إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ 3 مشاركة ] 
نسخة للطباعة
الكاتب رسالة
 عنوان المشاركة: بنية التركيب النحوي و علاقته بالدلالة
مشاركةمرسل: الجمعة إبريل 24, 2009 4:39 pm 
معلومات العضو
إحصائيات العضو

اشترك في: الجمعة إبريل 24, 2009 3:15 pm
مشاركات: 3
مكان: الجزائر
غير متصل
بنية التركيب النحوي و علاقته بالدلالة
                               دراسة لنموذج شعري
                                                          أ  : صفية طبني
                                                 كلية الآداب و العلوم الانسانية
                                                 جامعة محمد خيضر بسكرة- الجزائر
التركيب والدلالة (والمعنى):
إن المتتبع لمعنى التركيب يجده عند كثير من العلماء على اختلاف تخصصاتهم وتوجهاتهم، وحتى عند الفلاسفة والمناطقة يجد له مفهوما خاصا.
إن اللغويين القدامى يدرجون هذا المعنى في باب المسند والمسند إليه، فسيبويه يرى أن المسند والمسند إليه هما ما لا يستغني أحدهما عن الآخر"( )، وبهذا يصبحان كأنهما لفظ واحد.
أما البلاغيون فقد أدركوا أن النحو هو المنطلق الأساسي لفهم التراكيب اللغوية  فعبد القاهر الجرجاني يعطينا نظرية في النظم (النحو) هي لحد الآن قائمة على أصولها وهي نظرية النظم التي هي "توخي معاني النحو وترتيب الكلام وفق قواعد تراعي الصواب النحوي والمعنوي"( ). وهي نظرية شاملة تعني أنه لا فصل بين النحو والبلاغة، والنظم يعني التأليف، تقول نظمت الخرز نظما… والنظام الخيط الذي يجمع الخرز( ) إذن التركيب عند عبد القاهر هو" النظم" وقد اختاره كبديل لذلك يقول:" وأعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها"( )
يقسم عبد القاهر النظم إلى قسمين: نظم الحروف، ونظم الكلمات، ويرى أن " نظم الحروف يراعى فيها الانسجام، فلو قلنا مثلا ربض مكان ضرب لما حدث ما يفسد المعنى، أما نظم الكلمات فإننا نقتفي فيه آثار المعاني كالرتبة والمطابقة والإسناد".( )
أما الجاحظ فإنه يرى أن النظم هو ما وافق اللفظ لمعناه، وتأليف الألفاظ وحسن تنظيمها كأنها لفظ واحد، ومعظم كلامه في النظم حول نظم الأشعار يقول:" وأجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء، سهل المخارج، فتعلم بذلك أنه أفرغ إفراغا واحدا، وسبك سبكا واحدا، فهو يجري على اللسان كما يجري على الدهان".( )
أما عبد القاهر فقد سبق الفكر الغربي في معرفة التركيب وهو بنظرية النظم يكون  قد طابق ما يطلق عليه الغربيون اسم "Syntaxe" أو علم التركيب الذي يختص "بدراسة العلاقات داخل نظام الجملة وحركة العناصر"( )
هذا بالنسبة للدرس التقليدي أما الدرس الحديث، فإنه يختلف نوعا ما، ونجده في البداية عند دوسوسير رائد اللسانيات الذي يرى أن لعنصر الدلالة أهمية في التركيب فإذا ضممنا عنصرين أو اكثر إلى بعضهما لزم أن تكون بين هذه العناصر علاقات نحوية وصرفية وحتى دلالية يقول:" فالتركيب إذن يتشكل من وحدتين متعاقبتين أو أكثر"( ) وتتميز اللفظة في داخل التركيب بالخطية أي أن " تكتسب كل لفظة قيمها بالنظر إلى ما يحيط بها من عناصر سابقة"( )
أما تشومسكي فإنه يدرج ما يسميه بالبنى التركيبية، وعلاقته بالجمل، لأن الجملة عنده" تتكون من عدة بنى  تركيبية مختلفة( )، وقد أعطى للتركيب المكانة الأساسية، ورأى ان مهمته تتمثل في:" تأدية الحساب عن البنية الداخلية للجمل، فالكلمات والمورفيمات تتألف في مؤلفات وظيفية كموضوع الجملة والمحمول والمفعول"( )، ويرى أيضا باستقلالية التركيب Autonomie de la syntaxe فهو يرى "أن التركيب مستقل عن الدلالة، ولا علاقة له بها، ولكن نعرف البنى التركيبية يجب ان نميز بين الجمل الأصولية والجمل غير الأصولية"( )
أما جورج مونان فإن التركيب عنده يتلخص في النظر إلى شكل الجملة فيقول " تعرف التركيبة عادة بأنها  دراسة هيكل الجملة"( )
