُ الكبار، ويعمق الخطاب مأساوية الوضع العربي ووضع جيش الإنقاذ، إذ ينفتح النصّ نفسياً على الهاوية المكوّن الرئيسيّ للواقع " جموع من النازحين تتدفق على الرامة من الشرق والغرب والجنوب.... جداول آدمية باهته تصبّ في هذه البحيرة الراكدة... نحو الشمال نهراً بشرياً داكناً يلهث يعوي وينتحب..."ص40 وتظهر واقعية القدرة العاجزة للتكوين العربي البنائي من خلال ما يعرضه الخطابٍ أفرغتم أمشاط رصاصكم القليلة وعدتم قطيعاً مذعوراً إلى البركة الراكدة... كان ذلك نهاراً رائعاً، الشمس فاترة، العشب متألق، الضباط يهربون إلى الشمال مسترخين على مقاعد سياراتهم المهيبة الجنود مكدّسون في الشاحنات... مساكين هؤلاء الجنود، جاؤوا ليدافعوا عنا فلماذا حوّلوهم إلى مجرد خيارات مكبوسة في سيّارة هاربة إلى الشمال... بعض الخيارات لم تجد لها مكاناً في الشاحنة فراحت تهرول متخففة من السلاح والأوسمة والشارات، والماء المنسكب من المطرات المفتوحة يطرطش بناطيل الكاكي..."ص 42.
يعدّ هذا التصوير تمهيداً استراتيجياً لعرض فرضيات الرّواية وهي الفرضيات التي ينفتح بها النص انفتاحاً مشتركاً وليس ذلك وحده ما أحضره الخطاب من عمق التاريخ لاستنطاقه وتعريته منطقياً وشعورياً وعرضه على منطق التاريخ وجد له لفحصه والحكم عليه.
إنّ الخطاب يدين منطق الواقع (التاريخ) الذي لا يتحرك وفق سيرورته الحرّة وإنّما يخضع لتدخلات خارجية ناظمها سيطرة الشرّ على العالم: "سام أو حام أو يافث هذه الأمور الإتنولوجية لا تعنيني كثيراً...المهمّ أنني فقدت وطناً كاملاً وحقيقياً بترابه وصخوره وأشجاره ودكاكينه... لم يذهب الوطن إلى كوكب آخر... إنّه على الأرض وتعرفون أنتم موقعه.... تعرفون جيداً وطني الذي ضاع بلا أي منطق في زمن من المفروض أن ينتصر فيه المنطق" ص14 هذا هو التساؤل الذي يطرحه الخطاب على العالم، على الحضارة، وهو سؤال يمكن أن ندعوه السؤال الحضاري الفلسطيني والصراخ في وجه التاريخ الذي لا يسير وفق حتميته المفترضة، فكثير من أدباء القضية، سواء منهم الفلسطيني المنتمي أو المنتمي الفلسطيني، طرح مثل هذا التساؤل، ولم يكتف الخطاب بإلقاء السؤال في وجه التاريخ بل أرفقه بالتساؤل الكوني الذي يطرح أيضاً في وجه الغيب الذي يفترض أنه يمتلك الحب ويفترض أن يكون المتضامن بل الفاعل الذي يمثل الخير في الكون ضد الشرّ، وعند ما تسقط جميع هذه المطروحات وينقشع وهم الغيب ويظهر الإنسان وحيداً في عالم يحاول اقتناصه في مناخ من المذابح والقتل الجماعي وانعدام المنطق وانتفاء العزاء وإحساس بالاغتراب، عندها ينتفي ذلك العزاء المصطنع (وهم الخلاص بالغيب). إن الفعل هو محك الغيب المطروح مخلصاً ونصيراً ومنظماً للكون: "الله معنا، الله معنا لماذا إذن يرضى الهكم هذا بأن تهدم الطيارة بيت دنيا؟ لماذا يأخذها منى؟ لماذا يجعلها لاجئة هي وأهلها وكلبتهم وحمارهم الرمادي ؟ بماذا أغضبوا الله... اصبح الله شيئاً لا يذكر أمام ذلك الرجل الذي اندفع ببندقيته وقميصه الأبيض... اندفع إلى جهنم المعركة، وعاد منها بعين واحدة تاركاً عينه الأخرى زنبقة في التراب الدمويّ، تاركاً الأخرى كاميرا تصور للتاريخ تسلسل أحداث المأساة" ص 11و12 ولا يكتفي الخطاب في انفتاحه على الواقع بتصوير الذات في علاقتها بالعالم وفي رؤيتها لعالمها الدّاخلي. ولكنه يصور الآخر العدوّ في صورة تساؤل طفلي بريء : "من هم اليهود يا جدي ؟ - هم ناس شريرون يريدون قتلنا واحتلال أرضنا.. لماذا هم شريرون يا جدي- ؟ لأنهم لا يحبون الناس والله لا يحبهم" ص92، إنّ هذا التوصيف يأتي في افتتاحية الخطاب لأنها صورة إستراتيجية سيجعلها ارتكازاً في انفتاحه القادم على المستقل.
الانفتاح على الراهن:
في ضوء ما بيناه من تفريق بين راهن الواقع ومستقبل الواقع ومستقبل النصّ فإننا نجد أن انفتاح النصّ على راهنه وراهن الواقع مستغرق في الانفتاحات الأخرى كالانفتاح على الواقع وقد جرت دراسته سابقاً - وكالانفتاح على المستقبل سنقوم بقراءته لاحقاً.
3- الانفتاح على المستقبل:
يتركز تميز الخطاب الذي حملته رواية "إلى الجحيم أَيُّها الليلك" في قدرته الفائقة على الرمي إلى المستقبل ومدّ (الهدف) إلى ما بعد (عالم النصّ) أو ما يُمكن أن نسميه راهن النصّ فالمتخيل لم يتوقف عند راهنه وإنما تجاوزه إلى مستقبلين أحدهما المستقبل التقليدي "الحتمي" للخط الزمني لأي خطاب وهو"فائت" (راهن مستقبل، والآخر مستقبل تنبُّئيُّ يشي بمعرفة العالم المقبل ولكن ليس بالمعنى التنجيميّ:
1- المستقبل الأوّل:
الفرضية التي يُقدمها النصّ هي إمكانية قيام علاقة نوع ما بين ما هو عربي وما هو صهيوني، ويقوم الخطاب بمحاولة طرح جميع إمكانيات هذا اللقاء وفحصها في ضوء منطق التاريخ وفي ضوء الحتميات الحضارية في أكثر أبعادها قابلية (القضايا الإنسانية) ويختار أيضاً من القضايا الإنسانية الجانب الأكثر قابلية على الإطلاق الجانب العاطفي (علاقة الرجل بالمرأة) بالذات، ولكنّ هذه الفرضية في النّهاية تحمل نفيها في ذاتها وتظهر في النصّ ضرباً من المحال، إنها كخطوط التوازي التي لا يمكن أن تلتقي إلا خارج منطق الحقيقة والتاريخ ومنطق التطور الحقيقي و الحتمي للتاريخ، وخارج منطق العالم والمنطق البشري الاختياريّ، إنّها النقطة المستحيلة. "إنّ العدوّين المتجابهين هنا هما من العرب واليهود، هذا ما يبدو لك على السطح، لكن الجبهة أعمق بكثير وأكثر تعقيداً أو تركيباً، هنا يدور القتال الحقيقي بين الليل والنهار... بين عناصر الزمن ومكوّناته المتناقضة، بين الخير الذي في الإنسان والشرّ الذي فيه، بين البناء والهدم والحب والكراهية"ص 91و92.
يعرض الخطاب مشاهد المواجهة بين الفلسطيني والصهيوني براهين نفي ودحض لإمكانية اللقاء فليس هناك سوى واحد من الطرفين يمكن أن يكون، فعلى أحدهما أن ينفي الآخر.
- المشهد الأوّل ؛ الفرضية:
يقدّم النصّ محاولة إقامة علاقة بين بطل الرواية والمرأة الصهيونية إيلانة التي قتل حبيبها أودي في الحرب التي اشترك بها عدواً لبطل الرواية في مواجهة ترميزية قدمها الكاتب ضمن شكل نصيّ متداخل سيطر عليه الحلم والرمز:" لديّ كلام كثير أقوله لها. أحسّ بمسؤولية خاصة تجاه إيلانة. لقد فرضت علىّ وشغلتني بها رغم انشغالي الجارح بحبيبتي اللاجئة دنيا، حضور إيلانة حَكَمَ على دنيا بالغياب" ص69، وتجري مناقشة هذا اللقاء من منظور انساني معزول عن ظروفه الخارجية وعن مكملاته وسياقاته فيظهر الكاتب الطرفين ضحية ولكن هذه الفرضية الثانية أيضاً لا تستمر فتنقض في النهاية: "تراها تتهمني بقتل أودي؟ أنا لم أقتل أودي نحن قُتلنا معاً برصاصة واحدة، لم تكن تلك الرصاصة من هنا كانت رصاصة قراصنة العصر ولصوص العالم القديم، أعداء الإنسان ورسل الهمجية. نحن العرب لم نقتل أودي... رصاصة حملها أودي عبر البحار قتلتنا معاً، أو هموا أودي أنه لا يمكن أن يعيش إلا بموتي، فما هو قبل أن يستوعب استحالة موتي"ص69 إذن فالعلاقة الفرضية تحمل نفيها في ذاتها وهي بمجرد فرضها تعد تمهيداً لتفجير المواجهة مرة أخرى.
المشهد الثاني: الاكتشاف (الانشقاق)
بعد الفرضية التي مهدت لهذا الاكتشاف الذي يعد البرهان الأول على نقض الفرض يقوم العمل الرّوائي بتظهير الصورة ومحاولة الكشف عن مكوناتها وعناصرها، وفصل هذه المكونات المتداخلة بفعل الواقع القسريّ، ظهر ذلك في أكثر من مكان في الرّواية حيث حدثت تداخلات كثيرة قام بها الليلك (اللون الرّمز الجنسي) بين سمير الفلسطيني وإيلانة الصهيونية ضمن مخطط قصدي ومرة أخرى بين أودي الصهيوني ودنيا الفلسطينية ضمن تصور حلمي رمزي فكل من الأربعة يخدعه الليلك الجنس ويجعله يرى في عدوّه حبيبه ولكن الليلك ينقشع في النهاية ويتبدد برصاص الصهاينة: "أسابيع عديدة ضاعت هباء ونحن نحاول اللقاء، إيلانة في السابعة وأنا في السابعة غير أن ساعات عديدة كأنها قرون بكاملها ظلت تفصل بيننا. ظلت الساعة السابعة موعداً مستحيلاً .في الساعة السابعة يضمحل لون ساعتي، تضمحل أرقامها يضمحل مؤشراها على ظاهر يدي الأيسر يتموّج ليلك سادي... ص75 هذا هو الفشل على المستوى الأول مستوى اللقاء بين سمير وإيلانة عند نقطة المستحيل. ويكون الفشل على المستوى الثاني ذريعاً ويتحقق الانشقاق ويتمظهر العالم وتتمظهر الحقيقة: "واندفع أودي نحو إيلانة ليضمها بكل قوته حتى تفيق إيلانة من غيبوبتها حتى تخرج إيلانة من دنيا حتى تنفصل عن قميصها هذا الغريب.... زخات رصاص تنصب من بنادق المحتلين تنصب على الشبحين الرّاكضيْن.. أصابع أودي تكاد تلمس أصابع إيلانة.. يدا دنيا تبحثان عن يدي سمير... أين أنت أيّتها النقطة المستحيلة... تنهار الأعمدة، تنهار الأشجار، تنهار الجدران وتسقط الجثتان "ص95،96.
المشهد الثالِثُ: المواجهة (القيامة)
عندما يفقد الزمن لونه ويسيطر عليه الشر لا بد من البحث عن وسيلة لترويضه وإعادته مرة أخرى إلى سيرورته وإعادة البريق إلى روحه، عندما يتجلى وعي الفاصل التاريخي ذلك الركام من الزمن ومن التنافر ومن تصاد الصّيغ والتكوينات،فلا بدّ من المواجهة (القيامة) :"ذات يوم التقيت بأودي، كان ذلك شمالي البحر الميت بعد اشتباك عنيف أصبت بجراح بالغة فزحفت إلى ظل شجرة بينما أنا منهمك بدمي خشخشت عيدان القصب القريبة، وإذا بأودي يزحف نحو ظلّ شجرتي النادرة والدّم يتدفق من ثقوب جسده، طلب ماءً فأعطيته...حدثني عن هتلر فحدثته عن هتلر وموسوليني ودير ياسين ثم سألته بأدب جمّ: هل أستطيع أن أعلم لماذا أطلقت عليَّ الرّصاص ؟ قال:لأني أكرهك ‍!قلت : لماذا تكرهني؟ قال: لأنك تكرهني لأنني أحبُّ إيلانة، قلت: أنا لا أعرف إيلانة أعرف دنيا وأحبها... فلماذا لا ترى أيها الفتى المسكين أنني أملك المبررات للدفاع عن حبي وأنك لا تملك المبررات للدفاع عن كراهيتك، صاح ساخراً دنيا هذه التي تتحدث عنها لا وجود لها البتة، الحقيقة الوحيدة هنا إيلانة"ص 70- 71.
المشهد الأخير؛ ما بعد القيامة:
فمن الذي سيكسب هذا الحوار في النهاية؟ التاريخ الذي لا يمكن أن يُفسر في سيرورته الطبيعية بتدخلات همجية من الخارج هو الذي يجيب عن هذا السؤال، فمن كان في البدء سيبقى إلى الأبد ,"في البدء كانت دنيا وستبقى دنيا إلى الأبد" ص73.
ومن الذي سينهزم فليرفع الصهاينة أعلامهم الأعلام المستحيلة للنصر المستحيل فوق القمَّة المستحيلة في النقطة المستحيلة"ص74.
المستقبل الثاني: (الهاوية):
المستقبل الثاني الذي رمى إليه الخطاب، (وهو مستقبل استنتاجي نسبي) يوصف فيه الحدث السلبي التراجعي في مسيرة الصراع بل في المسيرة الحضارية العربية وفي مسيرة منطق التاريخ النكسة التي نعايشها الآن فكان الخطاب بامتداداته وانفتاحاته كان شاهد الماضي على المستقبل، وقام بوضع مناقشة للحدث قبل قيامه وأصدر حكمه النهائي بسقوط المستقبل في الهاوية.
4- ترميزات الخطاب:
إنّ أحد تجليات الخطاب الرئيسية فنياً التجلي الرّمزيّ ويقوم النص على مجموعة رموز أهمها ترميز الليلك، الرمز الجنسي، وترميز الفصول، ونستطيع أن نقول: إن جميع تجليات الخطاب الأخرى كانت تعتمد الرمز في عرض دلالاتها وكان النص الرّمزي بكل وحداته الرّمزية (سواء منها ما كان في أدنى الوحدات النحوية وما كان في أعلاها) غنياً بالحالة الشعورية والمنطقية العاطفية.
قسم النص بنياته الدالة إلى مجموعة بنيات عنونها بعناوين ذات دلالات خطابية متوازية مع دلالات الخطاب الرئيسية وكانت العناوين ذات أبعاد كونية، تنزع إلى الرموز العليا الغيبية. ففي البداية نجد الانشقاق عنواناً لفصل الافتتاح وهو مرتكز للوصول إلى الفصل الأخير الذي كان القيامة. تلخص هذه العناوين سيرورة الفعل الرمزي الذي يرمي إليه الخطاب وهو الانشقاق الحقيقي بين العرب والصهاينة والوصول إلى القيامة في هذه العلاقة إذ لا يمكن أن يقوم الليلك الرّمز الضبابي بالجمع بين العرب والصهاينة، ويبدو أن الخطاب استفاد في هذه العناوين من الرّموز الدينية ووظفها بنجاح ضمن سلسلة بل ضمن خط بياني تطوري ابتدأ بالانشقاق الذي لم يسبقه اتصال في الأصل وانتهى بالقيامة، وقد قام الليلك كرمز بمحاولة التوسط في هذا الانشقاق وإعادة المنشقات غير المتجانسة إلى التآلف ولكن القيامة تعلن ضدّ الليلك وهنا يعلن الخطابُ انتصار الفلسطيني على ذاته عندما يضبط الليلك في لحظة وضوح ويرسله إلى الجحيم.
*- إلى الجحيم أيُّها الليلك: رواية اوتوبيوغرافية للشاعر العربي الفلسطيني سميح القاسم. دار ابن رشد سلسلة "من أدب الأرض المحتلة.
تشرين الثاني 1991.



مؤلفات الشاعر سميح القاسم:


1- أحبّك كما يشتهي الموت، دار الفارابي، بيروت ط(1)1980.
2- أضواء على الفكر الصهيوني، دار القدس، بيروت 1978.
3- إلى الجحيم أيّها الليلك، دار ابن رشد، بيروت 1978.
4- الجانب المعتم من التفاحة، الجانب المضيء من القلب، دار الفارابي، بيروت ص(1)1981.
5- جهات الروح، دار الحوار، اللاذقية، الاتحاد العام. للكتاب والصحفيين الفلسطينيين ط(2) 1984.
6- دمي على كفي، دار العودة، بيروت، ط (2)1970.
7- الرسائل بالمشاركة مع محمود درويش، دار العودة بيروت 1990.
8- السربيّات، دار الهادى، كفر قرع 1991.
9- سقوط الأقنعة دار الآداب بيروت 1969 (1).
10- شخص غير مرغوب فيه، دار الجليل، عمان ص (1) 1986.
11- الصورة الأخيرة في الألبوم، دار ابن خلدون بيروت. مكتبة ميسلون دمشق ط(1) 1980.
12- عن الموقف والفنّ؛ دار العودة بيروت 1970.
13- في سربية الصحراء، دار الجليل، عمان 1985.
14- القصائد، دار الهدى كفر قرع 1991.
15- كولاج، دار الحوار، اللاذقية ط(2)1984.
16- لا استأذن أحداً، دار الرّيس للكتب والنشر 1988.
17- مداخلات، دار الهدى، كفر قرع 1991.
18- مراثي سميح القاسم، دار الآداب بيروت 1973.
19- السرج والحكاية، دار الهدى، كفر قرع 1991.
20- الموت الكبير، دار الآداب بيروت ط (1) 1972.
21- صدرت أعماله الكاملة عن دار الجيل ودار الهدى في بيروت 1992.






ترميز الدلالة في خطاب جبر إبراهيم جبراً
الروائي
نموذج الصَّخر والماء

ما يُميّز النصّ الروائي الذي ينتجه جبرا إبراهيم جبرا القُدرات الإبداعية المتعددة، وأهمّها القدرة الشعرية للأداء الرّوائيّ، والقُدرة البلاغية التي يحَمّلها لِلُّغةِ، إذ تجافي اللغة الأداء السرديّ التقليديّ وتتجاوزه رامية إلى دلالات بلاغية جماليّة ذات منزع شعريّ صرف، وربّما يكون مردْ ذلك إلى التنوّع الإبداعي والمساحة الثقافية والفنيّة الواسعة التي يتحرك عليه جبرا إبراهيم جبرا فهو أولاً من النقاد العرب الذين كان لهم الأثر الكبير في تطور الحركة النقدية العربية الحديثة، وهو كذلك فيما يتعلق بالترجمة فقد قام بترجمة روائع شكسبير بروائع لا تقل قدراتها الإبداعية اللغوية عن الأصل الشكسبيريّ، يضاف إلى ذلك أنه فنان تشكيلي وقد كتب كماً نقدياً لا بأس به في نقد الأعمال التشكيلية لبعض الفنانين العرب، والعراقيين بخاصة لأنه عاش الجزء الأكبر من حياته في العراق، ويعد جبرا إبراهيم جبرا من الروائيين العرب الكبار الذين اسهموا إسهاماً كبيراً في إرساء أسس الفن الروائي بعد إسهامهم في تطويره وإنمائه ويمكن أن نشير أيضاً إلى أن جبرا أنجز في حياته ثلاثة دواوين شعرية نحى فيها المنُحى النثريّ للقصيدة لكنّ هذه التجربة الشعرية كما يبدو لم يكن لها القدرة الإبداعية التي توفرت للأنواع الأدبية الأخرى التي أنجزها جبرا وأنه انتبه إلى ذلك فأوقف إنجازاته الشعرية، وللكاتب مجموعة قصصية واحدة لا ترقى أيضاً إلى مستواه الإبداعي في الأنواع الأخرى وهذا الغنى الإبداعي المتنوع جعل للكاتب خصوصيته الإبداعية في إنجاز النصوص.
ليس هدفنا هنا أن ندرس الرمز والترميز دراسة نظرية أو أن نحدد مفاهيم خاصة للرّمز أو الرّمزية وإنما الهدف أن نعرض قراءتنا لمجموعة من الدلالات التي انزاحت بمدلولها أو تخطت هذا المدلول إلى مساحات تعبيرية إضافية لا تستطيع اللغة الإشارية الخام الامتداد إليها.
أنشأ أكثر النقاد نصوصهم النقدية التي نصت على استكشاف الرّمز، على النص الشعريّ لأنّ استكشافه (بكل مفهوماته) رافق حركة النص النقديّ الشعريّ وتطور بتطوره، ومازال النصّ النقديّ الرّوائي العربي في أكثر توجهاته يعتمد المقولات النقدية الشعرية، لأن نظرية الرّواية العربية ما زالت أيضاً في طور التساؤل والبحث عن الأقانيم العامة والنواظم. وليس النصّ النقديّ العربيّ وحده الذي طرحت حوله مثل هذه الإشكالية، بل قام النقد الغربي بطرح هذا التساؤل على حركة النقد الأوروبية، وقد أشار إليه ميخائيل باختين في كتابه"الخطاب الرّوائي" وربما يكون الهدف الأول لوضع كتابه محاولة الإجابة عن هذا السؤال.
في محاولتنا هذه لمحاورة النص ومقاربته سنقوم بقراءة دلالتين رمزيتين في خطاب جبرا إبراهيم جبرا الروائي "الصخر والماء" وطبيعي أن الماء يستدعي البحر كدلالة رمزية خاصة لها أبعادها ومدلولاتها وظهر هذا الثالوث الرمزي (الصخر، الماء، البحر) بوضوح في روايتي جبرا "السفينة" و" البحث عن وليد مسعود" وظهوره متعدد الدلالة لذلك سيتم عرضه وفق ترتيب يكاد يكون تطوريا يخضع لنظام ما، نسبياً.
الــصـخـرة
أ - في السفينة:
1) القدس أجمل مدينة في الدنيا على الإطلاق... ارتقيتُ كل ما فيها من تلال وهبطت كل ما فيها من بين بيوت من حجر أبيض وحجر وردي وحجر أحمر، بيوت كالقلاع تعلو وتنخفض... كأنها جواهر منثورة على ثوب الله"(1).
2) "أولعنا بقرية عين كارم، لأنها تجمع بين الصخر والشجر والماء، وربما لأنها مسقط رأس المعمدان"(2)
3) الصخور امرأة رائعة، ترتفع وتنخفض ارتفاع وانخفاض البطن والنهدين"(3)