أما جون ديبوا فإنه يعرف التركيب بقوله:" التركيب هو ذلك الجزء من النحو، والذي يهتم بالعلاقات أو العناصر المكونة الدالة في الجملة، وهو يستنبط تقليديا من الدراسات الشكلية للخطاب من إلتواءات أو من دراسة الكلمات وكيفية تشكيلها وقد يصبح التركيب هو النحو ذاته"( )
إذن التركيب عند المحدثين يتلخص في كونه الطريق إلى معرفة العناصر المكونة للكلام، ودلالة هذه العناصر، لأنه كلما كانت هذه العناصر مركبة تركيب صحيحا كلما كانت دلالته أكبر، وهو "عبارة عن جسر يربط بين المعنى والصوت"( ).
أما بالنسبة لعلمائنا العرب فنجد محمود السعران، لا يخرج عن معنى النظم فيقول:" والنظم يعني أول كل شيء ترتيب الكلمات في جمل، أي أنه يدرس الطرق التي تتألف منها الجمل من الكلمات، فدراسة النظم في جوهرها هدفها تحديد القواعد المألوفة في ترتيب الأقسام(الطبقات ) الشكلية"( )  إذن يلجأ اللغوي إلى تحديد الأقسام الشكلية التي تخص المورفيمات والكلمات ثم يلجأ إلى نظم الكلام فهو إذن يوافق القدماء في هذه التسمية  ويرى أن هذا التقسيم التقليدي لا يزال قائما.( )
     إذن من خلال كل ما تقدم نستطيع أن نخلص إلى أن التركيب له علاقة وثيقة بالصوت، الصرف، والنحو والدلالة، وفي هذين الأخيرين يرى أهمية الجملة فهي " عملية إنسانية ترتبط فيها العناصر بالمسند، واختص المسند بكل ملفوظ أدنى مصاحب بوسائل وأدوات أو يخلو منها، وهو ما تعقد حوله الجملة، وبه تتحدد وظائف مختلف المؤلفات"( ) ومن مراعاة الدلالة في التركيب يقول عبد القاهر" ليس الغرض بنظم الكلم أن توالت ألفاظها في النطق، بل أن تناسقت دلالتها، وتلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل، وكيف يتصور أن يقصد به توالي الألفاظ في المنطق بعد أن ثبت أنه نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض وانه نظير الصياغة، والتحبير والتفويف والنقش"( )
فالنحو إذن له علاقة وثيقة بالدلالة هذه العلاقة الحميمة " يقوم النحو فيها بالإمداد بالمعنى الأساسي"( ) لأن الوصف النحوي يهتم بالجملة وبالعلاقات القائمة بين عناصرها، لذلك كانت الجملة هي موضوع النحو، وهي أهم وحدات المعنى، هذا في اللغة بصفة عامة، أما في الشعر فإن نسيجه المتلاحم يجعلك تبحث في جوانبه الفنية ، لأن الشعر هو الشاهد على العربية والحجة على تراكيبها لذلك كان للجملة في الشعر شكل آخر يختلف عما هي عليه في النثر، لأن الشاعر " لا يتعامل مع المفردات من حيث كونها مفردات ولكنه يتعامل مع تراكيب تقوم فيها المفردات بوظائف تكتسب بها معاني جديدة لم تكن متوافرة لها من قبل"( )
فالتركيب إذن، بما أنه نظم للمفردات وربطها ببعضها يساعد الشاعر على نظم كلماته في شكلها الذي يريده فهو" يجري موازنة دقيقة بين عدد من التراكيب ويكون في ذهنه عدد من البدائل اللغوية وأنماط متعددة من التراكيب، وفي النهاية يختار عليها جميعا ما يرتضيه ويقدمه في قصيدته"( ).
أما اهتمام الدارس بالجملة فهو اهتمامه بكل ما يطرأ عليها من عوارض " تعنى بأحوال أجزائها الرئيسة وغير الرئيسة، من حيث تقديم بعضها على بعض، وتأخر بعضها على بعض، من حيث ذكره وحذفه، ومن حيث التصريح به أو إضماره"( )
أ/الحذف:
يقول عبد القاهر في الحذف: " هو باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ عجيب الأمر شبيه بالسحر، فإنه ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن( ). والحذف أسلوب بلاغي قديم يلجأ إليه الشاعر، من أجل توضيح بعض الدلالات الإيحائية التي يرمي إليها، وقد يكون السياق هو يدفع المتكلم إلى الاختصار والحذف لبعض عناصر الجملة وهو يدخل في بناء الجملة ويعد أحد المطالب الإستعمالية " فقد يعرض لبناء الجملة المنطوقة أي يحذف أحد العناصر المكونة بهذا المكونة البناء وذلك لا يتم إلا إذا كان الباقي في بناء الجملة بعد الحذف مغنيا في الدلالة كافيا في أداء المعنى"( )

و سوف نوضح ذالك في نموذج المومس العمياء لبدر شاكر السياب
لقد لجا شاعرنا السياب إلى الحذف ليزيد قصيدته إيحاء ويوصل معناه الذي أراده إلى الذهن بإيجاز وهو لم يلجأ إليه "ليحقق ما في النص، بل العكس إذ أن للحذف جماليات وأغراض كثيرة، ومع هذا لم يترك أمر الحذف لفاعل النص يفعل به ما يشاء، بل ضوابط وشروط تحكم هذه الظاهرة"( )
وقد تم الحذف في القصيدة على مستويين، مستوى الصيغة ومستوى التركيب فمن مستوى الصيغة نجد أمثلة كثيرة ومنها قوله:
حتى يهدم أو يكاد، سوى بقايا من صخور.( )
والحذف في هذه الجملة جاء في الفعل (يهدم). والتأويل، حتى يهدم أو يكاد يهدم إن الشاعر يعلم أن جسد هذه الفتاه قد أصبح منهكا من التعب، وفقد صار على شفا حفرة من التهديم (يكاد) وهو لم يستطيع ذكر حقيقة المأساة فتم الحذف فقد حذف الفعل يهدم وذلك لغرض الإيجاز ولأن العطف قد  ناب عن الفعل وقام مقامه.
لقد جاء الحذف أيضا في قوله:
أزهور أجمل أم سعاد؟ بأي شئ جارتاها
تتفوقان؟( )
لقد تم حذف كلمة(أجمل) التي دل عليها السياق، والغرض من ذلك بالضرورة هو الإيجاز، وتفادي التكرار لأن تكرار الكلام من غير ضرورة مفسد للمعنى.
نرى حذفا آخر في قول الشاعر:
ليت النجوم تخر كالفحم المطفأ والسماء
ركام قار أو رماد، والعواصف والسيول.( )
لقد تم الحذف في حرف التمني (ليت)، فقد استعملها مرة واحدة، توحي أن الشاعر قد وحد أمنياته، فصارت: أنها أمنية واحدة، صدرها الأداة.
وتظهر جماليات التركيب أيضا في حذف التراكيب باعتبارها أكثر تعقيدا وتشابكا من ذلك قول الشاعر:
من أي غاب جاء هذا الليل؟ من أي الكهوف؟
من أي وجر للذئاب؟( )
لعل القارئ لهذا البيت يكشف الحذف، فقد تم في تركيب كامل وهو " جاء هذا الليل" فقد دل عليه المذكور الأول. يقول الزركشي:" من شروط الحذف أن تكون في المذكور دلالة على المحذوف إما لفظه أو سياقه، وإلا لم يتمكن من معرفته، فيصير اللفظ مخلا بالفهم.. وهو معي قولهم: لابد أن يكون فيها أبقى دليل على ما ألقى، وتلك الدلالة مقالية أو حالية"( ) .
إذن في هذا المثال الدلالة مقالية، لأن الجملة الأولى دلت على وجود محذوف في الجمل الباقية وقد زاد هذا الحذف الجملة تأكيدا، لأن الإيجاز في الكلام أكثر توكيدا من الإطناب.
قد يأتي الحذف من جنس آخر يقول الشاعر:
لو لم تكن أنثى وتسمع قهقهات من بعيد.( )
لقد حذف في هذا البيت جواب الشرط والتقدير (لما حدث لها ذلك). فغياب جواب الشرط يدل على عجز هذا العالم، وأنه يؤكد الخوف فهو المسيطر على الناس كلهم، وحذفه أدى إلى توضيح الإيحاء.
قد يأتي مثال آخر في قول الشاعر:
وعضت اليد وهي تهمس: بالعيون....!( )
أي ( بالعيون تتفوقان)، لأن السياق يدل على ذلك، إذا أن هذه المرأة تعلم الإجابة أن إلا أن خجلها أعياها من الإجابة، فلم تستطع إكمال الجواب فذلك يحز في نفسها ويجعلها تتألم، وهي تحس أن ذلك ليس بتفوق لذلك لم تذكره.
إذن الحذف أسلوب جمالي أراد الشاعر من خلاله البحث عن سبل التنويع في الكلام، وإبلاغ حاجته التي أرادها.