في المعادلة الأولى تكون الصخرة ذات مظهر جمالي مكمل فني للوحة في حلم الكاتب يظهر فيها التمازج بين الأرض (الصخر) والسماء، إذ تستدعي الصخور الملونة صورة الإله بأبهى ما يُمكن، وقد رصع ثوبه بجواهره الصخور.
ويتجلى في المعادلة الثانية ارتباط وثيق بين الصخر "ماء المعمودية المحمول النفسي الخبري الذي يعود في جذوره إلى البئر الأولى" التي سقى جبرا منها "ينابيع رؤياه" ينابيع عالمه النفسي أولاً والروائي ثانياً.
ولكي يتم جبرا هذا العالم الموحّد في ذات بطل السفينة قام بإسباغ الأنوثة على الصخر". في المعادلة الثالثة تظهر الصلة الواقعية بين الجسد والصخر من ناحية الملمس؛ ففي الماء يكون ملمس الصخرة الناعم ملمساً أنثوياً خاصة إذا كانت هذه الصخور بيضاء، ومن الملاحظ أن عالم الإبداع لدى الكاتب، لا تتم مصادره إلا بهذا الرمز من خلال تجليات مادية في الجسد لعالم الروح، وعلى هيئة حوريات أسطورية تنبجس الصخور من الماء لتكون أنثى، إن المعهود أن الماء عندما يريد أن يحقق المعجزة ينبجس من الصخر، ولكنّ المعجزة هنا تأتي من قلب المقولة السابقة، وذلك كي يحقق النصّ لذة التضاد التي يسعى إليها الكاتب دائماً.
وتتكرر وتتنوع هذه الدلالات في خطاب جبرا لأنها تشكل بنية خطابية أساساً في عالم الخطاب، ودليلاً على ذلك نأخذ النص التالي الذي يجمع مرموزات الصخر جميعاً ونستوضح معالم الخطاب فيه: "لقد جعلنا من الصخر سراً نتقاسمه فيما بيننا قلنا، إن الصخر، يرمز إلى القدس، شكلها شكل الصخرة... فلسطين صخرة تبنى عليها الحضارات لأنها صلدة عميقة الجذور تتصل بمركز الأرض، والذين يصمدون كالصخر يبنون فلسطين كلها، والمسيح من اختار ليكون خليفة؟ سمعان الصخرة !والعرب ما الذي ابتنوه ليكون أجمل ما ابتنى الإنسان من عمارة؟ قبّة الصخرة، وهؤلاء المزروعون في الليلة المقمرة ترى رؤوسهم وأكتافهم ناتئة من حفرها وإذا هي صخرة، وبركة السلطان ما الذي نهواه فيها؟ الصخر الذي يحيط به الماء كلما كان هناك ماء فلنتغزل بالصخر" (4) يتكوّن هذا النصّ من مجموعة مقولات سنقوم بقرءاتها كل على حدة.
1- "قلنا إنّ الصخر يرمز إلى القدس" تخفي هذه المعادلة وراءها علماً إشارياً هو الإشارة الضمنية إلى قدسية الصخرة لارتباطها بالمقدس الديني ويكفي أن نعيد كتابة هذه المعادلة بضم الدال في القدس لنفهم هذا الارتباط" الصخرة ترمز إلى القدس"
2- "فلسطين صخرة تبنى عليها الحضارات لأنها عميقة الجذور..." ترتقي هذه المعادلة إلى الفهم الحضاري الإيجابي لرمز الصخرة، لإظهار وجه آخر لمقولة "صخرة تتحطم عليها" إن فلسطين صخرة للبناء وليست صخرة للتحطيم والهدم على الرغم من أن الواقع التاريخي الراهن يفرض عليها أن تكون أولاً صخرة محطمة ثم صخرة بانية ولكن بطل السفينة (وديع عساف) اكتفى بمرحلة البناء وأسقط المرحلة التي لا يمكن أن تتم الثانية دونها - ويلعب هنا التاريخ دوراً مهماً في دلالة الرمز دوراً قيمياً لأن التاريخ والجذور تأصيليان، في تثبيت العالم وتسويغه.
3- ولا يتوقف رمز الصخرة عند دلالة الارتباط بالغيب، بل ينتقل ليحمل دلالة وطنية اجتماعية دون فصلها عن سياقها العام لتنشأ دائرة خصب بين الوطن والمقدس والمسيح وخصب البقاء والخلود (المرأة)، "والمسيح من أختار ليكون خليفة له سمعان الصخرة، وخاتمة هذا النشيد "فلنتغزل بالصخرة".
4- البعد الحضاري واضح يؤكده جبرا في كثير من مواضع الخطاب:"العرب ما الذي ابتنوه ليكون أجمل ما ابتنى الإنسان من عمارة؟ قبّة الصّخرة" يتلامح لنا من كل ما حمله جبرا في السفينة أن مصدر هذا الرمز يعود إلى المسيحية كمكون ديني في ذات الكاتب، نقرأ في الكتاب المقدس "هلمّ ترنَّم للرّب فهتف الصّخر خلاصنا، نتقدم أمامه بحمد وبترنيمات، نهتف له، لأن الرّب إله عظيم ملك كبير على كل الآلهة. الذي بيده مقاصير الأرض وخزائن الجبال له الذي له البحر وهو صنعه ويداه سكبتاه اليابسة"(5)
ب- في البحث عن وليد مسعود:
"في الإصحاح الرابع والتسعين وما يليه نقرأ أن السيد المسيح قبل أن يسلم نفسه جمع حوارييه الأثنى عشر لرفع صلاة إلى الربّ وتأدية رقصة دورانية كان هو قائدها، من كلماته في تلك الصلاة، دأب الألوهة الدوران.. سأنفخ في المزمار لترقصوا كلكم دوراناً، من تقاعس عن الرقص فاته سر هذا الاجتماع "هذا النص... يمكن أن يكون مفتاحاً لما فعله وليد مسعود في رواية جبرا "البحث عن وليد مسعود" لقد قام وليد وهو في الفراش مع (مريم الصّفّار)*** برقصة دورانية مترنحة، رقصة (مولوية) محاولاً البحث عن السرّ الذي يربطهما بين الألوهية والأنسنة.
لقد تحركت في وليد وفي مريم الألوهية التي أثارها النشيد الكنسي لعذراء النشيد الذي تعزفه آلة التسجيل بجانبهما، لقد كانت هذه الرقصة تمهيداً وفاتحة لانفجار عنيف في مريم الصّفّار خلق في داخلها عالماً يعود بنا إلى جزء من عوالم السفينة في ترميز الصخرة، لقد أفرد جبرا فصلاً كاملاً في (البحث عن وليد مسعود) لصخرة مريم الصفار بعنوان" مريم الصّفّار تتشبت بصخرة تسكن أعماقها"(6) نقرأ في هذا الفصل ".... أحوم حول كل صخرة، الحجارة المكسورة الحادة أحسُّها تنغرز في قدمي فتزيدها خفة، وجسدي الوثني المشرع لوحشية الليل المثخن بالنجوم ينفذ في الأشياء كلها وتنفذ الأشياء كلها فيه أهو تلاشٍ هذا الوجد كله... التقطت صخرة من الحوض وحملتها، رغم ثقلها... وناولته الصخرة فأخذها منى قائلاً رائعة مثلك!، ودفعني بها برفق إلى الداخل وشعرتُ بضربتها الندية على خاصرتي... وعدنا إلى غرفة النوم وألقى هو بالحجر على الفراش ثم استدار نحوي وركع بين ركبتي... وإنهال على نهدي وشفتي يمتلكني للمرة العاشرة وكأنها المرة الأولى.. وبين الحين والحين ألمح وراء كتفه الصخرة غائرة بثقلها في الفراش"(7)
ما يمكن أن نلحظه الرّابط الواضح أولاً بين رمزية الصخرة والباعث الديني، إننا أمام طقس وثني يُمارس في معبد الآلهة لكن ضمن شرط حضاري وأفق ثافي جديدين تمثل الصخرة في هذا الطقس التعويذة التي تصل بين الأنسنة والألوهة.
والنزعة في هذا المشهد نحو إيجاد عشتار الأمّ المقدسة التي وصلتنا عن طريق الصخرة المجسدة، إنّ مريم الصّفّار تحاول خلق عشتار جديدة في الربط بين جسدها والصخرة. ووليد مسعود يقوم بدور "الرجل المطاوع وغير المقاوم المفتون بهبات ثدييها التواق إلى الخلود بالالتحام الجسدي معها"(Cool.
البَــــحــر:
صوّة أخرى من الصُّوى الرّمزية التي تحقق الارتباط بين الطامح ومطمحه (المطلق) هنا يفترق البحر كواقع عن الصخر بأنه ذو أفقين أفق ممتد واقعي حقيقي يضاف إلى أفقه الرّمزيّ كما أن غموض الصخرة الموحي بوساطة قساوتها وضيق مساحتها يختلف عن غموض البحر ووحيد بطراوته وامتداده على الرغم من المجاورة المكانية بينهما. لكنهما عندما يأتلفان يشكلان رمزية خاصة نظاماً رمزياً ثنائياً (الصخر والماء) عندما يفارق البحر (كرمز) الصخور فإنه يؤدي وظيفته الرّمزية المستقلة (المعبر) هنا نرى اختلافاً عن الصخر الذي كان رمزاً للاندماج والامتزاج ليصبح البحر قناة بين المنطلق والمستقر، لا يُمكن أن يكون مستقراً لأنه مستقر الموت، إن البحر بناء ثان فوق بناء الصخر يستند رمزياً إلى الصخر (منطلق الخلاص والصلة الامتزاجية)
« البحر جسر الخلاص »
ويكتسب البحر جماله من ارتباطه بالمقدس الوطني إلى جانب ارتباطه هناك في (اللامرئي، اللامحدود) بالسماء فالثلاثة متمازجة ومتماثلة إضافة إلى بعده الحضاري :"هذا البحر الأزرق يتألق غير مكترث، غير حافل، أنا أعرف ذلك لأنه يظن أنه يجمع حضارات الدنيا على شطآنه، ولكنه يحمل أيضاً لطعات من شاطئنا تجعله على هذا التألق، هذا الحُسن، أنا أحب البحر المتوسط وأركب السفينة فيه لأنه بحر فلسطين، بحر يافا وحيفا، وبحر هضاب القدس، ونظرت غرباً، لن تعرف أين تنتهي الأرض وأين يبدأ البحر وأين يلتقي الاثنان بالسماء، فهي ثلاثتها متداخلة متمازجة ومتماثلة.
ويتسم البعد الرمزي الدّلالي في أداء رواية جبرا بالتكامل فليس هناك رمز أحادي مستقل، وإنما تتضافر العناصر الرمزية مجتمعة لتؤدي الأغراض الأيديولوجية والنفسية بمعنى أن الكاتب يحشد جميع أدواته الرمزية اللغوية والفكرية ليخلق لغة ذات إيحاء نفسي محملة ببعد فكري وهذا يعني أنها تخلق المعادلين الشعوريّ والنفسي في جانب والفكري الأيديولوجي في جانب آخر.

أيلول 1991



 الهوامش:
1) السفينة: جبرا إبراهيم جبرا، دار الآداب بيروت ط(2) 1979ص17و18
2) و3) نفسه ص18 وما بعدها.
4) السفينة ص56،57.
5) الكتاب المقدس المزامير، المزمور (95)ص 900.
**0ينابيع الرؤيا: عنوان كتاب نقدي لجبرا.
***- مريم الصفّار شخصية عصابية ذات بعد فكري وسيكلوجي خاصّ من شخصيات "البحث عن وليد مسعود
6- البحث عن وليد مسعود: جبرا إبراهيم جبرا، دار الآداب، بيروت ص 225.
7- نفسه ص227- 228.
8- المرأة والألوهية: محمد وحيد خياطة، دار الحوار، اللاذقية سورية ط(1) 1984.
9- السفينة ص5.
10- نفسه ص23.
****- لغز عشتار: فراس السّوّاح، سومر للدّراسات، قبرص ط5، 1985.







صَيّادُون في شَارعٍ ضَيِّقٍ
المُتَخَيَّل والواقِعُ

إِنَّ النَّصَّ الأدبيّ، بمجرد اكتسابه صفة أدبيّ يكون قد انتقل بطبيعته الجديدة بين الواقع(العالم، التاريخ)وبين المتخيل الذي يشكّل العلم الافتراضي المنبني في النصّ،وإنّ عملية الانتقال هذه هي لتي تحدد مفهومنا لمعنى الواقع والواقعية وكذلك لمعنى المتخيل وتحدد أيضاً أدبية النصّ في التمييز بين ما هو أدبي وما هو واقعيّ.
هذا الفهم للواقع والمتخيل يولد أمام الباحث مفهوماً نسبياً يجعلهما متداخلين متقطعين ليتعدد الواقع وتتعدد مفاهيمه.
في العمل الروائي المنجز يكون المتخيل هو واقع النصّ أي أن المتخيل يتحول من كونه متخيلاً إلى واقع افتراضي في الرواية لأن «الرواية تاريخ كان يمكن أن يقع»(1) تكون وظيفة الواقع في هذه الحالة متكأ تاريخياً، لأن النصّ يعزله ويقصيه عنه، ويكون الاتكاء عند الكثيرين من المبدعين جدلياً لا يمكن فصل مكوناته، أحدها عن الآخر لأنها تشكل فيما بينها عالماً متكاملاً يختل إذا نقص أو اختل أحد مكوناته.
«صيادون في شارع ضيق،الرواية الثانية لجبرا إبراهيم جبرا قامت بتمثيل هذا العالم وصياغته مرة أخرى كعالم ثانٍ موازٍ للواقع، وقامت بمقاربته وتحريه وفرز مجموعة معطياته على الرغم من تعددها وكمها الهائل في مرحلة من مراحل حركة التاريخ العربي(3) كان الواقع فيها محشوداً في مواجهة الأحداث والحركات الاجتماعية الحضارية على المستوى الداخلي والمستوى الخارجي، لذلك كان على «صيادون » شأنها في ذلك شأن الرواية العربية عامة في تلك المرحلة أن تستنفر جميع قدراتها وتنوعاتها الثقافية في حدي الفنّ الرّوائيّ (الخطاب) أي المضامين و(لنص) الذي يشكل البنى الفنية
حاولت الرّواية التعامل مع الواقع في اتجاهين رئيسيين عرضت من خلالهما العالم.
1- الخطاب الاجتماعي والحضاري:
تجليات هذا الخطاب هي أيضاً في مستويات متداخلة:
أ‌. المستوى الأول: تصوير الواقع الاجتماعي الكلي ومفرزاته الحضارية ودراسة وعي المجتمع في أكثر توجهاته وأكثر فئاته ورصد حركة المجتمع التي أنتجها واقعه.
ب‌. والمستوى الثاني: متابعة انحلال الطبقة الإقطاعية بتصوير الوضع الاجتماعي والسياسي للبقايا الآسنة من هذه الطبقة.
أولاً: الاجتماعي:
لا يُمكن الحديث بشكل مستقل عن ظواهر اجتماعية بمعزل تام عن المتممات الشقيقة والجدلية التي هي ظواهر الحضارة وظواهر السياسة التي ينشأ عنها حتماً الفعل الاجتماعي ويتوجه ضمن مسار رؤيتها وتوجهها، ولكننا سنحاول - قُدرتُنا- الفصل بين ما هو سياسي وما هو اجتماعي تسهيلاً للتناول والدراسة.
- البوابة الأولى التي تفتحها «صيادون» على واقع المجتمع البغدادي في فترة الخمسينات هي تصوير الوجه السياحي( المفترض الحضاري الإيجابي) تنفتح هذه البوابة على أزمات حضارية واجتماعية ناظمها الإعياء الإنساني والحضاري الذي أصاب المجتمع والفساد المتراكم في جسم الحياة الاجتماعية، اللذان حوّلا الكائن البشريّ إلى كائن يقوم بوظيفية طبيعية بالمعنى الغريزيّ، شأنه شأن موجودات العالم الأخرى.
- البوابة الثانية للمدينة الرمز (بغداد) هي المبغى(4)، هذه البوابة التي كونت (المرصد الاجتماعي) الذي سلط منه جبرا الضوء ضوء الكشف الذي يعري فيه الحياة الاجتماعية السائدة وهذا التصوير للمشهد الاسطوري لمدينة (البغاء) التي تتنفس بها بغداد من خاصرتها وتتقيأ فيها سخامها، يُتوجهُ الحدث الاجتماعي التقليدي الطعن حتى الموت غسلاً للعار(5).
ولا يشكل المبغى البوابة الثانية للنموذج المدني العربي فحسب بل يشكل إضافة إلى ذلك المركز والبؤرة الاجتماعيين ويظهر التناقض الاجتماعي في مفارقة صارخة عندما يتجاور المتناقضات « نحن شعب من المتناقضات فأكبر بناياتنا تقع وسط البيوت الطينية وأفضل شعرائنا يكتبون أتفه النثر، ونحن نستعمل أنقى الكلمات لننحدر بعدها إلى ابذأ لغو يمكن أن تعبر عنه لغة من اللغات»(6).ويشتد التناقض في وعي المفارقة عندما تتجاور التناقضات الكبرى، يقول أحد الأشخاص في الرواية لجميل : «بدأت البداية الصحيحة إذن! أعني المبغى فهو وسط المدينة وفي هذه المنطقة أيضاً تقع أجدر مدراسنا بالاحترام/»(7).
ثانياً: الطبقي:
ساد الرواية بعد الانتهاء من المشاهد الافتتاحية التي تحدثنا عنها التصوير الطبقي لأحداث حياة أسرة سليلة البائد الإقطاعي ما زالت وفية أشد وفاء لقيم هذا البائد، لقد رصد الخطاب حركة تفكك هذه الطبقة وانحلالها ومحاولة حفاظها على بنائها من خلال محاولة نقلها إلى الطبقة التي يفترض أن تتحول إليها وهي البرجوازية ولكن دون جدوى. ما زالت هذه الطبقة وريثة القيم في العهد العُثماني لا تستطيع أن تعي أن هذه القيم يجب أن تزول وتتلاشى لذلك فهي تتخلى عن أفرادها إذا شكلوا خطراً ما على لهذه القيم: يقوم العقيد (طالب) وهو والد (عدنان) الشاب المتمرد بطرده من البيت والتبرء منه وكان هذا الطرد في البداية لأسباب أخلاقية تحول بعدها إلى بعده الطبقي، وقد استاء الوالد فوق كل شيء من معارف ابنه الجدد الذين ما كان المرء في العهد العثماني ليعترف بوجودهم»(Coolلكنّ الحديث الطبقي في الرواية يبقى في أكثره وصفياً يعكس انحيازاً كبيراً نحو الواقع ضد المتخيل ويغيب الإعلان الصريح عن موقف واضح من هذا الطبقي.
ثالثاً: الحضاري والفكري:
ما يميز «صيادون» كخطاب روائي أشد التصاقاً بالواقع هو تلك القدرة البارعة على استيعاب البُعد الحضاري لأزمة الأمة العربية، وفي طرح جميع المتباينات الفكرية التي تحدد الانتماءات والنظريات التي ظهرت في سبيل الوصول إلى تجاوز الإشكالية العربية. حفل الخطاب بالمحاورات (الافلاطونية) حول أزمة الحضارة وحول الخروج من هذه الأزمة ولم تقف المحاورات عند مناقشة الريث الحضاري العربي فقط بل اعتبرت أن هذه الأزمة أزمة كونية أزمة الإنسانية جمعاء
وتعددت الرؤى وتعددت الحلول وتباينت بين الدعوة إلى العودة إلى الصحراء (9) والقفول إلى قيم البادية والعشيرة في أقصى انضباطاتها واستلاباتها وبين البحث عن بدائل حضارية وصلت إلى طرح (نظام الفوضى) والبوهيمية بديلاً حضارياً.(10)
إن هذا التباين في المواقف من الإشكالية يعكس تبايناً فكرياً في مرجعيته ويعود إلى التباين الواقعي في فترة كتابة الرواية إذ كانت التيارات الفكرية والمفاهيم في اشد صراع لها منذ الصراعات الفكرية الأولى التي جرت في القضايا الدينية والفلسفية في التاريخ العربي.
2- الخطاب السياسي:
لم يخل تاريخ العراق على مدى مراحله من التناقضات إلى درجة كانت فيه هذه التناقضات إشكالية أعيت منطق الجدل التاريخي وأدهشته، وقد كان خطاب جبرا وافياً جداً لتصوير تناقضات الظرف السياسي في العراق على الرغم من أن المتوقع منه ككاتب ينتمي إلى شعب له قضيته الخاصة أن ينقل تناقضات قضيته ولكن الوضع السياسي العراقي يمكن أن ينسحب بنسبية ما على الظرف السياسي العربي عامة وجبرا كان يبحث عن فهم شامل لقضية الحضارة العربية والسياسة التي تصنعها، إذن كان هناك قضيتان سياسيتان مهمتان بالنسبة لجبرا:
أ- الظرف السياسي العِراقيّ
(الذي يمكن اعتباره نموذجاً منتقى للبحث والدراسة من النماذج العربية الأخرى)
- صوّر الخطاب مفاصل الأحداث السياسية في العراق كالثورة والحركات الطلابية العراقية التي كانت تقود العمل الجماهيري الثوري إثر كل حركة سياسية أو انقلاب يجتاح العراق وصور أيضاً على المستوى السياسي علاقة الشعب بالسلطة وهي علاقة عداء، علاقة طرفها (حاكم متسلط ومحكوم متذمر) لقد كانت قضية الشعب العراقي الكبرى هي علاقته بالسلطة وطريقة تعاملها مع الأوضاع والأحداث السياسية وعلاقتها بالاستعمار.
ب- الظرف السياسي الفلسطيني:
شكلت قضية فلسطين المأزق الحضاري الأعظم الذي لم تتعرض لمثله الدولة العربية منذ قيامها، وكان لزماً على الخطاب أن يولي هذه القضية اهتمامه الأكبر لأنها التحدي الأكبر لصيرورة الحضارة العربية.
لقد قام الخطاب بتوصيفات متنوعة لهذه القضية وفق الأبعاد التالية:
- توصيف الحدث كواقع انتفت فيه فنية المتخيل، إذ وصف الخطاب الحدث احتلال فلسطين وتخلي البريطانيين عنها لليهود توصيفا تاريخياً انطباعياً انتقائياً.
- لا يخلو هذا التوصيف من البعد الشعوري الفجائي في كثير من أبعاده إذ حمل الكاتب بطله ذكرى سوداء أليمة هي ذكرى أنه اندثار خطيبته تحت الأنقاض وقد تقطعت أوصالها على مرأى منه: «وكالمجنون تسلقت الأنقاض والحجارة الكبيرة وقضبان الحديد في أمل يائس ثم شعرت بشيء ناعم يرتطم بيدي، فحفرت حوله كانت يداً مقطوعة من الرسغ كانت يد ليلى وخاتم الخطبة يحيط بإصبع الخنصر فجلست وبكيت»(11)
- يشكل الحدث انتقالاً حضارياً بين طور وطور إذ ينتقل الفلسطينيون - بفعل الحدث الذي قامت به مجموعة همجية احتفظت بهمجيتها منذ بدائيتها - من الطور الذي توصلوا إليه، طور التراكم الحضاري والإنساني إلى طور الطفولة الحضارية التي تتميز بخصيصة البحث عن اللقمة والعودة إلى الصيد من أجل إشباع الحاجة الأولية :«المسألة الآن مسألة حاجات أولية، نحن نساق بالتدريج إلى حيث بدأ الجنس البشري حينما بدأ الزمن، بدلاً من أن نفكر باستعادة أرضننا غدا علينا أن نفكر بإطعام اللاجئين. لا بد من أن نأكل فحتى وجبتنا اليومية الواحدة أصبحت في خطر، علينا بالعودة إلى مرحلة الصيد»12
لقد كان جبرا في "صيادون" وفياً للواقع، واستطاع ببراعة نقله إلى نص، إلى خطاب، إلى حديث روائي يُقنع فرضيات الواقع والمتخيل بنسبية معينة نظراً إلى الهدف الذي ألفت من أجله الرواية وهو كما صرح جبرا في أكثر مقابلاته محاولة شرح قضيته للآخر ؛ لذلك قام بكتابتها بالإنكليزية.
أيلول 1991.