ب-التقديم والتـأخير:
تتعرض الجملة بصفة عامة إلى تغيير في ترتيب عناصرها وهذا التغيير يصحبه تغير في الأغراض التي تعبر عنها اللغة، وهذا التقديم والتأخير إنما هو لتحقيق بعض المعاني المقصودة والتي هي عبارة عن طاقات تعبيرية تلحق المعاني الظاهرة، فتزيدها تأكيدا وقوة، ولأنه له هذه الأهمية اهتم به اللغويون والنحويون علاوة على البلاغيين فسيبويه مثلا يرى أن " التقديم والتأخير يكون لغرض بلاغي، فتقديم ما الأصل فيه التأخير إنما يكون للعناية به، والاهتمام بشأنه"( )، أما عبد القاهر الجرجاني فقد خصص له بابا في دلائله، وبخاصة في الشعر، فتراه يقول: "ولا تزال  ترى شعرا يروقك سمعه، ويلطف لديك موقعه، ثم تنظر فتجد السبب أن راقك ولطف عندك، أن قدم فيه شئ وحول الفظ من مكان إلى مكان"( )
والتقديم والتأخير يجئ للعناية والاهتمام، كما أنه يؤدي وظائف جمالية وبلاغية، ولأنه لا يمكن النطق بالكلام دفعة واحدة فإنه يتطلب  تقديم بعضه وتأخير البعض الآخر بما أنه ليس هناك شئ من إجراء الكلام أحق وأولى بالتقديم من الآخر باستثناء ما تجب له الصدارة كألفاظ الشرط والاستفهام".
وأول ما نلاحظه في التقديم في القصيدة هو تقديم الفاعل على الفعل، هذه الظاهرة التي اختلف فيها كثير من النحويين، فالبصريون يمنعون ذلك ويقدرون فعلا، بينما " يرى الكوفيون أن الفاعل المقدم يرتفع بما عاد إليه من الفعل من غير تقدير فعل آخر.
يقدم الفاعل على الفعل لاعتبارات عدة لغوية وبلاغية، وهذا التقديم لا يخرج الكلام عن طبيعته لان الجملة " التي يتقدم فيها الفاعل (الاسم) تبقى فعلية، ولا فرق بين جملة تقدم فيها الفعل، وأخرى تقدم فيها الفاعل إلا من حيث المستوى التعبيري لكل منهما"( )
يقول الشاعر:
الليل يطبق مرة أخرى.فتشربه المدينة.( )
هنا تقديم عناية واهتمام لأن المقام يستدعى ذلك. فالشاعر يهمه أن يبين أن المدينة أصبحت مظلمة وخيم عليها الليل كتقديم أولى لمظاهر الحرمان.
وقوله أيضا:
والموت يلهث في سؤال.( )
إن الشاعر  يهمه الحدث يقدر بقدر ما يهمه صانع الحدث، فالموت هنا هو الذي يهم الشاعر، لأنه يريد أن يصور جميع أنواع الكوارث التي تحيط بهذه المرأة.
ومن شواهد تقديم الفاعل على الفعل تحقيقا لمطلب بياني وبلاغي، قول الشاعر:
جيف تستر بالطلاء يكاد  ينكر من رآها( )
فالشاعر فيما يبدو أنه يقصد أن يتقدم الفاعل على الفعل، لأنه كثير استعمال هذا النوع، والذي يظهر عليه أنه موقف انفعالي واضح فالفاعل(جيف) قد تصدر الجملة يتبع فعل مضارع لتأكيد المعنى وقد أكد البلاغيون العرب أن ما يحدثه تقديم الفاعل على الفعل" من تشويق للنفس وحض على معرفة ماذا فعل فالنفس لا بد وأن تنجذب وترهف السمع لتعرف ماذا فعل الفاعل"( )
و أمثلة تقديم الفاعل كثيرة نجدها في القصيدة( )
ومن العناية والاهتمام أيضا ظاهرة أخرى هي تقديم المجاور المجرور وهو يمثل ظاهرة تركيبية شائعة في العربية.
يقول الشاعر:
كالقمح لونك يا أبنة العرب( )
إن الشاعر هنا قد بدأ بالجار والمجرور والذي يمثل حرف الكاف فيه حرف الجر  لأنه يهمه تبيين صفات هذه المرأة، وهو الذي يدل على عناية الشاعر واهتمامه بمتعلقات الإسناد.
ولأن التقديم هو تقديم عناية وتخصيص فإنه لا يتردد في الوصف.
ومن أمثلة تقدم الجار والمجرور أيضا قول الشاعر:
من أي غاب جاء هذا الليل؟ من أي الكهوف
من أي وجر للذئاب؟( )
تفيد "من" التي من حرف جر في الاصطلاح النحوي الغاية،" وأي" هنا حرف استفهام بدأ الشاعر به أبياته، وهو تصور يمدنا بقوة، إحساس الشاعر ولفت الانتباه لمعرفة المكان التي أتى منه هذا الليل، إلا أن الظاهرة لغوية بحتة فالاستفهام له صدارة الكلام.
إن التقديم والتأخير في قصيدة السياب يعد ظاهرة لغوية، أراد الشاعر من خلالها أن يكون له قاموس خاص به وهو لم يخالف اللغة، في ذلك بل كان ينطق من الواقع اللغوي. باعثا لنفسه أفكارا تساعد على تبيان موافقة، وقد أكثر السياب من تقديم الفاعل، في أكثر من موضع، حتى يخيل إليك أنه لجأ إلى ذلك تكلفا وعمدا، وكأنه في هذه الحالة يحث القارئ على التركيز على الفاعل لأنه السبب في كل ما يحدث لهذه المرأة. ولا نجد أمثلة أخرى للتقديم اكثر من هذا النوع.
أيضا ظاهرة أخرى، تظهر جلية في القصيدة وهي الاعتراض بين الفاعل والمفعول يقول السياب:
    الخيل من سأم تحمحم وهي تضرب بالحوافر
حجر الطريق ( )
تكثر هذه الظاهرة لأن الجار والمجرور متعلق بما قبله في الإسناد، وتأتي كذلك للتنبيه، والتأكيد على أهميته، وفي مثالنا هذا اعترض الجار والمجرور (بالحوافر)، الفاعل (ضمير مستتر تقديره هي). والمفعول به (حجر) وهذا لتعلق هذا المجرور في نفس الشاعر أي التأكيد على أن الحدث حصل بالحوافر وليس بشيء آخر.
يقول أيضا:
وخطاه مطرقة، تستمر في الظلام على البغايا
أبوابهن إلى الصباح فلا اتجار بالخطايا. ( )
ويقول:
ويظل يخفرهن من شبع وينثر في الرياح
أغنية تصف السنابل والأزاهر والصبايا( )
لقد اعترض  الجار والمجرور في هذه الأمثلة بين الفاعل والمفعول والجار والمجرور هو(في الظلام، على البقايا، في الرياح) اعترضت الفاعل (ضمير مستتر يعود على ما قبله) ففي المثال الأول يعود على مطرقة، والثاني على محذوف، أما المفاعيل فهي: (أبواب، أغنية) والغرض من هذا الاعتراض هو إبراز أهمية المجرور في نفس الشاعر وفي نفس المتلقي.
ج/التنكير:
التنكير أو الأسماء المنكرة ظاهرة ذات شأن، أدلى النحاة في شأنها بدلوهم، كل حسب رأيه، وهذه الظاهرة تضيف "إلى التركيب صورة أو معنى أنضر، ويكون له في النفس أنس ولطف موقع"( )
ويمثل التنكير ظاهرة مميزة في الشعر لأنه يعبر عن حالة خاصة تتعلق بالشاعر.
وقد تكلم عبد القادر الجرجاني عن مسألة التنكير وأعطاها مفهوما وشرح ذلك بإعطاء أمثلة معينة من القرآن الكريم وكان ذلك في باب اللفظ والنظم( ) وقد ألح في ذلك الشرح على معنى (البعضية) وقد استعان بها لفهم العبارة ويرى أن التشكيل النثري لا يكون له هذا الموقع النفسي الذي تراه في التركيب الشعري( )