 الهوامش:

1) الحلم والفن والفعل، جبرا إبراهيم جبرا، المؤسسة العربية للدراسات 1988 ط(2)ص 345 من كلام لأندريه جيد.
2) كتب جبرا روايته «صيادون في شارع ضيق» بالإنكليزية وترجمها الدكتور محمد عصفور ونشرها لأول مرة بالعربية عام 1974 وقد نشرتها دار الآداب في طبعتها الأولى.
3) ظهرت الرواية بالإنجليزية في إنكلترا عام 1960 وطبيعي أن نستنتج أن جبرا كتبها قبل هذا التاريخ أي أن الرواية كتبت لتصور واقع الخمسينات وما قبلها.
4) يظهر في مشهد وصول جميل فران بطل الرواية إلى بغداد من الصفحة التاسعة حتى الصفحة الخامسة عشرة.
5) صيادون ص 36 وكذلك ص 56 مشهد مقتل الفتاة غريمة على يد أخيها يوسف.
6) صيادون 39.
7) صيادون 369
Cool صيادون 44-
9) و10) يمكن العودة إلى الفصل الثالث عشر حيث يجري حوار يمتد على مدى الصفحات 89- 100.
11) صيادون ص 19.
12) صيادون ص 24.




عالم بلا خرائط
ثُنائية التأليف.
أحادية النموذج - أحادية الأُفُق

المقدمة :
التأليف الثنائي (الإخفاق):
تعد رواية «عالم بلا خرائط للروائيين العربيين المبدعين جبرا إبراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف تجربة إبداعية فريدة وطريفة في التاريخ الروائي العربي، قامت هذه التجربة بإغناء تنوعات الحركة الروائية العربية، وقد تجلى هذا الإغناء في أقصى مظاهره الإيجابية في المشروع الثنائي(الانتقالي) الذي قام به الكاتبان المبدعان اللذان يُعدان من رواد حركة الحداثة في الرواية العربية (1)
هذا المشروع كان انتقالاً بين نمطين من التأليف، الأول سابق لهذه التجربة وهو نمط التأليف الفردي، والثاني ما أدخلته الرواية إلى عالم الكتابة من إمكانية التأليف الثنائي، لذلك من أجل فهم أبعاد هذا المشروع وآفاقه ومدى نجاحه، والإضافات التي أتى بها لا بد من التعرض للإشكاليات التي أدّت إليها.
أولاً: إشكاليات العالم:
أ- (الروائي): إنّ قراءة عميقة لسبر عوالم النصّ عند الكاتبين تكشف بجلاء التباين الحاد بينهما في فهم عالم الواقع وفي نقل هذا الواقع إلى عالم روائي يتمثل بنص .
لقد بحث جبرا ابراهيم جبرا في عالمه الروائي القضايا الإنسانية الكبرى إلى جانب بحثه في تفاصيل العالم« الواقع» ضمن الرؤية نفسها التي عالج فيها تلك القضايا. فإذا أراد الكاتب معالجة قضية من هذه القضايا فلا بد من أن يكون ذلك في إطارها الأعظم، إن جبرا يبحث في عالمه عن الكونية وفي الكونية، عن الحضارة وفي الحضارة، ويبحث في الوجود الخارجي ببعده الفلسفي.وفي الوجود الداخلي ببعده النفسي- وفي الإشكالية الكبرى لقضية التخلف التي يعانيها المجتمع العربي من خلال رصد مفهوم العرب عن ذاتهم ومفهومهم عن الآخر الذي هو حضارة الغرب ومكونها الرئيسي «التكنولوجيا» ومن خلال رصد مواقف هذه الحضارة من الذات«المجتمع العربي» كل ذلك في أفق روائي وثقافي واسِع، ومعالجة فنية بارعة. وبحث الروائي المبدع عبد الرحمن منيف في عالمه القضايا الأكثر تفصيلية وانتظم عالمه الروائي في ثنائية يمكن أن تعد أساس خطابه هي «الصحراء» الترميز العربي للتخلف و«المدينة» أي المدنية، وهذه الثنائية حضارية في جميع أبعادها، وأي محاولة لإخراجها خارج النطاق الحضاري يفقدها معناها ويفرغها من محتواها، ومنيف ذاته لا يريد لهذه الثنائية أن تخرج عن هذا النطاق لأن هدف الخطاب لديه ولأن تكوينه الثقافي والفكري يستدعيان التركيز على البعد الحضاري. ولم تغب هذه الثنائية (الصحراء، المدينة) عن خطاب جبرا ولكن حضرت بوضوح أقل وبتناول جزئي وبمعالجة مختلفة، إذ أعطيت بعداً إضافياً إلى جانب بعدها الحضاري هو البعد النفسي، واختلاف التناول واضح يتبع الخصوصية التكوينية لكل مبدع من المبدعين.
ب- الثقافي:
يعد جبرا من المبدعين القليلين الذين فهموا تكامل الحالة الإبداعية ولم يتوقفوا عند حد واحد من حدود الإبداع وكان من المعجبين بالفلاسفة الكبار في تاريخ الفلسفتين : العربية والغربية الذين تعاملوا مع حقول إبداعية متعددة، فمن المعروف أنه ناقد من النقاد الرواد في النقد العربي الحديث وفي الدعوة الحداثية في النقد والرواية والشعر والحياة، نقده كروايته يتميز بالبحث عن الكونية والتطوير والتغيير في العالم. وهو إضافة إلى ذلك قاص له مجموعة قصصية وإن كانت لا ترقى إلى مستوى إبداعه في الأنواع الأخرى، إذ لا نجد في هذه المجموعة نفساً قصصياً بارعاً مبدعاً. وكذلك له تجربته الشعرية وفق رؤية خاصة ومفهوم خاص لا مجال لمناقشته هنا، مع القول بأن هذه التجربة لم تكن على مستوى ما يطمح إليه جبرا في دواوينه الثلاثة ولجبرا ممارسات في التشكيل، فهو رسام وقد كتب في النقد التشكيلي أكثر من مقال وأكثر من كتاب، هذا التنوع الإبداعي يضفي على العالم الروائي تنوعاً وغنى وبعدأً واسعاً في مساحة التحرك يضاف إلى ذلك تنوع الثقافة الأصيلة واتساعها وتشعبها انطلاقاً من حاجة جوهرية هي مواجهة تحديات العصر بكل تفصيلاتها الثقافية بشقيها الغربية والعربية التراثية والحداثية.
ويميز العالم الثقافي للكاتب المبدع عبد الرحمن منيف ثقافة خاصة يسيطر عليها البعد العلمي الصرف وهو الدكتور المختص بالعلوم الصرف، وهذا لا يقلل من قدراته الإبداعية الأدبية ولكننا نسوق هذا الكلام لنبين فحوى التباين الثقافي بي الكابتين. ويمكن أن نجد تميزاً إيجابياً لدى منيف هو اللغة العفوية الموحية النابضة التي تتدفق تدفقاً حراً لا أثر للقسر أو التكلف فيها.
ثانياً: إشكالية اللغة:
- لا يخفى أثر الثقافة اللغوية الخاصة لجبرا وأثر الأعمال الأدبية المترجمة وأثر الثقافة الغربية واللغة الإنكليزية وأخص بالذكر أعمال شكسبير التي أبدع جبرا في ترجمتها وتتلخص سمات اللغة العامة فيما يلي:
أ‌. لغة جبرا حارّة موحية شاعرة مكثفة في المواقف الشعورية خاصة.
ب‌. وهي لغة ملحمية تتوخى الجلالة في والبحث عن التماسك والرصانة.
- تتناسب لغة الكاتب المبدع عبد الرحمن منيف مع سياقه الثقافي، فهي أكثر الأحيان لغة تسيطر عليها الروح العلمية السردية، ويمكن أن نجد تميزاً إيجابياً لدى منيف هو اللغة العفوية الموحية النابضة التي لم تلثها لوثة التمحيص والتهذيب النقديين، لأنه بعيد من الممارسة النقدية المهنية.
لذلك إذا كان لنا أن نبحث عن كل من الكابتن في هذه الرواية فلا بد من الاهتداء بمثل هذه الصوى الإبداعية «العالم الروائي الثقافة، اللغة» إلى جانب صوى كثيرة وقريبة من الدقة لا يتسع المجال لبحثها. ولكننا نشكك في القدرة على الوصول الدقيق أو النسبي إلى معرفة موقع كل من المؤلفين في الرواية، ولا بد من الوقوع في المزالق والوقوع في شرك التكهنات، إذ من الممكن أن يصل الباحث إلى موقع أحد الكاتبين في فصل أو اكثر من فصول الرواية ليس غير.
ما نريد أن نقوله في نهاية الأمر: إن هناك تبايناً كبيراً بين الآفاق العامة والخاصة لكل من الكاتبين - مع وجود سمات مشتركة- لا بد منها بين المبدعين، وهذا التباين خلق حتمية الإخفاق ما يجعلنا نقول بشيء من الاحتراز إن الإبداع الأدبي والفني هو إبداع فردي.
إنّ مقولة الإخفاق التي وسمنا بها الرواية (التجربة المشروع لا تعني إسقاطها من الحسبان الروائي فهي تشكل (مرحلة روائية، في سياق الرواية العربية وفي سياق الروائيين جبرا ومنيف وهي قائمة بعوالمها الخاصة وفرضياتها التخييلية الجديدة، في معالجاتها الخطابية( المضمونية) وفي انبنائها النصي (الفني )، وقياسنا (للإخفاق النسبي) في هذه الرواية، يعتمد على فحصه في سياقها الروائي عند كل من الكاتبين، فإذا نسبناها إلى سياق (جبرا) [على الرغم من المرحلة التي كتبت فيها فهي من أواخر أعماله وهذا يفترض أن تكون أفضلها ] وجدناها في الدرجة الثانية بعد «صيادون في شارع ضيق» وبعد رائعتيه "السفينة" و"البحث عن وليد مسعود".وكذلك الأمر إذا أخضعناها للفحص في سياق (منيف) تراجعت بوضوح نصاً وخطاباً عن "حين تركنا الجسر" و"الأشجار واغتيال مرزوق، ورائعته المطوّلة والمتعددة "مدن الملح".
أحادية النموذج السيكولوجي :
بطل الرواية الذي يحاول أن يرسم الخرائط للعالم الروائي المتخيل ولعالمه الداخلي مخفق باعترافه الذي جاء على شكل تداعيات غير حرة لأنها اعترافات رجل محنك خبير خبيث في آن معاً يحاول أن يراوغ ويحتال في كثير من القضايا التي يتحدث عنها، وعندما يقع في شرك اعترافاته يحاول التهرب والتملص منها بطريقة التعتيم والتغييب وإرهاب الحقيقة بمداورات والتفافات تكتيكية بعضها يتعلق بمضمون النص وبعضها ببنائه، ولا نغفل أيضاً أثر التأليف الثنائي هنا إذ يلجأ أحد الكاتبين إلى تقنية نصية ما من أجل الحفاظ على سير الرواية متوازناً دون ضرورة موضوعية لهذه التقنية.
ينفتح النص الروائي في (عالم بلا خرائط) بموضوعة سيكلوجية في الجانب العصابي؛ فالافتتاحية المطلقة" اللذة، الألم، الرعب- إنها تعود كرؤيا شهوانية، كرؤيا محرمة حادة، متوترة، قاهرة"(2) تطالعنا بوهج نفسي عصابي يصدره نموذج سيكلوجي هو شخصية البطل.
تتحدد الملامح العامة للشخصية فيما يلي:
1. الشخصية تمثل نموذجاً ذا بعد واحد (البعد السيكولوجي).
2. وهي تمثل أيضاً نموذجاً عصابياً يخضع للدراسة والتحليل في ضوء علم النفس بل في ضوء التحليل النفسي وهذا ما يجعل الدراسة قريبة من الطريقة (العيادية).
3. تتوضح الخصائص السيكولوجية للشخصية في :
أ‌. مواقف تخضع لمصطلح سيكولوجي : من هذه المواقف ما يعلنه البطل نفسه دون اللجوء إلى تسمية الحالة وإنما يمكن فهمها واستنتاج ماهيتها من ذاتها، فهو يُعلن فيما يشبه الاعتراف بطريقة (المونولوج) المنفتح على القارئ أن أياماً مثيرة قد انتهت وانتهت معها أحداث هي موضع الاهتمام. ويقول: «أعضعض جسداً جميلاً »(3) إن هذه المقولة تشى بنوع من السادية العصابية، ويقول: «تملخني أيد شرسة»(4) وهنا أيضاً لا يحتاج الوصول إلى البُعد المازوحيّ في الشخصية إلى عناء كبير، وهذان البعدان ملازمان للقضية الجنسية ببعديها الفاعل والمنفعل الواحد، لذلك فإن الشخصية مركبة سيكولوجياً على نقيضين نفسيين «السادية والمازوحية» وينجح الكاتبان في صنع هذه الشخصية في هذا الجانب بإداراك قويّ ودقيق لمثل هذه الحالات المركبة.
ب‌. مواقف تعرض حالات سيكولوجية، تظهر الحالة العصابية لدى الشخصية من خلال مجموعة من ردود الفعل والمواقف التي تتخذها ضد شخصيات أخرى في الرواية، فلنسمعه يقول: كلما ازداد إلحاح الأقرباء والأصدقاء وكلما رأيت وجوههم الصفراء القلقة ركبني جني آخر يحرضني دون توقف على التحدي فأتحدى وأتألم وأفرح»(5).
ت‌. هذه الحالة تمثل عصابية سادية في تكوين الشخصية ويحاول الكاتب أن يلون مثل هذه الحالات بمسوغات أو بمرافقات أخرى إبداعية ولكن ارتباط الحالة ارتباط بسيط وعارض: «انتابتني حالة من الصفاء لم أحس بمثلها من قبل وسيطرت عليّ أفكار أقرب إلى الفرح والطفولة »(6) «لقد أدركت شيئاً فشيئاً أن أموراً أخرى تحصل مع النوبات المجنونة، إذ إضافة إلى القيء، ثم اصفرار الوجه والارتجاف، فإنّ حالة من الصفاء الأبيض الأخاذ تسيطر عليّ، في بعض الحالات ترتسم على وجهي ترافقها كلمات متألقة مليئة بالشعر لا أتوقف عن ترديدها»(7).
ث‌. مواقف مستخدمة في توصيف الحالة السيكولوجية، كما رأينا في افتتاحية النص السيكولوجية التي شكلت البؤرة في الرواية على المستوى السيكولوجي«اللذة، الألم، الرعب، إنها تعود كرؤى شهوانية..إلخ» يضاف إلى ذلك أننا نجد حشداً كبيراً من الإشارات السيكولوجية عبر النص بخاصة الفواصل الأولى، وهذه اللغة تتراوح في دلالتها بين حالات نفسية عميقة وعصابية بالمعنى الاصطلاحي للكلمة وبين الدلالة الإشارية إلى حالة غير عادية تنتاب الشخصية، فمثلاً نجد في سطرين اثنين مجموعة من الإشارات منها : «نزوة طارئه- الندم- سلوك الطفل المذنب- استغراب- خوف - تطرف في السلوك- منهوك القوى رغبة في التقيؤ»إضافة إلى كثير مما عرضناه سابقاً من مثل «اللذة، الألم، والرعب، رؤيا شهوانية، رؤيا محرمة، حادة متوترة، لذات،لوعات».
3- الأُفُق الواحد:
إذا عدنا قليلاً إلى روايات جبرا إبراهيم جبرا _كالسفينة) أو التي كان بعدها لسيكولوجي واضحاً نلمس مدى التباين بين شخصية علاء في (عالم بلا خرائط) وشخصيات هذه الروايات، ففي «البحث عن وليد مسعود» مثلاً نجد (مريم الصّفّار) (Cool تحمل في شخصيتها البعد السيكلوجي المرضي وهو هوسها المطلق بتحقيق رغبة الجسد لديها دون إشباع، غير أن هذا البعد الجاف في تصويره، المرضي في طبيعته السلبي في حكم القيمة، تحوّل إلى بُعد ذي آفاق متعددة، لقد كساه الكاتب وعرضه بطريقة جملته، فقد أضفى عليه بعداً أسطورياً مرة وحضارياً مرة أخرى ورؤيوية طقسية لها آفاقها الدينية الصوفية، ولا يخلو الأمر من نفحة فلسفية إنسانية ومن طرف اجتماعي في مستويين أحدهما انتقادي والآخر من خلال البحث عن بدائل اجتماعية وكذلك الأمر فيما يتعلق بعدنان طالب الشخصية التي تنتمي إلى «صيادون في شارع ضيق» فهو على المستوى النفسي، عصابي، لكن الكاتب ببراعته جعلها شخصية إبداعية في مجال تعاملها مع العالم ومركباته، واستطاع أن يمنحها آفاقاً فكرية وسياسية واجتماعية خلقت منها رمزاً لحركة التمرد والثورة على السائد الاجتماعي والسياسي والفكري والأيديولوجي. لقد خلقت هذه الأفاق شخصية يمكن أن ندعوها شخصية ممتلئة على الرغم من جميع إشكالياتها.
إن العوالم التي اضيفت إلى هاتين الشخصيتين مفقودة في شخصية بطل (عالم بلا خرائط) إذ تفتقر إلى (الكساء) الروائيّ الذي يجعلها تُقنع فرضيات الرواية، إنها شخصية ذات أفق واحد.
فالرواية تطرح البطل (روائياً مثقفاً) لكن هذا الروائي لا يطرح ذاته إلا ضمن محيط (اهليلجي) يدور فيه بشتى الاتجاهات متحركاً كأنه في نقطة انعدام الوزن، محيط الهواجس العصابية. مرة أخرى نقول: إنّ الشخصية هيكل عار يحتاج إلى كساء يستر هذا العري ويعبىء المناطق الخلالية بين فراغاتها، إنها هيكل سيكلوجيّ.يشكل تراجعاً كبيراً عن شخصيات جبرا التي رسمها في رواياته الأخرى.
أيلول 1991.

 الهوامش:
1- مجرد حديثنا عن فن روائي يعني أن هناك حداثة ونعني بالحداثة هنا التغير الذي طرأ على الأنواع الأدبية العربية السائدة و لكن ظهر على ساحة التأليف الروائيّ في تاريخ الرواية العربية نمطان رئيسان في التأليف الروائي: النمط التقليدي الذي كان يتناول الكتابة الروائية كحالة قص سردية متوالية في الزمن، هذا في ناحية البناء وفي جهة المضمون عالجت فيه الرواية العالم بطريقة سطحية على الرغم من كل تقنياتها وكان على رأس هذا التيار الروائي العربي المبدع نجيب محفوظ بخاصة في مرحلته الاجتماعية. والنمط الثاني هو النمط الحداثي في البحث عن بناء جديد وملائم للعالم الروائي العربيّ الحديث وفي معالجة المضامين ضمن رؤية ورؤيا وعمق فلسفيّ وحضاري.
2- 3- 4- عالم بلا خرائط : جبرا إبراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ط (1) 1982ص11.
5- نفسه ص 27.
6- نفسه ص 25
7- نفسه ص 28.
8- البحث عن وليد مسعود: جبرا إبراهيم جبرا، دار الآداب بيروت ط(2) 1981، يمكن مراجعة فصل (مريم الصفار تتعلق بصخرة تسكن أعماقها) ص195.
9- صيادون في شارع ضيق: جبرا إبراهيم جبرا دار الآداب بيروت ط(3) 1983، يمكن تلمس الشخصية في اثناء الرّواية.





مؤلفات
جبرا إبراهيم جبرا
ومترجماته

أولاً: الرواية
1. صراخ في ليل طويل، دار الآداب بيروت ط(2) 1979/ ط(1) القدس 1946-
2. صيادون في شارع ضي

     

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة

رد مع اشارة الى الموضوع


 
نشرة ارسل: الخميس اكتوبر 09, 2008 4:20 am  موضوع الرسالة:

عبدون


معلومات العضو






غير متصل

 


إليك هذه الدراسة عسى أن تفيدك:

إشكالية الواقع والتحولات الجديدة
في الرواية العربية
دراسة وعي مجادلة الواقع ومتغيراته، وتقنيات البنية

- دراســـــــة -





من منشورات اتحاد الكتاب العرب
1999














البريد الالكتروني: E-mail : unecriv@net.sy
الإنتــرنت : Internet : aru@net.sy
موقع اتحاد الكتّاب العرب على شبكة الإنترنت
www.awu-dam.com
تصميم الغلاف للفنان : اسماعيل نصرة







في نظرية النقد
مراجعات في بنية المفهومية الاجتماعية في الأدب

النقد وتحقيق المنهج العلمي هما نقطة البدء في ذلك، ويلاحظ أن هؤلاء النقاد الذين حاولوا ذلك كانوا يأخذون من علوم أخرى ويطبقونها كما هي على الأدب، فالنتائج كانت علماوية، وليس علمية. إذ إن النقاد كانوا يبدؤون بتركيب المنهج مسبقاً وعلى ضوء ذلك يحاكمون الأعمال الأدبية. وهذا ما فعله "تين" وذلك لتأثره "بهيجل".
أما محاولات لانسون فكانت أكثر تقدماً إذ طرح مجموعة أسئلة صارت في الخمسينيات محور سيسيولوجيا الأدب. "جولدمان" لم يكن مبتدع السيسيولوجيا. "جورج لوكاش" "تأثر بهيجل وكوّن نظرية (الكلية والمجتمع). وجولدمان اقتبس (الرؤية للعالم) عن لوكاش في كتابه (الرواية التاريخية). لكن جولدمان يتميز عن لوكاش في كونه قام بجملة من التطبيقات على بعض الآثار الأدبية في حقب متباينة.
الممارسة التطبيقية أوصلته إلى تعديل وإضافات أغنت مجال النقد الأدبي. لوكاش لم يكن ملتزماً أرثوذكسياً. والبنية التركيبية التي تعتبر النص منطلقاً كانت محور عمل لوكاش على أساس أن النص لا يقوم إلا على بنية. هذه البنية من أين تستمد؟ لا بد أنها من مجموعة بنى اجتماعية. لذا يشير إلى بنية مستمرة لا يحسها الكاتب.
وعلى الناقد أن يكشف عن هذه البنية. الناقد تصبح مهمته مسوغة ليبحث لنا عن مصطلحات لتفسير ما عبر عنه الكاتب. أهم ما وجه إلى جولدمان إغفاله للتفاصيل في النص: اللغة، الخيال. إن الرؤية للعالم هي محور المنهج، لكن هذا يضطرنا إلى فهم البُنى، وأنماط الوعي: الوعي القائم، والوعي الممكن فالناقد- يفترض أن الأديب قد يعبر عن الوعي الممكن. والآثار الأدبية تؤلف كليات يمكن لأجزائها أن يفهم بعضها انطلاقاً من بعضها الآخر وبخاصة انطلاقاً من بنية الكل.
هكذا كلما كان العمل كبيراً كان شخصياً لأن الفردية الاستثنائية الفنية والقوية هي وحدها القادرة على أن تفكر أو تعيش رؤية الكون إلى منتهى عواقبها، بينما تظل هذه الرؤية في طور متكون وحديثة التبلور في وعي البنية الاجتماعية. لكننا نجهل من جهة ثانية أنه لما كان العمل تعبيراً صادقاً عن مفكر أو كاتب عبقري كلما كان فهمه في ذاته دون أن يلجأ المؤرخ إلى سيرة الكاتب أو نواياه، ذلك لأن الشخصية الأكثر قوة هي التي تتطابق بكيفية أفضل مع الفكر أي مع القوة الجوهرية للوعي الاجتماعي بمظاهره القوية وعلى العكس من ذلك فحين يتعلق الموضوع بتفسير نقاط الاختلال أو الضعف في عمل فكري نكون في معظم الأحيان مضطرين إلى اللجوء لفردية الكاتب وإلى الظروف الخارجية لحياته.
نضرب مثلاً بمجموعة من التقنيات الاستيعابية في الخلية الأدبية عند (جوته) بل وعند الأجزاء الضعيفة من كتابه الثاني عن فاوست. فهي تفسر بالتزاماته الاجتماعية في بلاد (فيمار). حينذاك كان يمكنه التعبير عن نفسه بعيداً عن إقامة تعارض بين القيم الموحية والاجتماعية - أين يوجد الواقع، إنه يوجد في الأشكال الأكثر اكتمالاً عندما تكون الحياة الاجتماعية في درجتها القصوى من الكثافة والقوة الخلاقة. وعندها يدرك الفرد قيمة قوته المبدعة فيمتزجان وذلك سواء في المجال الأدبي أو في المجالات الدينية والسياسية. كيف يمكن فصل "راسين" أو "باسكال" عن "بوريام"؟ "وبونتينير" عن عدد من المفكرين الغرباء عن المادية الجدلية منذ "باسكال" الذي قال: "صل وستؤمن" إلى النظرية المحيطية للانفعالات عند "جيرس" و"لانج" وفي أبحاث (جان بياجيه) كذلك نعتقد أنه يوجد على مستوى الزمرة الاجتماعية تفاعل صميمي بين الفكر والفعل يؤثر أحدهما في الآخر. ومن ثم فإن كل عمل أدبي مهم، وكل تيار فلسفي أو فني تكون له أهمية ويمارس تأثيراً على سلوك أعضائه، وبالعكس فإن طريقة الحياة، والتصرف لمختلف الطبقات الاجتماعية في فترة محددة تحدد جزءاً كبيراً من اتجاه الحياة الثقافية والفنية. لكن هاتين الملاحظتين لا تستتبعان القول بوحدة الوجود بين الوظيفة الموضوعية للسلوك الفردي لكائن ما، وبين الأهمية الموضوعية للعمل الأدبي. ولكن هذه الوحدة يمكن أن توجد، وتكون بالنسبة للفرد مثلاً أعلى يسعى إليه، وبالنسبة للزمرة الاجتماعية يظل صحيحاً دائماً أن الفكر والفعل يؤثر أحدهما في الآخر ضرورةً، ويبقيان متقاربين في بعض الحدود. إنه لا يمكن تصور مجتمع مكون فقط من مفكرين أو من رجال الفعل. على أن في استطاعة الفرد أن يتخصص وأن يملأ حياته بما هو مجرد جزء من الحياة الاجتماعية عند الزمرة، لأجل ذلك كثيراً ما يوجد أفراد هم فقط مفكرون أو رجال فعل.
لقد وضحنا أنه بالإمكان في حالات نادرة وجود قطيعة بين الفكر الواعي والنشاط الاجتماعي للكاتب من جهة وبين الدلالة والأهمية الموضوعية لأعماله من جهة أخرى. فليس هناك ما هو أقل مأسوية في الظاهر على الأقل من حياة (كانت) أو (راسين). وليس هناك ما هو أكثر بعداً عن الرؤية العمالية في العالم من (بيكاسو)...
هذه الرؤية يستتبعها الفكر موضوعياً. ومن المسلم به أن العناصر الأصلية للتفكير الجدلي توجد في أعمال المناضلين الكبار والكتاب الكبار لكن ذلك مجرد تخمين، ولو أن الأحداث كثيراً ما أكدته، فإنه ليس قابلاً للتصديق، وليس على الأخص ضروريّ الوقوع.
من جهة ثانية يبدو لنا أن العمل اليومي بكل ما يستتبعه من غنى وتعقيد يمكنه أو يكون في بعض الحالات غير مساعد على التخطيطية المفهومية والتجريبية التي تفترضها كل منهجة فلسفية، ولربما يكمن هنا الطابع الجزئي، أو المجزأ الذي تمثله الكتابات الفلسفية والقوة الإبداعية والثقافة العميقة للكتاب المبدعين المؤثرين، وقد يكون الوضع مختلفاً بالنسبة للفنان الذي يمكن لإبداعه على مستوى الإحساس أن يأخذ مجراه بغير الاتصال المباشر أو المكثف مع الواقع الذي ينصب عليه مثلاً. وبالإمكان أن نسرد أمثلة توضح مكان حدوث العكس.
وليكن العمل الأدبي الكبير مثلاً المستوحى من الفلاحين الذي كتبه (تولستوي) في الشطر الأول من حياته، أو شعر التمرد عند (بودلير). لكن يتحتم التأكيد أن العمل الأدبي نفسه هو بالنسبة للفنان وخاصة بالنسبة للمفكر ليس مجرد فعل بل هو أيضاً أكثر الأفعال فعالية من بين ما يستطيع فعله.
من بين هذه الفترات التي نعيش فيها قد لا تكون الشروط لصراع الطبقات مشجعة وملائمة للتعبير الفني، وهذه الملاحظة الأخيرة تقودنا إلى مسألة معقدة وهي مشكلة المبدع. إن كلاً من هاتين الوضعيتين تظهر في فترات تاريخية مختلفة، وكأنها أفضل وضعية مُسعفة للإبداع الأدبي والفلسفي.
ولقد تأكد القول في أن الأدب يعبر عن طريقة ما في الإحساس بالكون والنظر إليه، وخلال فترات الممارسة الجماعية الكبيرة عندما تتوافر وحدة عضوية وحيّة بين المنظمات والطبقات الاجتماعية التي تمثلها حيث يستطيع المبدع عامة أن يعبر في إطار المنظمات عن رؤية تعكس الطبقة الفعلية الجماعية. لكن في فترات الجمود أو التقهقر عندما تصبح المنظمة تنظيماً مستقلاً ذاتياً وعندما تصبح علاقتها مع الطبقة الاجتماعية لا تتم إلا من خلال مجموعة من الوساطات المعقدة - فإن الإبداع يغدو صعباً، وكثيراً ما يصبح الكاتب الحر هو أكثر قدرة من الكاتب المرتبط على إبراز الجمال.
في العصور الأولى للحكم المسيحي كانت الكنيسة هي التي شيدت الكاتدرائيات، ووظيفتها تحتم التوجه إلى الهرطقات، وما يمثل بدعاً في نظر الكنيسة هو كل من يستمع إلى صوت الفكر! والمعطيات نفسها تجدها عند بعض الفلاسفة، ذلك أنه ظهر عند أول وهلة أن المنهجة المفهومية في غير حاجة إلى اتصال مباشر مع الواقع، وأن بالإمكان أن تستمر في إنجاز عملها داخل المنظمة حتى عندما تفقد هذه الأخيرة الاتصال الواقعي والحي مع جمهرة الأوفياء!.. في الحقيقة لا يوجد فكر فلسفي أو منهجة مفهومية، إلا حيث تستطيع المنظمة أن تحتضن الكلية الاجتماعية، فضائياً وزمانياً، لكن المنظمة البيروقراطية تكون جد قريبة من اليومي، وتكون آفاقها جد مباشرة فلا يتيح لها الاعتقاد مع الرؤية الكلية التي يفترضها الفكر الفلسفي الحق أو الأدب الحق.
