إذن فالاسم ينقسم إلى نكرة ومعرفة إلا أن" النكرة هي الأصل إذ لا يوجد معرفة إلا وله اسم نكرة"( ) والنكرات المحضة عكس المعرفة. أي ما خلت من أداة التعريف " أل" وقد خص النحاة أداة التعريف "أل" بكثير من الاهتمام، فبوبوا الأسماء المعرفة بـ"أل" أبوابا متنوعة حسب دلالتها في السياق ( )، إلا أن نظرنا في قصيدة السياب مكننا من ملاحظة نزعات خاصة في إجراء التنكير، تحلل فيما يلي ابرز ما يماثلها.
     يقول السياب:
والأعين التعبى تفتش عن خيال في سواها( )
إن  الملاحظ أن السياب قد استعمل هنا كلمة "خيال" منونة وهي كلمة مفردة مجردة من "أل" جاءت منونة، وقد أراد الشاعر من خلالها أن يعلمنا أنه لا يقصد خيالا بعينه، وإنما عن شيء غير محدد، فهذه العين تبحث عن متنفس، فلا تستطيع من تعبها أن تحدد شيئا، فهي تبحث عشوائيا ودون تمييز، إذا التنوين أدى لنا دورا دلاليا تمثل في التنكير هذه الظاهرة الصوتية هي في الحقيقة "مورفيم يدل على أن الكلمة نكرة"( ) إذن فقد استعمل الشاعر التنوين الذي هو عبارة عن "نون ساكنة تلحق الآخر لفظا لا خطا لغير توكيد"( )، وقد لاحظنا ذلك على كلمة "خيال" فقد لاحقتها نون لا نراها في الكتابة ولكن ننطقها ولو كتبت لكانت الكلمة "خيالن"، وبذلك فقد قوى التنوين التنكير في هذه الكلمة.
     وإذا أردنا أن نرصد هذه الظاهرة في القصيدة وجدنا لها أثرا ووقعا في النفس، فقد استعملها الشاعر لأنه دائم البحث عما يجعل السامع أو القارئ يتوق لأن يسمع أكثر، فالتنوين إشارة إلى معلومة لاحقة لم تخصص بعد.
     ومن أمثلة ذلك أيضا قول الشاعر:
قلب تحرق في المحاجر وأشرأب يريد نور؟( )
     جاءت كلمتا "قلب"، "نور" نكرتان، وهما منونتان، وبذلك لم تفيدا مسمى مخصصا وإنما أفادتا معنى مطلقا، فهذه المرأة تبحث عن النور مهما كانت وجهته أي من أي مكان لأنها تريد إنارة الظلماء التي يحسن بها قلبها.
     يقول أيضا:
يا ليت حمالا تزوجها يعود مع المساء
بالخبز في يده اليسار وبالمحبة في اليمين( )
     تتمنى هذه المرأة أن تخرج من بؤسها، حتى وإن استدعى ذلك أن تتزوج من حمال. فقد نطقت الكلمة هنا بالتنوين، لأن هذه المرأة أرادت رجلا مطلقا غير معين، فلو أرادت تعيينه لما نونت الكلمة.
     نلاحظ أن قصيدة السياب يغلب عليها هذا الطابع، وهو التنكير بالتنوين يقول:
سور كهذا حدثوها عنه في قصص الطفولة:
   "يأجوج" يغرز فيه، من حنق، أظافره الطويلة. ( )
     يسهل علينا عند قراءة هذه الأبيات إدراك أن الشاعر لا يقصد بكلمة "سور" المنونة، سورا بعينه، والقارئ يحسن أن هناك معلومات أخرى لاحقة لابد أن تقال، فيواصل القراءة حتى يعلم أكثر.
     بالإضافة إلى أمثلة كثيرة أخرى تزخر بها القصيدة، وتدل أن الشاعر قد استطاع التصرف في كلماته، فجاء التنوين مؤديا معنى دلاليا أضفى على النص دلالة إيحائية، الغرض منها إبراز المعنى