نجيب محفوظ






"ثرثرة فوق النيل" لــ "نجيب محفوظ"*
معنى الزمن والمصير والموت والعدم

أسئلة كثيرة تطرحها رواية نجيب محفوظ "ثرثرة فوق النيل"، وهي تصور دواخل الشخصيات أو تعبر عن الواقع الذي تعيش فيه، أو من خلال السرد الروائي الذي قدمه خطابه، وانطلاقاً من النظرات التي يمكن أن تتحكم في المقاصد الواقعية والعصرية والوجودية التي رمت إليها الرواية. ولدى كل سؤال نجد اشتباك الأجوبة.
- هل العدم مغزى الحياة!؟..:
مع المصير المجهول والموت والليل والظلام، تعيش ثرثرة نجيب محفوظ فوق النيل، ومع العدم تتشوف تجربة الإنسان على رعب. وتحس إحساساً مختلفاً يجتاح جوانبك حين تحاول "الثرثرة" في بعض جوانبها، فتح مغاليق مجهولك وتتطلع إلى ما وراء الأشياء وتتعمقها، حيث تبدأ من لا شيء لتصل إلى لا شيء.
لا شيء يستحق الاهتمام، و"العدم" هو المحور الذي يهيمن على وجودنا، إن كنا حقاً نحس به، وما الحياة إلا خرافة أو نكتة سمجة يعيشها الإنسان من خلال شاشة رجراجة، تخنقه، ترميه جثة في نهاية الطريق. وتنتهي الحياة كأنها لم تكن شيئاً.. لا شيء يبقى كما هو.. كأن لم يعش إنسان بلحمه ودمه.. إنسان عليه السؤال "هل حقاً سنموت يوماً ما؟" الدوامة هي عالم مشهود لثرثرة، مجال لأفكار تدور وتتحرك، أشخاصها اندحروا في رقعة صغيرة، - استسلموا للحشيش يمتصونه مع مهرجان الجمر المتوهج. جميع هؤلاء الساخرين "الحشاشين": "تكوينات ذرية فقدوا الشكل واللون، اختفوا تماماً ولم يعد يوجد منهم شيء يرى بالعين المجردة، ليس ثمة هناك إلا أصوات".. أصوات تتحدث خلال رؤية مسطولة حالمة عن هذا الزمن الذي يتواتر.. والذي يبدو أنه يقصر ويتقلص حتى يغدو زمناً خاصاً بالأشياء والناس.. ويكبر ويتسع ويمتد حتى يصير كوناً يبدو أنه لن ينتهي، فكيف للإنسان أن يعيش هذه الحالة المتناقضة من القصر والامتداد المتداخلين المتماهيين.. ما عذاب الإنسان الزمني؟.. ما معاناته في حساب المصير؟.. لا بد أن يقف كل شيء في نهاية الأمر، لكنه يقف ليعود إلى دورته الجديدة. الزمن خاص وعام في الآن ذاته، وهذا سر التباسه. فما المغزى؟.. ما الموت؟.. ما الحياة؟.. ما العدم؟.. ما البداية.. ما النهاية؟.. "حين قرأت الثرثرة لأول مرة، أحسست بمالها من قبض آسر للنفس. أحسست بذلك الأسى العاتي يسري في كل لفظة من ألفاظها، في كل صورة من صورها التعبيرية الفنية، في كل شخصية وشجرة وحركة ورؤية مضببة مسطولة نراها بعيني أنيس الداخليتين"(1) ومن عيني أنيس الثقيلتين- الشخصية المهمة في الرواية - يتفجر الدم منهما وهو يرى الإهمال في كل شيء وتنعدم الأعوام والشهور والأيام تمر على الإنسان والزمن الكوني يتحداها فلا تنقص منه شيئاً.. هذه الأفكار ترتجف، وتصبح على شكل أفكار فسفورية متلاحمة، ينفتح بها ذهنه المسطول عبر أشجار الجازورينا والياسمين والأكسيا والياسمين والحمام الأبيض والحوت.. والموت. وفي المساء حيث الحزن "يقتحم عليك المأوى بلا دعوة" يرنو أنيس بعينين ناعستين إلى المغيب يحسو من الفنجان السادة الممزوج بالسكر ويلعق بلسانه الرواسب، ويطير مع الأشعة الذاهبة فتمثل له المساء بشرا عابثاً قد عمر الملايين من السنين وراح يعرض بامرأه، كلما هجرها محب ارتمت بأحضان آخر"، وقال: "إن ذلك سلوك يمكن أن تغر به أوجه القمر المتتابعة من المحاق إلى البدر"..
**خلاص المعاناة.. المعنى أين؟.
انتهى أنيس زكي هذا بعد وظائف عدة إلى موظف في "معتقل الأرشيف. متحف الحشرات "هل الخلاص في قاعدة الحب؟ هل يتغلب أنيس على عدميته وعلى دورة الزمن الخاص المؤدية إلى موته بالحب وحده دون العلم. هل يستطيع الحب أن يحل اشتباكات خفاقة في الحياة وفي العلم وفي تعرف وجوده وإنسانيته وتقلبه في حمأة معاناة مجتمعه. لقد فاته كل شيء، وانسدلت الحجب على كل شيء، فهل ثمة خلاص لمعاناته وهو يقف وراء الحجب التي أغلقت نوافذه.. يضيق ذرعاً بالصراصير والعفن والعنكبوت والنمل بعد أن أسره الجيش، وحين يقدم المدير العام - المملوك في نظره والذي تشبه صلعته قارباً مقلوباً - حين يقدم له بياناً عن حركة الوارد، يكتشفان معاً أن الورقة بيضاء، لأن أنيساً كتبها والقلم خال من الحبر، فيسأله المدير في حيرة: "خبرني يا سيد أنيس كيف أمكن أن يحدث ذلك؟ "فإذا به يغيب في السؤال أو يغيب السؤال فيه، وتكبر أمامه "كيف" وتتسع وتتسع حتى تشمل أزمته هو أزمة الوجود، فيتساءل "أجل كيف. كيف دبت الحياة لأول مرة في طحالب فجوات الصخور بأعماق المحيط". وتنهال عليه نبرات الوعيد الحادة مشفعة بحركات التهديد من مديره العام: "عيناك تنظران إلى الداخل لا إلى الخارج كبقية خلق الله.. "..إلى الداخل، حيث يذيبه السؤال: "إلى أين؟" إن الإنسان المعاصر يعيش أزمة تتجلى في كل شيء، تهدده لحظة الصفر، وتأخذه الحركة الدائرية "التي تتسلى بالعبث". إنه - أي أنيس- ما يزال ببساطة يجهل كل شيء عن نفسه، وإنه ليس ثمة معنى لأي شيء. إنه يعيش في الحياة التي تتصادم أمورها في أعماقه تصادماً سريعاً، فتجعله نزقاً، راعباً- مرتعباً يبحث عن شيء في لا شيء "فيا أي شيء افعل شيئاً فقد طحننا اللاشيء" ويقوى ضياعه ويأسه من كل شيء انسطاله الدائم، وحتى عندما حاول أنيس زكي: "الموظف الفاشل" والمثقف المثالي الذي ظل طوال الرواية صامتاً مسطولاً فجاء في النهاية ليفيق ويصمم على أن - يجرب قول ما يجب قوله- .. سرعان ما يعود إلى سطله"(2). ويخترقه خوفه من الموت قبل الموت، ويتساءل أهو خوف الموت أم الحياة؟ الراحة لا معنى لها، ولم يبدع الإنسان ما هو أصدق من المهزلة". "إلى أين "هذه التي يمكن وضعها أمام هذه المعاني السابقة وأفكار أخرى متعددة حول الوجود الإنساني، تضيع من رأسه، فيتلهف راكضاً وراءها يريد أن يمسك بالخيط، ويتألم لها عندما تضيع، وتختفي عبر ماضيه حيث غيب في التراب أعز ما يملكه: زوجته، وابنته، وحيث فاته النجاح في الشهادة والحصول عليها ولم يفته العلم وحيث لم ينجح في كلية العلوم ولم يتخرج فيها لكنه لم يتوقف عن طلب العلم بنفسه وتكرر الأمر نفسه حين التحق بكلية الطب والحقوق. لقد أخفق في حياته حيث "يسقط الفعل وتموت الكلمة"، فالتحق موظفاً يعايش التفاهة، ويرصد الوارد والصادر مع أنه "ثمة آلاف من الشهب تتناثر مع الكواكب لتحترق وتتبدد منهالة على جو الأرض دون أن تمر بالأرشيف أو تسجل في دفتر الوارد. أما الألم فقد خص به القلب وحده "لأن كل تلك الإخفاقات ترسبت في داخله المتوهج المتنابذ، تتحول إلى أسئلة تبحث عن أجوبة صعبة، كلما عمر الحشيش دمه وأعصابه وإحساسه بالخارج هرباً من قسوة ما ينتظر وعيه، كلما ازداد توتراً وحرقة وتشتتاً وتمزقاً في ضبابه الدخاني الحار: ويبقى الخارج يكبر بدلالات إرهابه عليه ويتسع في كل ما تقع عليه عيناه الدائختان: "وأنيس إذ نراه في العوامة يدمن الحشيش ليخبئ في ضبابياته وخدره مخاوفه فما تزداد إلا عرياً، ولا يستطيع أن يفيق منه لحظةً، لأنه لا يحتمل آلام الإفاقة وأهوالها. فالإفاقة.. تعني مواجهته بدبيب العدم الزاحف"(3).
- الموت والدورة الكونية والغربة الكونية:
لقد فقد أنيس إيمانه بما يعوز الإنسان حتى "يسوغ" صيرورته، حتى يستمر..فقد إيمانه بالناس، وبالكون، وبالدين، وبالفلسفة، ويخشى كل شيء، ويضيق بكل شيء كما يضيق الضيق بالضيق، ويدب العدم حوله دباً، يدور، كما يدور كل شيء: الشمس والقمر والأفلاك ويؤدي إلى الموت. "لا شيء يسمع إلا دبيب الموت".. والجوزة تدور "لأن كل شيء يدور ولو كانت الأفلاك تسير في خط مستقيم لتغير نظام الغرزة". ومن الدورة يتولد التعب من الدوار ومنه يهجم الموت أو - على الأقل- التفكير بالموت، والاندفاعات الإنسانية تلقائية، آلية لا تعني شيئاً غير (الشكل) و(الظل). فهو غريب عن الناس، غريب عن أصحابه في العوامة، ولا يجمعه معهم إلا "الموت"، وهو "عندما يدقق النظر في وجوههم تتكشف له عن ملامح جديدة كأنها وجوه غريبة، ويشعر أنه غريب وسط غرباء"، وغربته عن نفسه تجعله يستيقظ" على منظر ساقه المطروحة لصق الصينية طويلة بارزة العظام، باهتة اللون في الضوء الأزرق، كثيفة الشعر، كبيرة الأصابع، مقوسة الأظافر من طول إهمالها بلا قص، فكاد ينكرها، وعجب لعضو من جسده كيف يبدو كالغريب". والكون حول أنيس حين ينظر إلى (خلفية) بعضه عبر نافذة العوامة، يمثل رحلة الفضاء عبر رؤيا مسطولة للأشياء، تتشابك مع التاريخ في توتر "فتبدو الكلمات حليه جميلة من الشعر "تشدك إليها شداً عند القراءة الأولى للرواية، وتتبعثر أفكاراً ورؤى إنسانية مأزومة في حالة التعمق الثانية، لقد رغب نجيب محفوظ، أن يستخدم التاريخ وأن ينقله نقلاً يود أن يخدم الفكرة والشخصية. ويصبغ الكون من شجرة وحيوان، وطير، وإنسان، صبغة تتولد فيها المعاني وتشعرك بأن كل شيء مكرور.والإنسان حين يصل إلى القمر، فسوف يخرج من لا شيء إلى لاشيء..
- العدم بين التاريخ الزمني والكوني:
إن حركة التاريخ في "العوامة" توحي دائماً بالعدم، مع أن أحداث الرواية تسير في زمن متلاحق نسبياً، إلا أن الوجود الزماني للشخوص يشكل حيزاً واسعاً من "الزمان"، والشخوص الإنسانية المنتزعة، تستقطب الوجود الإنساني كله، متحدية، عنيفة في مواجهة الوجود الكوني. لكن هذه المواجهة العتيدة المتبدية بأشكال مختلفة في شخصيات الرواية، تمتزج امتزاجاً خالصاً بفكرة العدم، وتجعل منها - أي المواجهة- لوناً من ألوان العبث والعذاب. ويتضح ذلك من تلك الرؤية الفيزيقية، حيث ينشغل أنيس بالكون فيتخيل "الراصد" من فوق وهو يشهد "ثمة تجمعات دقيقة تنفث غباراً مما يكثر في الغلاف الجوي للكواكب وتصدر عنها أصوات مبهمة.. وهذه التجمعات الدقيقة تختفي لتعود دون هدف واضح".
فتارة تدق حوافر المغول أسماعنا، - تدق حدود مصر. وتتبدى في اشتياق الحسناء كليوباترة بارزة في تبلج الفجر من بساطها المنطوي ممتلئة ثقة أمام يوليوس قيصر. ويخيم علينا: "الخيام" بعد أن أفلح في الفرار من الموت، ويظهر لنا أنيس وقد وقع في أسر الهكسوس، يبكيه فرعون، كما نراه في صحبة الرشيد، وهذه ليلى زيدان تشخص لنا راعية في صحراء سيناء في عهد خوفو لدغتها حية فقضت عليها، وتارة أخرى يهتف أنيس "برفاق العدم" حين يحتدمون متمسكين بعبثهم وإباحيتهم: أيها الأوغاد أنتم السبب في سقوط الحضارة الرومانية!
وقد عملت الرواية على أن تلغي الزمن وتتخطى حواجزه وحدوده، فيحضر الزمن الماضي إلى الحاضر وتتناسج معه، وتبدو إسقاطاته تدعونا إلى التأمل، وفي هذا الإحضار لا يهم الرواية، تعاقب التاريخ أو تجمع المتشابكات فيه في فترة واحدة أو حساب المكان الواحد، بل تترى الشخصيات والمواقف تهمي كالمطر تخترق دخان الحشيش الذي يملأ العوامة، ويعود الانسطال وسيلة من وسائل هذا الاستحضار الخارق وتهديماً لحاجز الزمن والمكان والمعقول. إن دخان الحشيش الذي قد يعني من ضمن ما يعنيه حجب أهل العوامة عن الخارج ليعيشوا معناهم العدمي والعبثي مثلما تعني العوامة انفصال المكان وحجزه لهم وحدهم يمارسون فيه طقوسهم وانفلاتهم كما يمارس: "أنيس" تأملاته ورؤاه المسطولة يسمع ما لا يسمع ويرى ما لا يرى وهو يتمثل عدمية الوجود في كل شيء. وإزاء ذلك كله، نكاد نرى في الكلمات والتصرفات والاستحضارات كل شيء، أو لا شيء- المعنى - أو اللامعنى- الحقيقة- أو- الأكاذيب- ما يسوغه شهر إبريل شهر الأكاذيب حيث يتم الحديث الروائي في الرواية الذي يجعلنا نتقلب في وراء الحديث بين طرفي التضاد:
- الأمور المطروحة # وما ينقضه الوعي بالواقع..
"ننظر بعين حادة إلى تلك العبثيات. أو الرؤى المضببة المسطولة التي يرى أنيس بها الوجود"(4).
والقمر رمز العدم لأنه يظهر ويختفي. هو "العدم الأكبر" إن صحت التسمية، الذي يأخذ بلب أنيس: ويرشقه في دوامة "اللغز" في الوجود والأزل حين يطير مع أشعته الذهبية مشرقاً و"يسقط" معه محتضراً. لقد فقد القمر مدلوله الذي كان له في القرية، وأنيس يذكر بحدة كيف كان مرهقاً في الغارات السود "وها هو ذا البارع يتواثب لغزوة جديدة وهو كجميع الغزاة يتحلى بقسوة حادة كالدرع". إن حالة الانشغال" بالقمر" تنبعث من الخوف من الموت أو من الخوف من الحياة! والقمر فيما يبدو - في قبة المجهول، يبحث عنه الإنسان وهو عابث في الخسارة وتلألؤه مندرج في زحف الدورة التي تبقى بلا تفسير "هاكم الموت يزحف ويمد قبضته إلينا، ثم مأدبة مُدّت للفناء". "ذلك هو النظام الكوني كما قال العلم، وأنيس يجد في ذلك كله معالم الفناء، كل دورة تمثل خطوة من خطى الموت والعدم"(5).
لن يكون من طريق سوى العدم، في العلم، وفي الدين وفي الحب. كل موهوم، والعدم هو الصيرورة الواضحة الأولى، التي تلفنا وتعصرنا وتجعلنا نتصرف على نحو أو آخر، حتى "الحركة" أي حركة يتساءل عنها أنيس، ويجد "العدمية" تكمن في ذبذبتها، وحين يطل على التاريخ من خلال رؤيته المسطولة على رفاق الموت: أصحابه، تقتحم التساؤلات رأسه وينفسح خياله دوامة تدور وتدور، إنه يفكر بطريقة عجيبة في العدم. وفي مزج فكرته مع شخصيات التاريخ المستحضرة لديه، والمتميزة في حالة من حالات الأسف والحرقة. فيطعم فضولنا بنيران حوادث خاطفة، تمايلت حائرة، دسمة، فاتنة على لسانه لتخلط العبرة - إن كان ثمة عبرة خالصة- بالسخرية إزاء التجارب الإنسانية في الجنون، والحب، والطب، والهبوط الأول، وآدم وحواء. وخير مثال على ما أوردت حين يتساءل المسطول العدمي هذا: "هل اجتمع هؤلاء الأصدقاء- كما يجتمعون الليلة- بثياب مختلفة في العصر الروماني؟ وهل شهدوا حريق روما؟ ولماذا انفصل القمر عن الأرض جاذباً وراءه الجبال؟ ومن دجال الثورة الفرنسية الذي قتل في الحمام بيد امرأة جميلة؟ وما عدد الذين ماتوا من معاصريه بسبب الإمساك المزمن؟ ومتى تشاجر آدم - بعد الهبوط من الجنة- مع حواء لأول مرة؟ وهل فات حواء أن تحمله مسؤولية المأساة التي صنعتها بيدها؟ "حواء صنعت مأساة، الهروب، من وحوش الموت والقلق في هذا العصر الغريب على الأرض، وكل عصر. والخيام الذي كان مدرسة أمسى فندقاً للملذات، وقد قال لأنيس مرة: "إنه لو كان امتد به العصر إلى أيامنا لاشترك في أحد النوادي الرياضية". في هذه الجملة السابقة إلى جانب جمل أخرى سأذكرها، نتعرف إلى توق ينز بالدم ينبت أحياناً في أعماق البطل العدمي لأن يحصل على شيء أقوى من العدم ذاته، ولعل هذا ما أشارت إليه صراحة "سمارة بهجت" حيث قالت له: "لا تسئ بي الظن، إني أحبكم حقاً وأرغب في صداقتكم، وفضلاً عن هذا وذاك فإني أؤمن بأنه يوجد بطل كامن في كل فرد. ولكن هذا التوق نحو الخلاص، يبدو على شكل شعاع ضئيل أحياناً في محاولة حبه لسمارة. والصورة الأخرى عند أبطال العوامة في البحث عن الحقيقة، والانطلاق نحو مواقع جديدة يضعون عليها أقدامهم- صورة شاذة عبثية، ولكننا مع ذلك لا نملك غيرها بعد أن لحق العجز آخر الفلسفات الإنسانية في فض كنهها وغدت فلسفة اليوم كامرأة ساقطة "وهم مجموعة من الساخطين الرافضين للعصر الذي لا يكن للحب احتراماً، يمزقهم اللانتماء، يواجهون الحياة بالعبث"(6). فمن خلال العبث يودون الوصول إلى "المعنى"، فهو عبث يرفض أشياء كثيرة ما دامت "الفناطيس بحالة جيدة والحبال والسلاسل متينة وعم عبده ساهراً والجوزة عامرة، فلا هم لنا.." هم آمنون إذن، ولم لا يكونون كذلك، وعم عبده هو الحبال والفناطيس والزرع والطعام والكيف والمرآة والأذان؟!.. وعم عبده هذا شخصية مهمة جداً تخدم "فكرتي" عما بحثت عنه في عدمية الرواية، فهو (الفكرة المطلقة) التي يوافقون عليها جميعاً، حيث يتجسد فيها معنى "الخلود" مقابل الموت، وقد أضفى عليها نجيب محفوظ ملامح إيمائية رائعة تنبض بالقوة والإعجاب، حيث يشعرنا بطريق غير مباشر، ما يحس به أهل العوامة وخاصة "أنيس"، من (الطرب) لرؤيته، و(تنبه) يصل إلى درجة (الحسد) الحقيقي للرجل الذي "لا يمرض ولا يتأثر بالجو ولا يعرف عمره كما يخيل (لأنيس) أنه لا يموت". لكل شيء نهاية و "حلت اللعنة التي تجعل لكل شيء نهاية" ولكن عم عبده "نسل الديناصور" يظل، أبداً، بدء النهاية.. إنه الإنسان الذي تجب محادثته قبل وبعد ذهاب الصحاب رغم أن المعاشرة بينهما لم تتجاوز الشهر، ونحن نعرف أنيساً الصامت الذاهل، ولكن عم عبده يستقطب تفكيره وإحساساته، ويبدو الإنسان الوحيد المحبب لديه (فعلاً)، إنه عالم "يشع كونه جاذبية لا تقاوم" و"رمز حقيقي للمقاومة حيال الموت، ورأى كل شيء.. حتى العفاريت؟! "إن مجرد ظهور عم عبده حين تغيير الجوزة، وخروجه، كان يشكل وحده نغماً عجيباً خاصاً، ونفحاً يفتق فيهم الإحساس بتوقهم المطلق نحو هذا البناء المتكامل الذي يبدو أنه لن يموت، فيتراشقون كلماتهم على انبهار معنية بهذا الخفير المحير، الذي يحفظ "دنياهم" العوامة. إن العالم في حاجة إلى رجل في عملاقيته لتستقر سياسته.. ويقول رجب إله الجنس مدركاً تلك الحقيقة: "من حسن الحظ أنه مثال الطاعة وإلا فلو شاء لغرقنا جميعاً..".
إن معنى الموت يجبه أنيساً، ويقف أمامه كسؤال الاسفنكس الخالد في قصة أوديب المعروفة(7)، وعم عبده يمثل الوجه الآخر من الصورة، فهو ببساطة - فقد كل شيء ونسي كل شيء(Cool "هذه هي أزمة الإنسان المعاصر، كل مكاسبه تضيع في دوامة الصراع، المهدد في كل لحظة بانتهاء إلى لا شيء. والعوامة بالفناء في كل لحظة" ويبدو "الاطمئنان" في هيكله الذي يناطح رأس العوامة أولاً، وتلقائيته الوجودية النفسية في الحياة ثانياً، إنه مطمئن لوجوده لأنه لا يحس بالوحدة، أما مشكلة الموت فإنها ظل أنيس الذي يؤرقه في انسطاله وإفاقته، والشعور القاسي العنيف في إدراكه بأنه سيموت وحيداً كما يعيش وحيداً، ولا يربطه بأصحابه إلا الموت، وأن آلاف العوالم تنطفئ فيه، والعدم حتمية شاملة ما كان الإنسان كائناً من كان أن يفلت منها. وفي الفصل السابع عشر، نجد أن نوعاً من (المطاردة).. مطاردة العجوز تغلف إحساس أنيس اللاواعي، ويقول له مداعباً "تطاردني يا عجوز "إن أنيساً يخاف من الناس خوفه من إخفاقه الذي يلاحقه أبداً في تفكيره، وتأملاته، لذلك نراه يسأل عم عبده سؤالاً يفيض مرارة، وضياعاً، بطريقة جد موحية، حيث جعل نجيب صيغة السؤال تواجه عم عبده في "ماذا تصنع لو طردتك من العوامة؟ "فيجيبه وهو يضحك" جميع الناس يحبون عم عبده". إن "طردتك" هذه تتعلق علاقة غير مباشرة بـ "طرده" هو من الأرشيف، والعذاب القاسي الذي يشب لظى في أحشائه من جريرة ذلك إنه يخاف من حياته خوفه من موته في هذه اللحظة، ولا يدري ماذا يعمل ببطالته ولكن "جميع الناس يحبون عم عبده" وهل الناس يفعلون ذلك أو فعلوا الشيء نفسه إلى "أنيس؟! "فيسأله" أتحب الدنيا يا عجوز؟" وبالطبع تكون الإجابة متناقضة تماماً، لما يحس ويفكر به أنيس" أتحب كل ما خلق الرحمن"، وأنيس أبغض كل ما خلق الرحمن، لأنه فقد كل ما يصله بالرحمن، لأنه فقد حتى حبه لنفسه، إنه في غربة عن ذاته، ومجتمعه، وكونه. وإن "طول عمر الشجرة- وحده- يكفي لإقناع من لا يريد أن يقتنع بأن النبات كائن لا عقل له "ولا فائدة من أن يعمر الإنسان كسلحفاة، ولا جدوى من إطالة عمره، فلن يكون إلا كالملك في مسرحية ايونسكو "الملك المحتضر" الذي تحدى الموت بكل شيء فلم ينفعه شيء - : "سيصبح الملك صفحة من كتاب مؤلف من عشرة آلاف صفحة، وسيوضع هذا الكتاب في مكتبة تشتمل على مليون كتاب، وهذه المكتبة واحدة بين مليون مكتبة". وحتى الفصل الخامس عشر، حين قامت "الجماعة" برحلة السيارة المشؤومة وحصلت جريمة القتل، وحاول رجب قتل أنيس، كان يبدو لنا أن كل شيء في انتهاء، وأن الذين جمعهم الموت والعدم كاد أن يشتت شملهم الموت أيضاً.. كل شيء كان يبدو في انتهاء، غير واحد!.. "فالكيف" نفد من السوق، ومعرس الجوزة داهمه الخراب، والخيال مات ولم يبق في الرأس إلا ضغط الدم، و"سمارة بهجت" لم تعد تصلح لشيء رغم جديتها وهي صائرة "إلى موت محقق" "موت يدركك وأنت حي"، وعلامة الاستفهام تكبر وتنتفخ، تدوم مدوية في أعماق أنيس وهو بدوره ينتظر الموت الذي سيظهر ليبتلع العوامة.. غير واحد عملاق خلفه أقزام يركعون، يؤذن ويؤم الناس في الصلاة.. عملاق وحده راسخ كالطود.. إن شخصية عم عبده تذكرنا بشخصية "وات" إلى حد ما في رواية "بيكيت" المعنونة باسمه، فوات هذا الرجل عجوز من مثل عجوزنا في الرواية يخدم رجلاً غريب الأطوار هو "المستر نوت" ولا مجال هنا للمقارنة الفعلية، فنجيب محفوظ تأثر تأثراً واضحاً في الثرثرة بثورة اللامعقول، مسايراً بذلك التطور الحديث في الرواية الأوربية والأدب الأوربي. ويمس أوتار العبث في قول ألبير كامو في "الحرية العبثية- : "أنا لا أعرف إذا كان لهذا العالم معنى ولكني أعرف أني لا أعرف هذا المعنى، وأنه من المستحيل عليّ هذه اللحظة أن أعرف هذا المعنى. ماذا يهمني من تفسير خارج عن عرفي؟ أنا لا أستطيع أن أفهم إلا بالألفاظ البشرية".
- نجيب محفوظ وأدب العبث اللامعقول:
إن اختيار نجيب محفوظ (للعوامة)(9) كمكان، لمجاري الأفكار "التجريدية"، تعطينا انطباعاً خاصاً لأفكار جديدة على أرض جديدة لكن الأشياء والصور التي يسكب فيها الكاتب أفكاره، من خلال ما يتجسد في "العبارة الرؤيوية" توسع من دائرة الضوء في المصادر الأدبية التي هي - كما قال ألتيك- أكثر سلامة من تلك التي تتعلق" بمصادر الإلهام في حياة الكاتب". إن مسرح العبث قد ألقى عليه بساط البحث كثيراً من الأسئلة التي افترضها نجيب محفوظ، حول العدم والموت، بل إن العنصر الجوهري الأول في هذا المسرح وهو الحضور أو شرط الحضور- كما يطلق عيه أصحابه- دون الحركة أو الإغراق في تغيير الحركة في المكان والزمان، يتوافر توافراً مشابهاً في الرواية، فالأفكار هي التي تتحرك، لا الأشخاص. بل إن أفكاراً رددها "بيكيت" و"ايونسكو" و"جان جوني" مثل: "إننا لا بد هالكون، من سينقذنا، نحن لا شيء، ونسير نحو لا شيء لننتهي إلى لا شيء في عالم غامض ثقيل تحف به قوى الموت والعدم".. هذه الأفكار موجودة في أكثر من مكان في الثرثرة كما عرضتها سابقاً. إن شخصيات "بيكيت" معزولة معنوياً عن الحياة، وكذلك شخصيات نجيب محفوظ في الثرثرة، إن الحديث الفكري الذي يتردد في أعمال الأول مشابهاً - ديالكتيكيا- لعمل نجيب محفوظ الأدبي، في اصطباغ هذا الحديث بهذا المضمون الحزين المأساوي، الذي يبدو لنا صدى كيان الإنسان في هوة سحيقة لا نهاية لها.
- هل شخصيات الثرثرة مقنعة جميعاً؟:
والسؤال الذي يثور بنا هو: هل شخصيات الرواية "مقنعة" وبخاصة شخصية "أنيس"؟ الرواية كاملة، تولدت تولداً غير عربي إلى حد ما، وهي عبارة عن أفكار دومت في أعماق نجيب محفوظ بعد إطلاعه على أدب العبث، فكانت تلك الشخصيات التي تثرثر فعلاً، تدخل حال دخول العوامة، في مناقشات مبتسرة، تعطيها شيئاً من "الزخم" الروائي حوادث جانبية تثير الفضول أكثر مما ترضي العقل ويتبدى ذلك في شخصية سمارة "السرية" حين تسبق الحضور، وسناء حين تروض خصلة من شعرها مقهورة، وليلى زيدان العانس والخراب يزحف على عينيها، ثم سنية كامل وهي تخرج ضحكاتها المكبوتة من الحجرة المغلقة.. وهل هذه الشخصيات الأفكار تمثل المجتمع العربي في مصر، فعلاً؟ أم أنها أشخاص أو أشباح أشخاص "مستقبلية" تراود مخيلة الكاتب، أم أنها جماعة غريبة لا تمثل إلا نفسها؟ الجواب أن كل الدلائل تدل على أن أبطال الرواية ما عدا أنيساً - وعم عبده عاديون بل جد عاديين وهم يثرثرون على نحو أو آخر دون أن ندرك، أو نأخذ فكرة سليمة عن شخصياتهم، أو الدوافع التي تملي عليهم هذا الكلام أو ذلك، بل إن الحوار يعود يتشابك ويتشابك، حتى ما نحس بعده من يتكلم فعلاً وحتى الذي رأى في هذه الثرثرة - ثرثرة فنية بصورة مطلقة- أكد أننا لا نستطيع رؤيتها كذلك، إلا من خلال شخصية أنيس "الذي قاتل العدم طويلاً، وبلا هوادة"(10)، والذي بقي يرى العدم في كل ما حوله، "لو أننا فعلنا ذلك - أي لو عددنا أنيساً رجلاً تفلسف وعانى وفقد الحب وخاف وغاب في رؤاه الانسطالية - لكان معقولاً في كل رؤية رآها وكلمة قالها(11) لكن الرواية /الثرثرة ليست رواية/ ثرثرة أنيس ولا عم عبده وحدهما. فالعالم المخلوق الذي احتوته العوامة فيه شخصيات أخرى لم تبلغ - فنياً- مبلغهما. فالطالبة الجامعية في المجتمع المصري المتوثب تحولت إلى عاهرة، والفتاة المثقفة غدت شيئاً منحطاً تتناقلها الأيدي، كدمية، والزوجة - أية زوجة- مدمنة جنسياً تمارس تعدد الأزواج لكنها تظل "امرأة حنان" أمّاً رؤوماً حتى في "عشقها"، العالم يعيش على كف عفريت، ولا بد من رأس الحوت أن يظهر. إن هذه الشخصيات التي عرفنا أسماءها تتردد وتتردد في كل صفحة ولم نتعرف أعماقها، لم تكن إلا الأفكار عادية مجردة، صيغت في بوتقة الجوزة العامرة، وأنا أعرف حقيقة أن المجتمع المصري بخاصة والعربي بعامة ليس على هذه الصورة. وكاد ما يصلنا يدل دلالة أكيدة على زخور الحركة المثقفة وانفتاحها في مصر، وتطلعها إلى (منائر) جديدة من الأخلاقية المجتمعية والتقييس الجديد لجميع ما يستجد في بناءات المجتمع المتحول، أم أن مجتمع الحشاشين سيظل وصمة القطر المصري. فهل يمكن للأديب العربي بالذات أن يطلق مرحلة الرؤيا الاجتماعية البحتة إلى الأبد في مرحلة بحثه الفلسفي وأن نشتم روائح أخرى مميزة؟.. أن نعايش تطلعات المصري الجديد؟ إن المثقف في - القاهرة الجديدة- قد حاول الدفاع عن "قضية"، أفلا يمكن له الآن أن يدافع عن (قضية أخرى) في الثرثرة؟ أنا لا أنكر على محفوظ الروائي الكبير تطوره أبداً، بل إني أنكر استخدامه هذا التطور في إعطاء مثل هذه الصورة المشوهة عن المثقف المصري الحشاش بكل قطاعاته!.
على أننا لو افترضنا وجود هذه الشخصيات بأوضاعها (ما عدا أنيساً وعم عبده)، فهي ليست مقنعة بما تحمل من أبعاد فكرية، ونفسية، وثقافية كما بدت في الرواية، بمعنى آخر إن حال تلك الشخصيات غير طبيعي، وسياق الرواية في التأدية للتعرف إليها من الداخل، لم يكن مقنعاً بحيث نرتضي أوضاعهم في العوامة.. على أنهم كذلك. إنهم عاديون في حديثهم، متشابهون في محور أفكارهم واستجاباتهم، وغير عاديين في أوضاعهم.. أوضاع كل منهم على حدة، ومن هنا نشأ التناقض. إن "الآلة" التي مجها الغرب وجعلت من عدد المصابين الذين يدخلون إلى المصحات، قدر عدد الجامعيين الذين يدخلون الجامعات، هذه الآلة ما زلنا نحتاج نحن إليها، إننا نفقدها. والمرحلة المتدهورة التي يعيشها الغرب، لا نعيشها نحن بحال! إن التراث الحضاري العربي، وأفكاره متميزة تميزاً عجيباً عن أي فكر آخر وهو عندما يأخذ، نراه كأنه يعطي، إنه موهبة ما زالت تبعث بشرارتها الأولى "الأصيلة" بالرغم مما أصابها من نكبات - كان يمكن لهذه الشخصيات أن تفكر مرحلياً بما يدور حولها من ثقافات! إنما أن تعيش على هذه الطريقة من العدمية دون تسويغ مقنع وسط شعب متأجج، مثقفوه أكثر نجاحاً وحماسة، وصيرورة نحو ما هو أفضل، دون أسباب عصابية أو دواع حياتية خاصة لم تظهر لنا بوضوح فنياً ونفسياً، فهذا ما لم نعثر عليه إلا في الأعمال الأدبية الأصيلة وفي أعمال نجيب محفوظ نفسها. إن الشخصيات الروائية من "سناء" حتى "رجب" يمكن أن نجد لها شخوصاً ممسوخة لأفكار تمت إليها بصلة قريبة أو بعيدة، أو شخوصاً تتكلم بأفكار حقيقية لأعمال اللامعقول، ولكن هل هذا يعنينا في شيء؟ إن كاتباً مثل "بيكيت" نكاد نجد أكثر شخوصه موجودة قلباً وقالباً في مسرحية أخرى له، أو لغيره وكذلك الأمر بالنسبة إلى "يوجين ايونسكو" فإن الملك "بيرنجه الأول" الذي يعيش تجربة موته وينتظره عارفاً به في المسرحية المسماة "الملك المحتضر" هو بطل "ايونسكو" المشهور الذي نراه في كثير من مسرحياته في "الكركدن" مثلاً وفي "سيارة الهواء" و"القاتل المجاني"، إذن لا يعنينا ذلك من وجهة النظر هذه، لأن فكرة العدمية هي الأساس والمحور الذي يدور حوله أي عمل فني لا معقول، وما يمكن قوله بالنسبة إلى (الثرثرة) فيما يتعلق بهذا التشابه، بين عمل فني معين وعمل فني آخر،هو أن أفكاراً عدمية، ألبسها نجيب محفوظ - مختصرة- لباس الشخوص الملتفة حول الجوزة، والجمر فـ: "هذه الشخصيات ليست حقاً شخصيات عبثية تتخذ من العبث فلسفة في الحياة، بقدر ما هي شخصيات أقرب إلى المجون والأغلال أو الغموض والاستهتار، لا يختلف تضييعهم الوقت في إحدى العوامات عن تضييع غيرهم الوقت في أحد النوادي أو المقاهي أو الحفلات"(12) وصب عمله الروائي - مبدعاً- على أنيس، الذي بدا لنا شخصية مقنعة ورائعة، تعيش في إشراقات دائمة يبثها الوجود حقيقة في أعماقه، فيفجر أحاسيسه وتأملاته وذكرياته. ومن هنا، فإني أعتقد أن الرواية لم تفقد أهميتها الفنية - على الأقل- لأن شخصية أنيس العصابية وحدها تستقطب اهتمامنا فعلاً، وناجحة، منذ أول حرف سطره نجيب محفوظ لأبعادها، وقد استطاع أن يدرس أزماتها خلال البنية الدرامية في الكيان النصي للرواية دراسةً دقيقة، موحية، عميقة، تنبض بالألم.. والمأساة. أقول - عصابياً- لأنه يمكن أن يصيب المرء الموت - كما يصيب كل من يعيش على هذه الأرض- من أجل ما يصبو إليه دون أن يمنعه ذلك من تجربة الحياة والسعي فيها نحو الغلبة وتأكيد الذات، أو أن يتزوج إنسان، ثم تموت عنه زوجته، فلا ينهار كما انهار أنيس بل يصبر على الدهر والقدر، ويحيا "بالمعنى" الذي تمليه علينا الحياة، إنه - أي أنيس- الشخصية الوحيدة المتخلفة فنياً، إذ استثنينا عم عبده الذي يشبه إلى حد كبير شخصية "وات" كما أسلفت، على الرغم من أن الرواية أخذت اسماً جامعاً: "ثرثرة فوق النيل" وهذا يعني أننا أمام أشخاص وليس أمام شخص واحد يكاد لا يتكلم، ولكن الرواية له، ومنه. إن عصابية أنيس الحادة تتجلى من خلال رؤاه وصمته وحتى في إفاقته. و"النظرة الخاصة" التي منحها له رفاقه حين سموه بـ "ولي الأمر والنعم" تدل دلالة واضحة على موقفهم منه، وكذلك فإن أية كلمة كانت تخرج من فمه، كفيلة بأن تجعل المكان يضج بالضحك، حتى في "الجنس" حين يسأل "ليلى زيدان" قائلاً: "لم لا تتخذين مني رفيقاً" فأجابت: "إنك إذا استعملت الحب يوماً كمبتدأ في جملة مفيدة فستنسى حتماً الخبر إلى الأبد"، ومن هنا أدركت ليلى حقيقته، وحين تقول "سنية كامل" محاولة إيجاد رجل لسناء بعد أن هجرها رجب: "وإذا وقع المحذور فعندك مصطفى وأحمد "صاح أنيس بوحشية: "لماذا تغفلني إحصاءات الأوغاد؟ "ثم بغلظة وهو يضغط على مخارج الكلمات "أوغاد منحلون مدمنون".. كل الشتائم تكون نتيجتها أن أغرقوا بالضحك. إن أنيساً كانت تشغله مشكلة الموت شغلاً حاداً. وهذه الظواهر التي تدلنا على تفتحه للحياة كما رأينا سابقاً في تعبيره "لماذا تغفلني إحصاءات الأوغاد؟" لم تكن إلا "صرعات" تتبدى بين حين وآخر، على أثر منبه ما يحس به، لينتشله من "المذهلات" التي تسلب لبه وحسه وصوته أيضاً، سابحاً في ذرات العدم والموت التي تكمن في الأشياء والناس والليل والضوء. لأن أصل المتاعب مهارة قرد هبط من جنة القرود إلى أرض الغابة، وقالوا له عد إلى الأشجار وإلا أطبقت عليك الوحوش.. فقبض على غصن شجرة بيد - عنصر الخصب- وعلى حجر بيد- عنصر الدفاع والقوة- وتقدم في حذر وهو يمد بصره إلى طريق لا نهاية له، هارباً من وحوش الموت والقلق والمجهول(13).. ولكن إلى أين؟.. بهذا المعنى يختتم نجيب محفوظ روايته.

- نهاية الرواية:
إن نهاية الرواية ظلت (تبحث). والشخوص ما ونت تسير في طريق مجهول، بعضهم ظل (معاندا) رغم "الجريمة" خلال "حدته المفرطة" أكثر جدية في عبثه. و"نجيب محفوظ" على لسانهم جميعاً ظل بلا هدف بل يبحث عن هدف، بلا خلاص، بل يتشوف طريق خلاص في الطريق الجديد العجيب اللانهائي.
***
كان من الممكن لهذه الرواية أن تأخذ حظها إلى حد كبير من "الثرثرة الفنية" أي أن تكون (ثرثرة فنية) حقيقية، دون أن تشوبها (الثرثرة على الورق)(14) في أسلوب تجريبي حاول أن يجعله نجيب محفوظ جديداً على ما كتبه من قبل متأثراً بالروايات الجديدة الفرنسية خاصة: لو أن مجمل الشخصيات فيها نالت التركيز والتعميق والإثارة كما نجد ذلك في شخصية (أنيس) وشخصية (عم عبده) ولو أن فلسفة دورة العدم والوجود(15) في الرواية التي استغلت الزمن التاريخي والزمن الكوني كان لها مومئاتها الحادة وراء الواقع الذي كان يغلي في وقت كتابة الرواية وهو يستند على همومه بيد الشعب العربي في مصر الذي يقوم دائماً من عدمه بالثورة والطموح الذي لا يحد. إنه الشعب الذي لا تغيبه ظلمة الحياة ومغيباتها عن تخطيط طريق الضوء الذي لن يجهل مفضياته.
فالرواية تضع في حسابها دائماً أسباب التخليق الفني داخل مسوغات محلية وإرهاصات محلية وإنسانية متعددة المستويات والأبعاد.

***
 الإحالات
1- إبراهيم الصيرفي: "نجيب محفوظ.. الثرثرة"، في مجلة الفكر العربي. القاهرة، الدار المصرية للتأليف والترجمة، العدد السادس عشر، يونيو، حزيران 1966م، ص68.
2- جلال العشري: "ثرثرة فوق النيل- نجيب محفوظ"، في مجلة الفكر المعاصر. القاهرة، الدار المصرية للتأليف والترجمة، العدد الخامس عشر، مايو 1966م، ص85 (زاوية رأي في كتاب).

3- إبراهيم الصيرفي، "نجيب محفوظ.. والثرثرة"، ص70.
4- م.ن، ص74.
5- م.ن، ص72
6- أحمد محمد عطية: "نجيب محفوظ - ثرثرة فوق النيل"، في مجلة المجلة. القاهرة، العدد 115، السنة العاشرة، يوليو تموز 1966م، ص117.
7- رأى بعض النقاد جانباً مهماً عند نجيب محفوظ، هو نزوعه نحو الفلسفة والتاريخ في رواياته، وهو يبدو في بعض رواياته صاحب نزوع فلسفي باحث عن العلاقات المطلقة بين الأشياء وهنا تبدو في الثرثرة رؤيته الكلية للأشياء. يقول نجيب محفوظ في حوار معه: "لم تنقطع صلتي بالفلسفة. ولكن الذي يبقى في نفسي منها هو منهاجها.. وهو أهم عندي من الآراء والمعلومات، وأعني به النزوع إلى الرؤية الكلية بالأشياء بدءاً من شتى التجارب والمعارف، والمحافظة على الاهتمام بأسئلة محددة دأبت الفلسفة على طرحها جيلاً بعد جيل. وفي هذه الحدود، أعتقد أنني تأثرت كثيراً بالفلسفة في أدبي.- :
حوار سامح كريم: "مع نجيب محفوظ"، في مجلة الفكر المعاصر. القاهرة، الدار المصرية للتأليف والترجمة، العدد 43- سبتمبر 1968م، ص77.
8- أحمد محمد عطية، "نجيب محفوظ- ثرثرة فوق النيل"، ص117.
9- "نلاحظ أن أغلب أبطاله - يعني نجيب محفوظ- إنما يتجهون إلى (النيل)، وينظرون إليه على أنه الأب الذي يخرجون من صلبه.. والذي ينبغي أن يعيشوا في كنفه، وينبغي أن يمتثلوا أمامه صاغرين معترفين بخطاياهم"-
سعد عبد العزيز: "ما وراء أدب نجيب محفوظ"، في مجلة الفكر المعاصر. القاهرة، الدار المصرية للتأليف والترجمة، العدد 42، أغسطس - آب 1968م، ص71.
10- إبراهيم الصيرفي، "نجيب محفوظ.. والثرثرة"، 69- 70ص.
11- إبراهيم الصيرفي، "نجيب محفوظ.. والثرثرة، 69- 70ص.
12- جلال العشري، "ثرثرة فوق النيل- نجيب محفوظ"، ص85.
13- "وبهذا السعي الدائب المستمر نحو تحقيق غاياتنا.. وبمدى ما نعاني من عذاب كي نكتشف حقيقة أنفسنا ونكتشف أسرار وجودنا، يمكن أن نؤكد إنسانيتنا، ويمكن أن نحدد قيمتنا في ذلك العالم الذي نعيش فيه "- سعد عبد العزيز: "ما وراء أدب نجيب محفوظ"، ص77.
"أنيس يقرر أن العبث وانعدام الهدف ليسا نابعين من عدم دراسة الحياة، بل من فهمها والوقوف على أن الحياة لا معنى لها، ومع ذلك فالاستمرار في العبث والرفض قد يحمل في طياته ويجعل للحياة معنى.. "أحمد محمد عطية: "نجيب محفوظ- ثرثرة فوق النيل.."، ص118.
14- لاحظ شيئاً من ذلك: "جلال العشري"، إذ إن: "هذه الشخصيات ليست حقاً شخصيات عبثية تتخذ من العبث فلسفة في الحياة بقدر ما هي شخصيات أقرب إلى المجون والانحلال أو الفوضى والاستهتار، لا يختلف تضييعهم الوقت في إحدى العوامات عن تضيع غيرهم الوقت في أحد النوادي أو المقاهي أو الحفلات، رأينا أن الرواية لم تكن ثرثرة فوق النيل، وإنما هي- ثرثرة فوق الورق- ."-
جلال العشري: "ثرثرة فوق النيل- تجيب محفوظ"، ص85.
15- في كتاب (نجيب محفوظ- ما وراء الواقعية) لـ: "رياض عصمت.
"إشارة إلى أن "لقصص نجيب محفوظ جانبين (هما): جانب نفسي تحليلي، وجانب آخر يعتمد على التاريخ والفلسفة في بحث المجتمع ومفاهيمه ككل والأمر واضح في ميرامار، ففيها يتابع نجيب محفوظ أسلوبه الجديد الذي بدأه في طريقة عرض ثرثرة فوق النيل".
ورد المقتطف السابق من عرض للكتاب المذكور سالفاً:
"محمد أحمد يوسف"، في جريدة الاتحاد. أبو ظبي، العدد 6343، الخميس
30- 10- 1997م.

























محمد زفزاف






قراءات في الأدب المغربي المعاصر
الواقع العربي والعالم والهوية الضائعة
ورفض الزيف المحيط بنا في رواية "أرصفة وجدران".
لـ :"محمد زفزاف".

محمد زفزاف قاص وروائي مغربي، لعله أكثر أدباء المغرب العربي انتشاراً في المشرق العربي، وبخاصة فيما كتبه في السنوات القليلة الماضية، فهو، كقاص، على التحديد، تشكل تقنيته الفنية في هذا المجال الصعب دون الدخول مبدئياً في - قول- ما يكتب، أهمية لا يمكن تجاهلها في الإنتاج العربي المبدع عموماً.
كتابته فيها هذه القوة أو الطاقة التي تبعث: (شرارة ما) حين تبدأ بقراءة مبدع ما... وهي تسعى من أجل اكتشاف بؤر جديدة مشعة في فعالياتها، وبلورة إمكاناتها خاصة عندما تنجح في وضع تجربتها داخل الشرط الاجتماعي والاقتصادي والفكري للوطن والعصر والتاريخ، من مؤلفاته: (أرصفة وجدران) و(المرأة والوردة)، وأيضاً (قبور في الماء) وهما روايتان، وقصص منها مجموعتان قصصيتان هما: (أرصفة وجدران)، (حوار في ليل متأخر)، وأيضاً: (بيوت واطئة)...
** رؤية الواقع والحياة:
أتحدث في هذه القراءة عن الرواية الأولى: (أرصفة وجدران) مؤكداً على النتائج التي تفضي إليها الدراسة، دون أن أغفل الربط بين هذه النتائج واستمداداتها. إن هذه الرواية تنطلق من تجربة متصلة بسلوك معين (داخل بيئة أو بيئات معينة)، حيث تكون عملية: (التأثير، والالتقاط) مرهونة بـ (الدور) الذي تقوم به، والمؤدي إلى(اتجاه ما) هو:"اللوبان"، و"التفاهة" و"الشيئية" و"الإنسانية" و"اللامبالاة"، و"العدمية" مع شيء نادر ومفاجئ من التبريح الذاتي في البحث عن - شيء ما- معنى - أو خلاص- ...
إنه نوع من فتح - مسام- من مسامات المجتمع للدخول إلى عالم تطل عليه بكيفية ما من أجل التوازن، والخروج من حياة مالها وجه آخر‍!...
فالرواية رصد لشريحة اجتماعية تؤمن بعد تجارب ذواتها، بعدم جدوى هذا العالم وبنهايته المحتومة: (أنا أساوي صفراً في هذا العالم- ص3Cool.
و(- العبث في كل شيء- ص70). و(ماهي هويته)، هل هو مغربيSadإنه لا يعرف- ص20 و: الناس يمشون بلا هوية- ص70)... هل يحس العالم: (لا أحسه طبعاً- ص20). وأننا في الواقع: (نعيش الغرابة والاغتراب). وكل شيء: (يتضمن العفونة والرتابة والتكرار- ص39)، لكن زفزاف - له رأي بهذه التجربة وصفها في مقابلة له بأنها: (تجربة طالب غير عادية يواجه عالماً لا تتكافأ فيه الفرص، وهو يحاول أن يتجاوز كل ذلك ويتحداه. إنه يعلن رفضه لكثير من الزيف المحيط به). هذا الوصف غير باطل، وإسقاطه صحيح، والاحتجاج أو الرفض في الرواية يعني أشياء كثيرة على مستوى الفرد والمجتمع والعصر.
مايود الكاتب أن يقوله في الرواية شيء، تشي به معطياتها بسياقات لغوية دلالية عدة.
إن البطل الحقيقي: "بو مهدي" الذي تسلل بأقنعة مختلفة"، لم تسطع إخفاءه "إلى باقي الشخوص، تشكل مقولاته الشاملة الإحساس الموقفي باتجاه حالة - العجز الكامل- داخل المحيط وحركة العالم والوجود:"الكل شيء يسود، كل شيء تافه. إن كل شيء لا معنى له... ليس له جدوى ص 65"، و" الحياة غير مجدية- ص40". لا:"السجائر" تجدي ولا:- الكتب- ولا: - الجماعة- ...
وتصرخ أعماقه مترنحة: - الساعات تمر فارغة.. تجتر نفس الكلام- فماذا يسمى هذا الموقف من الحياة، والناس، والأشياء؟، ماذا يسمى موقفه من - الإضراب- في الجامعة؟...
أي شيء يمكن أن يَهَبَ "رد الاحتجاج أو الرفض"، الذي يفرزه هذا - الإحساس بالاتجاه- !؟... يتصور الطالب - بو مهدي- أنه مركز ثقل العالم: "كل شعور عام يجتاحه. شعور عام بالاختناق. العالم لا يريد أن يتغير في بعض اللحظات، يشعر أنه مركز العالم- .
فهل العالم يتغير بـ "معجزة"؟، أين- فعل- التغيير من قبل المرء الذي يقوم به على عجزه؟. أين - التجاوز- ؟ إن هذا الشعور حتمي نتيجة الاستلاب والتلاشي!... فأين - وعي المصير- ؟ أين - وعي التحدي.
بطبيعة الحال، يرصد زفزاف مثل هذه الشخصية السلبية الحادة التي نجد النهايات والموت والموات في كل شيء تراه وتقوله من أجل أن نحتج عليها ونبحث عن الجدوى في لا جدواها.
هذه الأسئلة يقوم الكاتب بالإجابة عنها في الرواية من خلال منطق يتلمسه في الشخصيات التي يجري بها التغيير.
"أثير هذه الأسئلة هنا بتأثير ما أعلنه "زفزاف" معلقاً على جواب يتعلق بسلبية البطل:"إن الاحتجاج دون إدراك الاتجاه المعرفي ودون معرفة كيف تحدث الأشياء، يؤدي بالضرورة إلى الفراغ، وإلى - توهيم الذات- ، وجلدها، وجلدنا، دون نتيجة... وأعتقد أن هذا وضع رواية "أرصفة وجدران"، في - ضوء- ما ملغوم في الداخل، ضوء يرفض السواد والهزيمة أمام كل شيء ويصنع المستحيل داخل استنتاجاتنا في رواية تعمل على طرح أمور كثيرة من الواقع والعصر طرحاً عبثياً من أجل أن تصدمنا وتثبتنا بقوة على الضفة الأخرى المقابلة. لذا جاء عمل الرواية إيجابياً على الرغم من اندحار شخوص الرواية على رأسها بو مهدي وفيها إشارة إلى أن الهروب والتجديف وتبني معجم الاغتراب بكل مفرداته لن يؤدي إلا إلى مزيد من الهزائم الشخصية بل العامة. وبالمناسبة فقد "كتبت هذه الرواية بين 66- 1971م في أحداث خطيرة ومتميزة في تاريخنا الحديث"... ولهذا فالرواية رفض لتجاهل هذا السياق التاريخي وعدم مسؤولية اللحظة التاريخية في أن تأخذ حقها على يديّ المثقفين والمبدعين في كل باب.
** العدم ورسالة الفن:
لقد أراد زفزاف أن يلقي على فئة من المثقفين، ونحن نشهدها تصنع الحياة - في الرواية الواقع- ، في بعد واحد! - رسالة الفن المعلنة على لسان البطل بقوله: "والفن إنما هو عطاء إنساني كبير، إنه أسمى مايقدم الإنسان للإنسان. وأن تمارس الفن معناه أنك تؤنس الآخر. إنها تجربة منبعها السماء، إنها تجربة ترتفع عن الطين، عن الوحل، عن الشر المتأصل في الأرض- ص49".
لكن هل وافق العمل الرأي، هل كان بو مهدي ملتزماً بمعنى رسالة الفن، هل أحداث الرواية تجيب عن ذلك لتصور واقع هذه الفئة التي يمثلها بو مهدي الفنان صاحب الرسالة الفنية التي لا يخلص لها الكثيرون.
... هذا اعتراف رخيص في مفرزات العمل الأدبي، لم يتحقق لدى "بومهدي" لأنه فرز - آني- . في فرديته الموهومة التي تجعله يهاب حتى من نفسه، ومن الفن، وصلته بـ "الجماعة" التي يبغضها ويسلب جدواها. والالتحاق بها نوع من إشباع حس - العدم- فيه...
إن الفن لديه نوع من رغبته المتناقضة في ساعة اهترائه، "وتعذيب نفسه"، حين ترغمه هذه الساعة - للحظات، على أن يندفع في "الحياة" حتى لا يموت، حين يجد فرصته لاستغلال الفن في الغناء والضياع والتشتت ونسف القيم والهلوسة الجنسية:- جسم امرأة يساوي العالم- ص50".. تتعب قدماه في حانات البغايا وأماكن يلتمس فيها أية امرأة تستهلكه، وتوهمه، وتعهره أكثر حين يشعر بالحياة. حتى هذه التي اعتبرها مخلوقاً رائعاً مختلفاً عن كل ما عرفه، استدرت عدميته حين وجدها تشارك "سالم" الرسام فراشه منذ أمد. فلا شيء يبنى في شيء أو على شيء...
** النماذج الروائية:
ترغب المرأة بشكل محموم، في أن تمارس عدميتها وتكشف عن ذاتها في فناء الآخرين نصاً، فتحقق بأسلوب مرضي "صلتها الوحيدة"، بهم وهم ليسوا، لديه، إلا جثثاً عفنة ص 82..." و"يحمل الرشاش وينهال على العالم ص80"... وينتهي كل شيء في - الحياة- : (اللذة والمعنى)، دون وعي- بأدواتها- ، وشرط وجودها اللائق بـ "الإنسان" حيث المعنى الذي تحمله يجب ألا يعمل على إنهائها. إنّ صوت "بو مهدي" هذا وبما ينطوي عليه يندرج بأشكال ومعان تكاد تكون متشابهة في بقية النماذج الروائية، من خلال ما تطالعنا به وهي تدور في دوائر يستشف القارئ عالمها، ولولبيتها، منذ البداية، بعضها يكبر وينتفخ في فضاء الرواية، وبعضها يتقلص، لكنها كلها تدور في عالم الكبت والجنس واللامعنى والعدمية والإخفاقات المتكررة والمتوقعة والخيانات النفسية أو السلوكية، مما يجعل صفة: "التكرار"واضحة لها غاية حين نلمس هذا الواقع الإنساني المتشابه لا المتماثل أو المترادف والذي يفضي بعضه إلى بعض في قنوات عديدة.
في هذا الواقع نماذج تلبس إهاباً مستعاراً، وقشرياً، يسهل انتزاعه، يحرم عليه "الخصوصية" الزائفة التي تحرص عليها والتي تعد نفسها شريحة حيوية إنسانية- في لحظة تاريخية أو واقعة ما، الشيء الذي وفرَّ شحنات شعورية أو فكرية متصادمة أو متحاورة من قبل المتلقين من أجل وعي مايتحقق به من منظور البنية الدرامية التي تقوم عليها الرواية، والتي تفرز استقراءات، واستنباطات، وامتلاك معادلات على مستوى "الدعاوي، "أو على مستوى- التبشير- ، أو على مستوى "التشكيل الإنساني المتخيل". من قبل هذه النماذج التي تمتلك أفكارها وطروحاتها. وأية كتابة لا تمثل أفكاراً، طرحاً ما فلا معنى للدخول معها في أية أحاديث ومقولات مبتسرة وعائمة، وعن طريق هذه الأفكار تمَّ تفسير وتأويل "سفالات" في الرواية لها نكهة الإنسان في سقوطه حين تعني حقيقة مبتسرة للأشياء والعالم.