هوامش البحث
( )  أنظر: سيبويه، الكتاب،تح عبد السلام هارون , مكتبة الخانجي القاهرة و الطبعة الثانية  1/23.
( )  صالح بلعيد، التراكيب النحوية ودلالاتها في السياقات الكلامية والأحوال التي ترتبط بها عند عبد القاهر الجرجاني،رسالة ماجستير جامعة الجزائر1407ه 1987م ,  ص10.
( ) ابن فارس، معجم مقاييس اللغة،تح عبد السلام هارون,دار الجيل ,بيروت1411ه1991م,الطبعة الأولى  5/442.
( ) عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز،تع وشرح عبد المنعم خفاجي,مكتبة القاهرة 1969,الطبعة الأولى  ص64/65.
( )  نفسه، ص49.
( ) الجاحظ، البيان والتبيين، تح عبد السلام هارون, دار الجيل بيروت (د ت) 1/67.
( )  المنصف عاشور، التركيب عند ابن المقفع في مقدمات كتاب كليلة و دمنة , ديوان المطبوعات الجامعية’ الجزائر 1982، ص15.
( ) دوسوسير، محاضرات في الألسنية العامة،تر يوسف غازي وآخرون المؤسسة الجزائرية للطباعة1986 ص 149.
( ) نفسه، ص149.
( )  جون سيرل، تشومسكي والثورة اللغوية، مجلة الفكر العربي، عدد 8-9، ص126.
( ) نفسه، ص128
( ) بتصرف Jacque moeschler, et antoine auchelin: Introduction a la linguistique contemporaine. Armand  colin 2eme  édition , paris 2000. Page  78.
( )  جورج مونان، مفاتيح الألسنية، ترجمة الطيب البكوش،منشورات سعيدان للطباعة و النشر سوسة1994 ص101.
( ) بتصرف Jean dubois et autres, dictionnaire de linguistique, librairie Larousse. 1974. Page 480
( )  ميشال زكريا، الألسنية التوليدية والتحويلية،وقواعد اللغة العربية , المؤسسة الجامعية للدراسات و التوزيع,بيروت1403ه 1983م , ص 17.
( )  محمود السعران، علم اللغة ، مقدمة للقارئ العربي ،دار الفكر العربي,1999,الطبعة الثانية ص 230.
( )  نفسه، ص 207.
( )  لخضر بلخير ، التركيب اللغوي،رسالة ماجستير,جامعة باتنة1991 ص 15.
( )  عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص 49 –50.
( )عبد اللطيف محمد حماسة ، النحو والدلالة،مدخل لدراسة المعنى النحوي الدلالي ,القاهرة الطبعة الأولى,  ص 13.
( )عبد اللطيف محمد حماسة، في بناء الجملة العربية،دار الشروق مصر1996الطبعة الأولى  ص 417.
( )  نفسه، ص 418.
( ) مهدي المخزومي، في النحو العربي نقد وتوجيه،منشورات المكتبة العصرية ,بيروت1964 الطبعة الأولى  ص 37.
( )  عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص 149.
( )  محمد حماسة، في بناء العربية، ص 346.
( ) د/ صبحي إبراهيم الفقي، علم  اللغة النصي بين النظرية والتطبيق ، دار قباء للنشر القاهرة2000,الطبعة الأولى ص 207.                    
( ) بدر شاكر السياب ,الديوان , المجلد الأول , دار العودة بيروت .
( ) نفسه، ص 531
( ) نفسه، ص 534.
( )  نفسه، ص 509.
( ) الزركشي، البرهانفي علوم القرآن,تح محمد ابو الفضل ,دار المعرفة بيروت 1972, الطبعة الثانبة  3/111 وما بعدها.
( ) الديوان، ص 522.
( ) نفسه، ص 531.
( ) سيبوبة، الكتاب 1/27،41
( ) عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص 137
( ) لخضر بلخير، في التركيب  اللغوي، ص157.
( ) الديوان، ص 509.
( )  نفسه، ص 511.
( ) نفسه، ص 513.
( )  سمير أبو حمدان، الإبلاغية في البلاغة العربية، ص 123.
( )  أنظر: الديوان، ص 524-529-533-534.
( )  الديوان، ص 536.
( )  نفسه، ص 509.
( )  نفسه، ص 515.
( )  مصدر سابق، ص 523.
( )   نفسه، ص 523.
( )  تامر سلوم،  نظرية اللغة والجمال،ص 130.
( )  أنظر: دلائل الإعجاز، ص269 وما بعدها.
( ) عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز .ص 232.
( )  د/أحمد ماهر البقري، النحو العربي شواهد ومقدماته.ص241.
( ) أنظر:ابن هشام، مغنى اللبيب عن كتب الأعاريب، 1/49 وما بعدها.
( ) الديوان،  ص510.
( )  محمود السعران، علم اللغة، مقدمة للقارئ العربي، ص 220
( ) كمال بسيوني، كتاب المفردات النحوية،مكتبة الدراسات النحوية,1988 الطبعة الاولى ص 187.
( )  الديوان، ص 519.
( ) نفسه، ص522.
( )  نفسه، ص 529.