** شخصيات ورموز:
ماذا يتحرك في خلفية هذا المشهد الاجتماعي وبنيته الفكرية؟...
"سالم وصالح" متزوجان ويعيشان حياة ساقطة دون ملامح "إنسانية".
"ليلى" معلمة."نانسي": طالبة جامعية. سالم رسام أمه مريضة بالسل وتموت في نهاية القصة، وتغيب في دهليز، كانت رمزاً موفقاً استغله - زفزاف- في محاولة تحرك معنى الحياة ضد "العقم" و"انطفاء الأمل" حيث موتها في آخر الرواية... لكأن الأم هنا هي رمز النسق الخصبي في الرواية ورمز الوجود المستمر الذي لا يريد له "بومهدي" أن ينمحي.
كانت أم سالم "إيقاعاً" حزيناً حنوناً ومراً ومتفرداً في الرواية، تملؤنا لهفة على مصيرها- الذي كان يسير بصورة متصاعدة في العنف والترقب إلى شيء قد يحدث، وكانت لهفتنا على مصيرها المحتوم هو لهفة على مصير وجودنا الذي هزمت مسوغات استمراره وشطبت عوامل رعايته وتمكينه من خلال الشخوص المسلوبة الإرادة التي ترى أمامنا في الرواية والتي سرقها الوهم وإلغاء الزمن والهوية والمكان إلى عدمية حقه، تعمل على التسريع بمصير موت الأم المهملة.
ها هو ذا بو مهدي المهزوم - يعطي إشارات عابرة عن الأم تأتي خلال السأم والشرب وممارسة الاستبئاس والتفكير بالجنس، يسأل عنها "بو مهدي"، الذي يرى في سرعة خطواتها نحو الموت تجسيداً لا ندحاره في هذا العالم أمام الموت وفقدان أية قيمة فيه تستحق عيشه، فلا أمل للإنسان معه إلا في استهلاكه لنفسه في الحياة. ويذكرها "سالم" المتعلق بها بعبارات مقتضبة في الوقت الذي لا يغفل التجديف على أبيه الباحث عن لذاته قبل وبعد موت زوجته، وبهذه النظرة المنقلبة على ذات "بو مهدي"، يمكن فهم هذا - الجو النفسي- الذي كان يشيعه ذكر - الأم- المنكودة المهملة الضحية الظامئة إلى الحياة والحنان والحب والرعاية، وبهذه النظرة يجب فهم مشاعر "سالم" الذاتية الذي لم يكن ليقوم بواجبه تجاهها منشغلاً بذاته، لا يعنيه هموم أحد لا الطلبة ولا الجماعة ولا الوطن ولا العالم وحتى نفسه في أحايين بسبب تشوشه واضطرابه. حتى إنه يجاهر بكرهها:"ربما أكون في موقفي من هذه الأمومة التي تبدو مجانية وباردة تجاه معطياتي الشعورية". إن المرأة في الرواية متشيئة أبداً، متهمة بالخيانة الجنسية، وقد تحمل صفات أخرى حسب مرآة نفس الرجل الذي لا يقبل - الخيانة منها:"ليلى.... لو كنت زوجة لي ولكنك مع الأسف خائنة كل مافيك رائع إلا الخيانة- ص77"، و"لو أتزوجك ثلاث ليال فقط لأطلقك- ص44".
ثمة وظيفة واحدة لها هي "الجنس"، وهي مهيأة دائماً للقيام بهذا الفعل بما تملكه من عهر مادي وفكري "زوجة رجل المطافئ- زوجة الشرطي" "زوجة الشرطي مثلاً لها ثلاثة أطفال وتسمح للبقال أن يعتصر نهديها ويندفع في ممارسة الجنس معها، زوجة رجل المطافئ: كانت تخونه مع سالم الذي لم يتركها إلا وقد مصمص العظام".
"المعلمة ليلى مطلقة، وخائنة" نانسي تهوى الشيوعية لأنها تيسر لها فقط حرية الجنس والبحث عن اللذة مطلقاً"... ومركزية دوائر هذه السلوكات تكون في تكرار حوادث الملاحقات الجنسية في الرواية مكشوفة أو غير مكشوفة، محققة رؤية ببعد واحد "رؤية بو مهدي"، وأمثاله الذين يغتالون العالم بأفكار مسمومة ولا يتلمسون إلا السقوط المتدحرج نحو النهاية للإنسانية.



** النص السحري...
وتوظيف العجز في دلالة تعبيرية:
- بنية النص....
ونماذجها الإنسانية:
ماهو المستوى التعبيري الذي يجيء بكيفية يمكن أن توظف هذه المواقف وأفكارها- ، في دلالة تعبيرية؟...
بمعنى صياغة فنية لمضمون ضياعي يفرزه واقع تمتلكه رواية حرة في طرحه ورؤيته حتى تنير بمفهومها الخاص والمحدق بقوة - واقعاً آخر، حتى يكون خواء المقولات والنظرة الطافية التي أجراها أو حدق بها الكاتب من خلال أبطاله الهامشيين... مجالاً للنقد والانتقاد وتقليب النظر والفحص لأن سلوك الشمعيين في تركيباتهم النفسية والفلسفية - له أبعاده المختلفة في فضح هذا الواقع وتفكيكه- أقول ماهي هذه الكيفية؟... فيها طموح مقصود، ليس فيها الخطوط الصارمة أو القفز أو الاغتصاب الشكلاني مرة واحدة في عمل واحد، ليست تقليدية، إنها شيء مما يمكن أن أسميه بـ "النص السحري" فأنت تقرأ الفصل منعزلاً فتجد فيه - حديثاً- ، حواراً ذاتياً أو مع آخر.... وصف إنسان في حركة الحياة، رصداً نفسياً مهلوساً، إخفاقاً، عجزاً، حساً عدمياً مخيفاً، فوراناً جنسياً- يسحرك غالباً ببساطته وتدفقه وإيحاءاته القوية التي تغالب شغفك العقلي في كشف شيء ما تحت - الحوادث- تحت مايمكن أن نتوقعه من - حقيقة قشرية تصطدم مشاعرنا وأفكارنا فنراها كذلك في - بداية الأمر ثم يحولها التعبير من خلال الإدراك الحسي للشخوص إلى مسوغات جوهرية تركبها لديك من خلال إشارات وعلامات يبثها السطح إلى العمق. ومستويات التعبير هنا لا تأتي من خلال كل شخص بنفسه بل من خلال رؤية كل واحد بالآخر حسب درجة العلاقة بينهما.
هو لا يريد أن يستغل شيئاً من أجل شيء محدد مقصود، لا يرغب في تنسيق بنيات تركيبة معينة في عمله الروائي، شيء ما يثيره في تلك الأمور التي تجدها في النص عنده فيجعله يسيل، وتتحرك معه بلذة محببة حتى عندما يتكرر كل شيء في دوائر لا يربطها في علاقة جدلية إلا جولات الشخوص وهي تتحرك إلى مصائر مختلفة تتساقط في الإخفاق والعبث وعدم الجدوى. وكأن الروائي هنا لدى الكاتب "محمد زفزاف" هو مجموعة نصوص يمكن أن تتكامل وأن يقف كل نص وحده في آن واحد.
وهكذا تتشكل: البنية الروائية التي لابد أن تقوم على نظام ما حتى لو كان - فوضوياً- ! لذلك فالرواية لا تطمح إلى نفس روائي ملحمي في تلك العلاقة بين الشكل والمضمون. بل تريدأن تجعل الشكل معبراً عن المضمون، ويمثل جدله المتكون فيه وبه. وفي انفلاته عن العالم وانغماره في الموت والجنون طبيعة الحياة الصاعدة، وفي استمراره واندراجه في نسق الذين يعيشون الحياة في الوقت ذاته. وعلى هذا فالنص الروائي فيه هذا الاندحار الذاتي والتخلف عن مسيرة الآخرين حين يقوم وحده في جانب من بنيته، وفيه هذا الاندماج الإنساني الذي تفرضه ظروف التعايش على أية صورة في الجانب الآخر من بنيته حين يتكامل النص الروائي بعضه مع بعض في وحدات متضامة.
** اللغة والإيقاع والسرد:
فأما اللغة فترى بسيطة تجلو الوجود، بإحساسه النهم الصارخ بعدميته. والبساطة هنا ليست إسفافاً بل هي طاقة مبدعة بتوهجها المنظور وغير المنظور. فمواجهته اللغة لا تكون "فرقعة"، دون صدىما، بل تكون شوقاً جامحاً في فهم براءتها الأولى لحظة تسقط من الذاكرة المحمومة مما يصبغها في مواضع بالشعر، والبلاغة الخاصة بالنص الروائي، تستبيك بجسدها الذي تشعر بنبضه قوياً في حسك، وبروح خاصة تسري في السياق اللغوي يوفر لنا قدرات متابعته وأسره قبل أن نبدأ بمحاسبة النفس على استهلاكه لنا دون وعي أولي سرعان ما نعود به لمعاودة قراءتنا بالإضافة إلى أن التزاوج المهم بين ضمير الغائب الذي قص به الرواية، وضمير المخاطب - كان يثري التعبير ويلون ظلاله ويخصب الخطاب الروائي، ويبدد بعضاً من - الرتوب- .
ثم هناك هذا - الإيقاع الطلق- المقتحم واللا مبالي الذي حمل القارئ منذ البداية على إمكانية توقع قول أي شيء مخجل- أو ممتلئ بالنزوات الفردية- على لسان جميع الشخوص التي يصورها "زفزاف"، خارجة عن أية مسؤولية أو أي تفكير لا يحقق لذاتها الذاتية الحسيّة ورغائبها الدفينة، في مناخ سيسولوجي معطى له مسوغاته الفنية وأهدافه الفنية، وكانت ملاحظاته المعترضة في السرد، أو تلك التي تكثف في عبارة حالة أو وضعاً أو شوطاً تاريخياً- منبهة، وموفقة في ما تبلغه من دلالات مساندة.
أخيراً، يمكن أن نرد كثيراً من العناصر الأساسية: "التصورات" في هذه الرواية، وما ترغب في إبراز "مدلوله" إذا كانت ترغب في بعض ذلك حقاً، وما طبع "التفسيرات" وتمجيدها - على الخصوص- إلى ما يمكن أن ندرجه تحت كلمة "الحب" الذي برز في عطفه على تجربة الحياة لدى الشخوص وفي شجبها في الوقت نفسه وهو يراها تغتال نفسها أو تسعى إلى ذلك دون رحمة وكأن إبراز هذا التطرف في الانفجار الحسي والنفسي الذي يشوه الحياة بدلاً من أن يزينها ويؤدي إلى تعذيب الذات وجلدها يدفعنا مع الكاتب إلى الإنقاذ واللهفة على مصير الفناء المحتوم.
أخيراً، أبرزت رواية :"أرصفة وجدران"، تلك العلاقة التي يمكن أن تكون في دراما الذات والعالم، وجدليتهما الحسية حين يبادر الحس إلى رؤية العالم عملياً ثم يتراجع بالحس نفسه عنه ويهرب حين يلمس العفونة واللا معنى وراء كل شيء. يخيل إليَّ أن هذا العالم إن كان يعني شيئاً هو يعني لاشيء - كلود سيمون- حاولت الرواية أن تتناول الأشياء كما هي، وأن تعبر عنها في صدورها الظاهر من قبل الأشخاص دون تغطيتها أو مجانية التصريح فيما يظهر فيها من تحدٍّ، بل تنقل مايقع عليه النظر مباشرة. ثم يترك للقارئ أن يستلهم ماوراء النظر المباشر أو يشارك الكاتب ببعض تصوراته الممكنة.
من المفيد الإشارة إلى أن "زفزاف" قد تأثر نوعاً ما بتجربة (مدرسة النظر) في فرنسا في كتابة روايته حيث ثقافته الفرنسية تشكل حيزاً مهماً في تكوينه الثقافي، ولعل هذا التأثر لم يكن نيته، فقد كان له دور فعَّال في خصوصية التجربة وفي طموحها الذاتي والعربي.
محمد زفزاف في روايته: "أرصفة وجدران"، أخرج العوالم الوحشية من ذوات أبطاله إلى الخارج حتى لا تبقى فيها، وحتى نتصدى لها ونحن نصنع الحياة.
ولا تتبدد بالسقوط والموت والضياع ورخاصة الحياة التي تظل - ثمينة- بنا على أي وجه كانت.
***























واسيني الأعرج







الشاهد غير الأخير، في رواية
"ضمير الغائب
الشاهد الأخير على اغتيال مدن البحر"( )
لـ "واسيني الأعرج"

دعوة إلى إعادة البناء - البيريسترويكا- العربي- رحلة الكشف عن الحقيقة في معطيات حياتنا: تمزيق الأغطية، أصوات الإدانة، والحلم المرتقب قبل الكسوف الأبدي.
تسنى لي أن أقرأ رواية بعنوان: "ضمير الغائب/ الشاهد الأخير على اغتيال مدن البحر/" للكاتب الجزائري: "واسيني الأعرج" قبل النشر وبعده.
وهي تنطوي علىعمق فني ودلالي يستحق الوقوف عنده. إنها تخلق تلك الحالة الأخاذة التي تستحوذ عليك خلال قراءة أعمال أدبية لها مغزاها. وتملك مصداقيتها في الواقع الذي نبحث عنه، وتخترق برؤيتها شيئاً من الغش والسماكة والغباشات التي تتوارى خلفه، أو تحاول قوة معينة أن تموهه أو تغير ألوانه. وهي تمثل نوعاً من أدب إعادة البناء (البيريسترويكا) العربي في جزء من أقطار العروبة. هنا، دعوة إلى قراءةجديدة لأوراق المستتب من الأفكار والأحوال والأفعال والأشخاص، تنضوي تحت راية ضرورة رحلة الكشف عن الحقيقة في معطيات حياتنا وإشكاليتها، وتبديد الأوهام، وتمزيق الأغطية، مهما كانت النتائج قاسية. الجو كابوسي أحياناً يعادل الواقع المعيش... أصوات الإدانة، والإنذار، والمحاسبية متداخلة بإشفاق مع أصوات الحب، واللهفة على المصير، واستثارة حب يطهر ويوقف ماتراه - خطأ فادحاً- تؤدي مفضياته إلى حلول الدمار، والكسوف الأبدي. الرواية. بهذا المنحنى، قامت ببعض أدوار الإبداع في النبوءة والتأمل.
** شخوص الرواية:
بطل الرواية صحفي يرغب في أن يقوم بتحقيق حول ما يراه ملابسات موت والده:"المهدي" إبان الثورة الجزائرية، لكن مدير الجريدة: "بلقاسم" بتأثير من نسق مرعب معين في المدينة- الواقع يرفض ذلك ضمناً ويؤجله في الظاهر وهو يخفي توعداً يثنيه عن تحقيقه وإلا فسوف يواجه التهميش أو العزل ثم الطرد...
كان أصدقاء الصحفي:"الحسين بن شهيد" يجدون شبهاً بين عذابه، وعذاب الحسين بن علي(رضي الله عنه)، لكنه رفض ذلك، لأنه يرى نفسه ثمرة القرن العشرين، ولديه قدرة أن يفعل شيئاً من أجل المدينة التي غطتها الأعشاب الضارة، ولن يستسلم لقوى الظلام التي تود تغييبه، ثمة من له مصلحة في مقتل والده في ظروف غامضة، وكأن أباه هو أبو معاني الثورة النبيلة التي طُمرت ولم تُترك لها فرصة كي تحصد ما ضحت من أجله؟
والأب المغدور أيضاً رمز الشهداء - حسب الرواية- الذين أكلتهم الثورة على غير وجه حق، والذين مع رفاقهم ضاعت عظامهم في الغابات دون أن يتحقق ماكانوا يحلمون به وقاتلوا قتالاً معجزاً من أجله.
من أجل ذلك، يصر الحسين على نبش سيرة والده مع السير المشابهة القديمة، وتزيد المعاناة عمقاً، حين يرد تصوير لـ - شارع- أطلق عليه اسم المهدي بن محمد تكريماً مصطنعاً له، وإبعاداً للشبهة، حيث يغدو صورة مركزة لأوضاع الحياة ومثالبها: شارع تتوالد فيه العصافير المنكسرة واللون الداكن ويتكاثر فيه تجار كل شيء...، باعة ومشترون... إنه دلالة على كل ما يفقد المدينة عرضها، ويذكر بانهيار آمال شهداء الثورة في مدينتهم- المرتقبة. وتستخدم الرواية شخصية:"حمو" ليأخذ دوراً أشبه بترديدات الجوقة والتعليق المتكرر على مجريات ومواقف وأحداث يعززها السياق الروائي فتعمل على اللازمة المفجعة التي تشحن المتلقي بمزيد من القلق والألم والتفكير في ما ورائية الأمور وبالتالي تكسب عطفه. إن "حمو" الذي يصرخ بلا زمته: في الشوارع والأزقة الضيقة قائلاً:"خسارة الدم اللي ضاع. خسارة الدم اللي ضاع"، وعي سابق على كشف الرواية المستمر، يعكس الهموم لحظة تأمل علىحافة الغيبوبة، تدفع بإيقاعها الجنائزي إلى الصحو، ويدخل لحن اللازمة في إحساس بالوحدة والبكاء والحنين إلى شيء مخلص يلح على خاطر حسين الصحفي... إحساس كأنه تفاصيل الوضع الذي يسبق الجنون... انتابته أحلام اليقظة، أحياناً كان يرى أباه المهدي مازال حياً، تخرج صورته المعلقة من الإطارـ، يجلس إليه في لهفة، يخاطبه، يحكي له هواجسه، ويسأله مكملات الملف الذي أصر على فتحه حول مقتله. وعند الحديث عن الملف، وتقليب أوراقه ترد أمور أخرىتتعلق بالامتهان، وتأثير الأجنبي، والاستلاب أمام قشور حضارية، وعن الحالة التعسة لأسر الشهداء، ووضع المدينة المستفزة، وما يجري في الجريدة، جريدة مدجنة عبر أرشيفها، ومديرها، ومساعد مديرها...الخ.
وخلال التداعيات عن حياة الطفولة، تبرز بعض الشخصيات التي لحسين علاقة بها مثل عشيقته:"ساسا فندا"، وعمه: "البوحفصي"، وأمه:"عيشة المنورة". تكشف الإشارات خلال البحث عن قصة موت المهدي التي تغدو في الرواية رمزاً للقبض على الحقيقة، وعلى طبيعة المآل الذي وصل إليه الواقع، حيث استبعاده لا يعنيه شخصياً، بل يعني فكرة أو جماعة تؤمن بفكرة ما لا تريد للوطن أن يسير على أشواك أخطائه، ولا تريد أن يدخل التجربة المرة، أن توفر عليه البداية غير السليمة، وألم اليقظة أمام الشاهدين غير الغائبين.
ومن خلال الحس الفجائعي، وما رمز إليه بإنذار الكسوف القادم الذي قد يغمر المدينة في أية لحظة، تكشف بعض الإشارات عن أخبار تناقلتها بعض الجرائد العربية عن سقوط والده في ظروف غامضة، فيلجأ في حواراته المستحضرة إلى كشف المزيد من عمق الحالة الغامضة وملابسات الشهادة والقوة الشعبية المشاركة في حرب الثورة الجزائرية فتتبدى رغبة الثورة المركزية آنذاك في منع هذه القوة التي كان لها صفة خاصة غير مرضية.
تتوضح بعض جوانب الحادثة: يجري إيقاع دنيء بالقائد المهدي عبر عملية حربية مدبرة ضد المحتل، كانت النية، بسبب دراسة ظروف الهجوم، أن يقتل فيها المهدي، لكن الأخير ينجو مع قلة من رفاقه في حين يستشهد الكثيرون، فيتهم بقتل جنوده دون مسوغ وبرفض الأوامر ثم يصدر الأمر بذبحه في مكان ما رطب بين الغابات مع امرأة متهمة على علاقة معه بعد أن دفع إلى حفر قبريهما بنفسه. وبذلك ينتهي الفصل الأول.
** ذاكرة المدينة
وخيانة أمانة القيم:
أما الفصل الثاني فمعنون بـ "بداية الرحلة" وفيه أجزاء (الوجوه الغامضة.....، عودة إلى الحكايات القديمة، تفاصيل يومية، أسوار المستشفى التجميلي)، وتظهر فيه متابعة الصحفي الحثيثة وهو يحمل آلامه وأسراره وخلال ذلك يلتقي ما أسمته الرواية: - الوجوه الغامضة من سلالة بني كلبون- منهم (بعض المسؤولين في البلديات) ومرة وهو يسير في أحد شوارع المدينة، يقبض عليه مع سكير ثم يطلق سراحه بتهمة أخلاقية مدبرة بدلاً من تهمة سياسية تود الأنساق المرعبة إلحاقها به، وبعد مشاعر تعاطف كاذبة من قبل رئيس المخفر،ومن خلال تفاصيل يومية تظهر معاناة "الحسين" من معوقات كثيرة توضع في طريقه حتى لا يصل إلى الحقيقة، وتتعمق البنية الدرامية حين يتعثر فتح ملف التحقيق إلى نهايته، وحين يظهر الصراع بين التخلي عما سعى إليه فيكسب الاستقرار ويخسر نفسه في مثل حقيقة خسارة دم الشهداء الضائع الذي لم يُنصف كما يرى أو يبقى مستمراً إلى النهاية ويدفع ثمناً لذلك روحه دون أن يكشف مايجب كشفه وعبر تداعيات ونجوى ذاتية تبدو صورة:"مريم" حبيبته رمز النقاء والإخلاص والتضحية والأمل المشنوق، تلك التي اغتالتها المدينة والتي لم يحب غيرها حباً حقيقياً خالصاً، إلى الحد الذي لم تستطع معه معشوقته: "ساسا فندا" أن تعوضه عنها، لأن الأخيرة لا تذكره إلا بجدران المدينة المتهدمة. ويتم الترميز بالكسوف من جديد الذي سيحل بالمدينة، ويكون لقاء بينه و"ساسا فندا"، التي تصر على تسمية نفسها بـ "شهرزاد"، ويجري حوار متكرر بينهما تحاول فيه أن تثنيه عن مشروعه وأن تعيش معه مثل خلق الله، ثم يتدبر أمر مرور (المستشفى التجميلي)، فيرى فيها العجب: خلقاً ذوي عيون زرق وفسفورية... آلات تنصت وكشف عن النفس، عيون ملاحقة دقيقة، أجهزة غريبة من أجل خنق الروح والجسد... هنا تتبدل الأنوف، والأمخاخ، والآذان، أما الذين لا يصلح فيهم شيء من الفاسدين فيجري عجنهم وتحويلهم إلى بالوعة المدينة. وتم - الاستبدال- أحياناً بين أنوف الناس وأنوف المدينة، هؤلاء الناس الذين يخرجون - بعد عمليات التجميل المناسبة!- إلى الشوارع تلتهمهم أزقة المدينة ليمارسوا أعمالهم تحت هيمنة مطلقة من قوى غاشمة، وأنساق متحكمة مستفيدة ذوي ارتباطات مشبوهة ونوايا مرعبة.
لعبة المتابعة ومطاردة "الحسين" تتكشف عن ظهور عنصر جديد ومفاجئ، وهو: عشيقته الخائنة التي تنفذ أوامر العسس والجهات المعنية، فخسرت نفسها، تمَّ رصد كل تحركاته، وكانت وراء كشف أوراقه، ونواياه، والإيقاع به في النهاية.
*** ظلام المحاكمة والشاهدون النجوم:
في الفصل الثالث أقسام هي: (انهيار المدينة- أقبية المدينة- آخر الحوارات- المحاكمة التي سبقت الكسوف).... ماذا حل "بالحسين"؟ لم تستطع الأقبية أن تحرق ذاكرة الحسين، ولا الذعر أن يكسر العظام التي بقيت صحيحة تضم الحقيقة، الثورة على زمن متعجرف، ولا جلسات التعذيب أن تنسيه وعده للمهدي في كشف المشبوهين والأسرار التي تدور حولهم.
الحسين مرَّ بلحظات أقبل فيها على الانتحار، لكنه تراجع بإرادة الصمود والتحدي التي يقويها دائماً حواره المستحضر مع المهدي الشهيد صاحب الرأي فيما جرى ويجري، حيث تتعمق النظرة بقوة وحرارة إلى جوهر الحياة السائدة في المدينة التي تزيف شهداءها وتعيش على حسابهم وتنطق ضد رغباتهم وسط ظلمات تتعب القلب والذاكرة. ثم تجري محاكمة غريبة من نوعها تذكرنا في بعض جوانبها بمحاكمة "كافكا"، من حيث تعدد مستويات الإحالة، والجو الكابوسي، وما ينوس بين الحقيقة والخيال الذي يمتد بدلالاته فيها. حسين يقف أمام المحكمة عارياً، سمح له بجلب ثيابه بعد أن خبأ في داخلها إطار صورة أبيه الشهيد.
ويتبين القارئ أن رئيس المحكمة، وطاقم المحكمة، والجمهور الحضور والمحامي كلهم صنيعة المستشفى التجميلي وبإمرة الدليل ذي العيون الزرقاء الفوسفورية الذي لقيه خلال زيارته لها. وعبر حركات بهلوانية ذات دلالة، وأفعال غرائبية تستبطن سخرية الحالة وعبثها وتومئ إلى عدم جدوى تصنيعها تتبدى بعض التجليات التي تتركز في زيف الواقع وغشه... القاضي يأكل البصل لفتح شهية الكلام، والمحامي يغطس في أكياس التبن ويلتهمه... ويتصدى المهدي للدفاع عن الشهداء ثم يتحول إلى كتلة نار متفجرة حارقة تخرج من النوافذ، وتنتهي المحاكمة إلى نتيجة مفادها ضرورة استئصال كل الأشياء الزائدة من الشاهد على الحقيقة: الحسين، ويكلف الدليل بأخذ المتهم الصحفي الذي لم يرعو إلى المستشفى التجميلي، لقد تحول المهدي إلى "نجمة" في السماء، أما الحسين الذي أرادته الأنساق المخفية أن يكون الشاهد الأخير على اغتيال الحياة والواقع فقد اختار أن ينضم إلى فريق النجوم الشاهدين الذين ليس لهم آخر، يضيئون ويشهدون، على الرغم من رغبة مدمرة في إخفائه واختفائه.
***
** رواية من أجل الذات والأمة معاً:
على الرغم من أن الرواية تنطلق من دافع ذاتي يبحث عن توضيح شخصي، إلا أن هذا المنطلق ماهو إلا شرارة لكشف جماعي، إنساني. تريد أن تحفر في بنية الواقع في العمق، وتقلب الأوراق، وتمنع حيفاً وقع، أو يقع هنا أو هناك، أو قد يقع. وأن تنتصر لكل القوى المجاهدة من أجل الحق وجمال الحياة. وترغب الرواية أن تنسب التمجيد إلى من يستحقه من فئات الثورة دون حجب أو مصادرة لآخر، وأن تقبض على اليد التي اغتالت الشهادة وزيفت بيانات الواقع، واستمرت تمتد في أشكال عديدة من التشويه والتعويض وزرع الحزن والبؤس والفقر في شجرة السنين التي انتظرت فرجاً كبيراً ثمناً للدم الذي قدمه الناس... فقراء دَرَسْنا فقراء عشقنا فقراء كبرنا... حاولت الرواية أن تكون شيئاً من أصوات المسحوقين والفقراء والمطاردين والمتبعين هؤلاء الذين كسبوا النصر ضد المحتل، والذين ضاع بعضهم في القرى المهملة أو في شوارع المدينة المعطلة عن الحياة الكريمة، والتي ينتهك عرضها كل يوم بصور عديدة غير إنسانية دون أن يستطيع النسق الجدير بهذه الحياة أن يفعل شيئاً ضد أنساق مخفية تطغى على كل شيء، وتكشف كل صوت.
لذلك فهي دعوة إلى حرية الرأي، وحفظ أمانة القيم التي ضحى من أجلها السلف، وتدين كل القوى الهامشية المستفيدة الرغيدة المحكومة بأطماعها وأطماع - الخارج- الأكثر منها رعباً لأنه يمتلك أدواته وقوته الغاشية، وتبرز في هذا السياق مقولة مفادها: لو استمرت "المدينة" العربية في معاني الاستلاب الحضاري، والإنساني، والاجتماعي، والطبقي، فإن الواقعة قائمة لا محالة. وقد حافظت الرواية على هذا التوازن بين قتامة الأفكار ودلالات الأسى ورؤية مفعمة بحب الحياة واستنكار الظلم وإمكانية التغيير، مشدودة بقوة الشهادة التي لا يبخل بها المرء، حين يجد كل شيء باطلاً ينبني على باطل. إن ضياع صوت الحقيقة، يعني غيابها وعدم كشفها.
والتقصير في السعي إليها، مهما كانت السبل والمعترضات، ضياع لإرادة الإنسان، وفناء آماله وأحلامه في التغيير والتجديد الثوري، ومن هنا يقوى صوت اللهفة في هذه الرواية على المصير الإنساني، وخصوصية ثقافتنا العربية وطموحاتها التي آن لها أن تتحقق.
على هذا انطوت بعض تجليات الرواية على هجوم حاد على المستوردات الأجنبية الفاقعة التي تخدم مصالح الأجنبي حين استعملناها ضدنا مثل التلفزيون، والأفلام، والمسلسلات، والتقنيات التي تكمم الأفواه، وتدجن، وتلقن تلقيناً يخدم الهيمنة الفكرية الأجنبية، وتعتم على النسق الخاص الطالع الذي لم يلوث، والذي يمكن أن تتمخض عنه الثورة وهي تبحث عن طريقة خلاصها الأكيد.
إن بعض ما طرحته الرواية من توق إلى التغيير والتطهير قد تحقق فعلاً في الواقع، ويكفي الرواية أنها صدقت واقعها، وأنها تبقى بتجلياتها تشارك في خلق مزيد من بذور هذا السعي الحثيث الذي لا يتراجع من أجل إنسان المد

     

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة

رد مع اشارة الى الموضوع


 
نشرة ارسل: الخميس اكتوبر 09, 2008 4:28 am  موضوع الرسالة:

د.عبد الرحمن بودرع
المدير العام للمنتدى

معلومات العضو






غير متصل

 


المرجو من الأخ عبدون أن يتلافى التكرار في نقل الموضوعات
فقد اضطرِرْنا إلى حذف المكرَّر

شكرا لك
والشّكرُ موصول لمشرِف منتدى اللسانيات ونظريّة الأدب
على ما يُقدّمه من متابعات ومشارَكات

_________________
إحياء التراث والإفادَة من اللسانيات الحديثة
لتطوير الدّرس اللغوي العربي

منتدى مجالس الفصحى:
www.alfusha.net

مدونتي الشخصية
www.boudraa.com


عدل من قبل د.عبد الرحمن بودرع في الاثنين نوفمبر 03, 2008 12:22 am, عدل 1 مرة

  Yahoo Messenger  MSN Messenger 

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة انتقل الى صفحة المرسل

رد مع اشارة الى الموضوع


 
نشرة ارسل: الجمعة اكتوبر 10, 2008 9:04 am  موضوع الرسالة:

عبدون


معلومات العضو






غير متصل

 


شكرا لك دكتور وانا آسف.

الأخت ساجدة كما ذكرت لك سابقا عليك بمراجعة عناصر البنية السردية:

الزمن’الفضاء,الشخصية ,الحوار...ثمّ تطبيق إحداها أو جميعها على مقطع من رواية

محددة أومختارة.

المهم أن التطبيق يكون علي رواية واحدة أو مقارنة بين روايتين من

حقبتين مختلفتين.

كما يمكن أن تكون الإجابة على الشكل التالي:

مقاربة سميائية في رواية الزلزال

الدكتور حسين فيلالي



يتفق النقاد على أن ميلاد الرواية الجزائرية المكتوبة باللغة العربية قد جاء متأخرا بكثير عن ميلاد الرواية العربية في المشرق، لذا يؤرخ لميلاد الرواية الجزائرية الفنية ببداية السبعينيات مع ريح الجنوب لعبد الحميد بن هدوقة والزلزال للطاهر وطار، وقد كان للاستعمار الفرنسي أثر كبير في تأخر الرواية العربية في الجزائر من خلال محاربته اللغة العربية، والتضييق عليها، وعزل الجزائر عن البلدان العربية الأخرى. وطبيعي والحالة هذه أن يكون ميلاد الرواية المكتوبة باللغة الفرنسية أسبق بكثير من ميلاد الرواية العربية.

تناولنا رواية الزلزال للطاهر وطار والتي تعتبر من أوائل الرواية الجزائرية المكتوبة باللغة العربية وهي تمثل مرحلة التأسيس، وقد اختار الروائي مرحلة من مراحل التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في الجزائر لتكون موضوع روايته.

تطرح رواية الزلزال مسألة الإقطاع بأسلوب فني قلما استطاعت الرواية الجزائرية أن تتجاوزه حتى بعد السبعينيات. ولعل ما أهل الطاهر وطار لذلك هو تكوينه التراثي الذي سمح له بالإطلاع على الأساليب العربية، وانفتاحه على الثقافات الأخرى. وطار كثيرا ما شوه بقراءات إيديولوجية لم ترق إلى مستوى إبداعاته قراءات تبحث عن ذاتها، وخطابها في الرواية أكثر مما تبحث عن جماليات وخطاب الرواية الوطارية. وكثيرا ما كانت هذه القراءات تحاول استخدام الرواية الوطارية كورقة اجتماعية أو سياسية لإدانة طرف ما في المجتمع حتى وإن اضطرت إلى ليّ عنق النص.

وطار في هذه الرواية يشدك بأسلوب فني راق، سلس حتى يجعلك تتابع الأحداث بشغف وشوق بل يجرفك شيئا فشيئا إلى المشاركة الوجدانية، ويقذف بك داخل النص الروائي لتصبح وكأنك جزء من الرواية، تتفاعل مع الشخصيات الورقية، وكأنها أشخاص من لحم ودم. في رواية الزلزال يحس القارئ بالشخصية تتسابق مع الزمن إذ يصبح القبض عليه والرغبة في توقيفه هاجس الشخصية.

إن الإحساس بانفلات الزمن من الشخصية انعكس على حركة السرد الروائي ووسمها بميسمه فيجعلها متسارعة مضطربة متشابكة.

في المنهـج:

تقوم هذه الدراسة على فحص بعض العناصر السردية وتتبع علاقاتها بمكونات العناصر الروائية الأخرى:

- فعل الحكي.

- السرد.

- السارد.

تشكل هذه العناصر المرتكزات الأساسية التي نستند عليها في تحليلنا لرواية الزلزال للأديب الطاهر وطار.

وقد اعتمدنا في هذه الدراسة المنهج السميائي وحاولنا استثمار بعض المفاهيم والآليات الإجرائية التي ترتكز عليها نظرية السرد عند غر يماس أي سميولوجيا الفعل وسميولوجيا التنشيط والإيعاز:

- المشروع السردي.

- الإنجاز.

- الإيعاز.

- الفواعل الوظائفية. [1]

يقول غريماس إن المسار السردي يشتمل على مجموعة من الأدوار للفواعل بالقدر الذي يشتمل على وحدات (أو مشاريع) سردية. ومجموعة الأدوار التي يقوم بها الفاعل ضمن مسار سردي معين يمكن أن نطلق عليه تسمية الفاعل الوظائفي، فهذا الفاعل الوظائفي ليس مفهوما جامدا وإنما هو مجموع الوظائف والأدوار التي يقوم بها الفاعل ضمن مسار سردي.

ونجد أنفسنا هنا إزاء شكل من أشكال المراتبية النحوية فعبر كل وحدة من هذه الوحدات تتحدد هوية الفاعل الوظيفي أي أدواره، فالفواعل النحوية تكون الوحدات السردية، كما أنه يمكن حصر الأدوار الوظائفية ضمن مسار سردي. أما الفواعل الوظائفية فلا يمكن حصرها إلا ضمن المسار السردي في شموليته ككل.

وبناء على هذا المعطى النظري سنتناول بنية السرد في رواية الزلزال.

سيميائية العنوان:

يدخل العنوان والرواية في علاقة تكاملية وترابطية الأول يعلن والثاني يفسر يفصل ملفوظا مبرمجا إلى درجة إعادة إنتاج أحيانا، وفي الخاتمة عنوانه لكلمة في النهاية ومفتاح نصـه. [2]

وعلى هذا الأساس يعتبر عنوان الرواية "الزلزال" النواة الدلالية الأصلية التي تتفجر منها الدلالات الفرعية الأخرى.

و يلاحظ قارئ رواية الزلزال أن العنوان يرتبط بالمتن الروائي ارتباط السبب بالنتيجة، إنه يمثل فعلا مفتاح النص إنه البداية الكتابية "التي تظهر على واجهة الكتاب كإعلان إشهاري ومحفز للقراءة" [3].

والنهاية المتوقعة التي يرمي إليها النص، إن الزلزال يوحي بحدوث التغيير والتحول "قسنطينة" الحقيقة انتهت، أقول زلزلت زلزالها، لم يبق من أهلها أحد كما كان .[4] "لم يبق من الحياة السابقة إلا الآثار. هدموا عالما وأقاموا آخر" [5]

هكذا تتخذ الرواية من موضوع التغيير مشروعا وبرنامجا سرديا لها.

العنـوان/المتـن:

إن إشارة الزلزال تحيل على ظاهرة طبيعية أرضية انفجارية، والمتن الروائي يحاول تعرية فئة اجتماعية تتخذ من الأرض قاعدتها الأساسية لاستمرار بقائها وهيمنتها، فالزلزال من هذا المنظور فعل إيجابي يكسر ويفتت القاعدة الخلفية للإقطاع. ففعل التأميم يقع على نفس الإقطاعي موقع الزلزال الذي يدمر الكيان ويهدد الوجود "هناك مشروع خطير يهيأ في الخفاء، ينتزعون الأرض من أصحابها يؤممونها..أقسم في الورق الأرض على الورثاء"[6].

إن الشخصية "بولرواح" تتحرك في رواية الزلزال وفق حافز مضمر لإنجاز برنامج مضاد للزلزال/التأميم "اقسم في الورق الأرض".

وإذ يعجز الإقطاعي بولرواح، ويتعبه البحث عن إيجاد مساعدين افتراضيين لتحقيق مشروعه المضاد للزلزال يتحول فعل الزلزال إلى إحساس داخلي يحطم مناعة الذات، ويقذف بها في بحر التوترات الداخلية، وتفتقد الشخصية معالم الطريق وتدخل في عجز تام عن تحديد مكان تواجدها وتحديد الوجهة التي تدفع إليها "لم يعد يدري أين يوجد؟ وهل يحدث أحدا أم لا؟ وهل أن الدفع يدفعه إلى الأمام أم إلى الخلف أم يلولبه ويلولبه في موضع واحد؟".[7]

فعل الحكي:

يميز جينات جرار GENETTE في كتابه أمثلة FIGURES ثلاث أبعاد لكل واقع قصصي:

أ‌. الحكاية:DIEGESE OU HISTOIRE أي جملة الأحداث التي تدور في إطار زمني، ومكاني ما،و يتعلق بشخصيات من نسج خيال سارد تنتج لديه ردود فعل وتصرفات هي على نطاق الدراسة من مشمولات التحليل الوظائفي "[8].

فالحكاية إذن هي جملة من الأفعال/الأحداث المتخيلة والفواعل/ الشخصيات التي تمثل عصب المسار السردي للرواية.

والحكي يقوم به راو أو رواة وفق رؤيتهم للعالم - إذا سلمنا باستقلال رؤيتهم عن رؤية الناص السارد - ويشكل فعلهم هذا لحمة ونسيج الخطاب الروائي "و ليس الخطاب غير الطريقة التي تقدم بها المادة الحكائية في الرواية"[9].

السـرد: وهي العملية التي يقوم بها السارد أو الحاكي (الراوي) وينتج عنها النص القصصي المشتمل على اللفظ (أي الخطاب القصصي) والحكاية (أي الملفوظ القصصي)[10]

السارد/الراوي المتواري: في رواية الزلزال يتولى السارد/ الراوي المتواري فعل القيام بالحكي وبث الخطاب الروائي (حاسة الشم تطغى على باقي الحواس في قسنطينة في كل خطوة وفي كل التفاتة، وفي كل نفس تبرز رائحة متميزة صارخة الشخصية تقدم نفسها لأعصاب وقلب المرء.

علق الشيخ بولرواح، وهو يفتح باب السيارة التي فرغ من مهمة إيقافها.[11]

في هذه الوحدة السردية يقدم الراوي/السارد المتواري أحداث الرواية، ويتحول إلى باث للخطاب الروائي ينوب عن الشخصية في عرض الأحداث ويتكلم عنها وبلسانها (حاسة الشم تطغى على باقي الحواس في قسنطينة…علق الشيخ بولرواح).

هذا الخطاب الذي يرسله الباث الثاني، الذات الثانية للكاتب كما يسميها بوث both إلى قارئ مفترض يعتمد على شفرات خاصة تعمل على تحقيق برنامج سردي يؤدي وظيفتي : التعريف والتخصيص.

الفواعل النحوية الوظائفية : الاسم/الصفة :

1. التعريف: إن الخطاب الروائي يتولى التعريف بالشخصية من خلال التسمية "والاسم متكلم يعلن عن الشخص الذي يحمله من خلال إسناد مكانة له وصفات"[12].

وإذ يأخذ الشخص اسما معناه، أن يعرف ويميز في المجتمع عن باقي أفراد الجماعة التي ينتمي إليها فالتسمية ميثاق اجتماعي يدخل بموجبه المسمى دائرة التعريف الذي تؤهله لاستغلال ذلك الاسم في التعاملات الخاصة مع الأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين. وللاسم دلالة اجتماعية فلقد ذكر الجاحظ في كتاب الحيوان أن العرب كانت تسمى أبناءها بأسماء يتوخى منها التأثير النفسي على العدو: كليث، أسد وضرغام، وكانوا أيضا يسمون عبيدهم بأسماء تحمل دلالة التفاؤل كمحمود، ومسعود، ومبروك.

2. التخصيص: الصفة/الاسم :

يقدم السارد الشخصية المحورية من خلال صفة من صفاتها التي تلازمها طيلة تحركها عبر الرواية حتى أن الصفة لتطغى على الاسم وتغيبه، وإذا يصبح الاسم الحقيقي مجهولا، ومغيبا تتولى الصفة التسمية وتتحول إلى دال مسمى، ومميز للشخصية الروائية.

وفي الحالة هذه يتراجع الاسم عن وظيفته الأصلية: التسمية، ويفقد صفته العلمية، والتعريفية، وتصبح الصفة/الاسم تؤدي ما لم يؤديه الاسم المجهول أو المتجاهل. .فالاسم تعريف، وتسمية، وتميز للذات -أو للشيء- عن مثيلاتها في النوع أو الجنس، أما الصفة فتخصيص، ووسم للذات بعلامات محسوسة إن كانت الصفة خِلقية دائمة ملازمة للشخص أو عارضة، أو انفراد بأفعال وسلوكات إن كانت الصفة مكتسبة بتكرار الفعل أو التعود. إن الصفة/الاسم "بولرواح" تجعلنا نبحث في مدلولاتها المحتملة وعلاقاتها مع شخوص الرواية وبالمكان والزمان والسرد، ذلك أن الصفة إذ تغدو اسم شهرة أو كنية تتحول إلى قرينة "ولكي نعلم لأي شيء تصلح إشارة قرينة فينبغي الانتقال إلى مستوى أعلى (أفعال الشخصيات أو السرد)". فإشارة "بولرواح" التي تحل محل الاسم في الرواية قد نقرأها على مستوى الأفعال على أنها إحالة على ماض مثقل بالخطايا وسلوكات تنبعث منها رائحة القتل، إنها تضمر التعدد والتكرار في الفعل، ونقرأها من خلال السرد على أنها إشارة تضمر فعل التخفي وراء الشبيه الذي لا يمكن إدراكه إلا بقرائن سردية.



التعدد والتكرار :

الأنا الساردة/الأنا الراوية:

في رواية الزلزال يتناوب الراوي/السارد مع الشخصية "بولرواح" في تقديم أحداث الرواية، وإذ تتولى الشخصية القيام بالسرد يتحول فعل الحكي إلى إدانة للذات، وفضح ، وكشف للمستور من ماضي العائلة، واعتراف بالخطيئة، ففعل الإجرام يصبح من هذا المنظور وراثيا لدى العائلة، ومتفقا مع رأي عالم الإجرام الإيطالي لوم بروزوه الذي يرى أن المجرم يلد مجرما فلا جدوى من معالجته وبالتالي إما أن يعزل ، أو يقتل، وقد فضل الطاهر وطار عزل بولرواح في نهاية الرواية وأدخله المستشفى "ارتميت عليها. انبهرت استسلمت إزرورق وجهها، وارتسمت أثار أصابعي في عنقها [13] (ارتسمت أصابعي على عنقك المزرورق مثلما ارتسمت أصابع أبي على عنق عائشة" [14] والكاتب لا يبرر فعل القتل لدى "بولرواح" أو يبحث له عن مبررات لتكييف أفعاله المنجزة بإدراجها في خانة الأفعال اللاإرادية وإنما يضعه في موقف/حالة نفسية ويترصد ردود أفعاله"… عندما رجعت في الصيف وجدت عائشة زوجتي غير موجودة …قالوا ماتت أبوك قتلها. خنق أنفاسها. في صباح الغد وجدناها ميتة… وجدنا الدم في قميصها كان عنقها أزرق كان وجهها أزرق كانت أثار الأصابع في عنقها [15].

في هذا المقطع السردي يبدأ اختيار ردود أفعال الشخصية بالعودة من السفر، وما تحمله هذه العودة من شوق ، وحنين ، ورغبة في لقاء الآخر/الزوجة.

1/ يتم تعطيل إشباع هذه الرغبة بغياب أو تغييب الزوجة (قتلها),

2/ تلقى خبر قتل الزوجة من رواة مجهولين متخفين تحت ضمير الغائب(قالوا)

3/ تحديد هوية القاتل وعلاقته بالشخصية بولرواح.(الأب).

4/ سرد كيفية القتل والتركيز على جانب الفضاعة (الخنق-الدم في قميصها-عنقها المزرورق- آثار الأصابع في عنق الزوجة)

هكذا يضع الناص الشخصية في اختبار فعلي ويتحول إلى محلل نفساني يغوص في نفسية الشخصية ويحفر في لا وعيها يبحث عن تفسيرات لسلوكها.

الإيعاز/الإنجاز:

يبدأ مشروع القتل بتلقي الإيعاز بالقتل من باث يسكن لا شعور الشخصية إذ تتحول (عائشة) الزوجة المقتولة إلى موعز متخف في اللاشعور يحرره الحلم ويدفعه إلى الخارج ويصبح "بولرواح" موعزا له بإنجاز برنامج القتل وهو في حالة اللاوعي، ويقوم بفعله لاإرادي، ففعل القتل يحدث تحت تأثيرات خارجة عن إرادة الفاعل/الشخصية وفي هذا المقطع السردي يتحول بولرواح من سـارد إلى مسـرود له "خدمي يقولون أننـي وأنا لا أذكر"[16].• اكتب كوم

     

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة

رد مع اشارة الى الموضوع


 
نشرة ارسل: الاحد نوفمبر 02, 2008 4:51 pm  موضوع الرسالة:

محمد القاسم


معلومات العضو






غير متصل

 


السلام عليكم اختي ساجدة المزيد من تطور الرواية العربية في الجزائر فأنا كذلك سأمتحن معك في تيارت عند الدكتور محمودي بشير موفقة محمد القاسم

AIM عنوان    MSN Messenger  ICQ رقم

استعرض نبذة عن المستخدمين ارسل رسالة خاصة ارسل الرسالة

رد مع اشارة الى الموضوع


انشر موضوع جديد   رد على موضوع
صفحة 1 من 1

قوانين المشاركة

لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع الغاء مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى

انتقل الى:  

استعرض الموضوع السابق :: استعرض الموضوع التالي  

 

تنسيق الستايل : بوابة المصمم
تطوير : النبع الصافي

Powered by phpBB | Translation by phpBBArabia , phpBBDream

Free Counters