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركةمرسل: الجمعة نوفمبر 06, 2009 2:43 pm 
معلومات العضو
إحصائيات العضو

اشترك في: الخميس نوفمبر 05, 2009 2:10 am
مشاركات: 9
مكان: السعودية
غير متصل
السلام عليكم ورحمة الله


معلومات قيمة بارك الله فيك


د\صفية وجدت أحد مراجعك هذا المقال

تشومسكي والثورة اللغوية ، جون سيرل ، مجلة الفكر العربي


زأريد هذا المقال وأحتاجه بشدة


لكن للأسف لم أجده


هل لديك صورة منه تزوديني بها مشكورة؟؟


وجزاك الله كل خير


أختك في الله

التوقيع
رب اجعل لي من أمري مخرجا


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركةمرسل: الخميس نوفمبر 26, 2009 10:09 pm 
معلومات العضو
إحصائيات العضو

اشترك في: الخميس نوفمبر 26, 2009 11:15 am
مشاركات: 22
مكان: المغرب
غير متصل
شكرا جزيييلا


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
عرض مشاركات سابقة منذ:  مرتبة بواسطة  
إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ 3 مشاركة ] 

جميع الأوقات تستخدم GMT
اليوم هو الاثنين نوفمبر 24, 2014 12:48 am


الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 0 زائر/زوار


لا تستطيع كتابة مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لا تستطيع كتابة ردود في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع حذف مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع إرفاق ملف في هذا المنتدى

البحث عن:
الانتقال الى:  
Powered by phpBB © 2014 phpBB Group
ترجم بواسطة phpBBArabia | Design AdevConsulting:AdevConsulting
  AdevConsulting   http://www.AdevConsulting.com