إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ مشاركة واحده ] 
الكاتب رسالة
 عنوان المشاركة: علم اللغة الحديث بدايات وتطور
مشاركةمرسل: الأربعاء فبراير 25, 2009 6:29 am 
معلومات العضو
إحصائيات العضو

اشترك في: الأربعاء ديسمبر 05, 2007 3:34 pm
مشاركات: 10
مكان: الحجاز
غير متصل
[align=center]علم اللغة الحديث بدايات وتطور[/align]
نقلا عن محاضرات للدكتور صلاح كزارة -جامعة حلب ليس لي إلا النقل والعمل للطالب  أحمد عابد
تمهيد :
يتميز الإنسان عن سائر الكائنات الأخرى بميزتين أساسيتين هما : العقل والمنطق ، فقد كرَّم الله سبحانه وتعالى آدم بالعقل وعَلَّمَه الأسماء كلها وكانت مَلَكَته العقلية هي التي تقف خلف مَلَكَتهِ اللغوية ، وهاتان الميزتان هما اللتان جعَلَتَا الإنسان يشعر بتميُّزه عن سائر المخلوقات من حوله .
من هنا بدأ الإنسان يُفَكِّر باللغة , من أين أتت ؟ لماذا خُصَّ بها دون غيره من المخلوقات ؟ وما هي لغة آدم الأولى التي ظهرت على سطح الأرض ؟
كانت الإجابات مختلفةً متعدِّدَةً باختلاف الشعوب و تعدُّدها , فقد قال العرب إنَّ اللغة الأولى هي العربية , وقال الفرس إنها الفارسية , وقال اليونانيُّون إنها اليونانية ، ولكنَّ وجهات النظر هذه تبقى مجرَّدَ أقوالٍ شعبيَّةٍ لا تستند إلى أُسُسٍ علميَّةٍ , لذلك نشأ ما يُسَمَّى بعلم اللغة الشعبي الذي يُمَثِّلُ وجهات نظرٍ تخمينيَّةً وآراءً بدائيَّةً عن أصل اللغة ونشأتها .
كان الإنسان البدائي يُفَكِّر في كل ما حوله , بما في ذلك اللغة , وهذا أمر طبيعيٌّ ناتجٌ عن دافع الفضول الإنساني وحب الاستطلاع , الذي أدى في بعض الحضارات القديمة إلى نشوء علومٍ في بعض مجالات الظواهر الطبيعية المحيطة بالمجتمع , فكان سبب نشأة هذه العلوم هو الوعي بالذات الناتج عن مَلَكته العقلية التي استدعت التفكير .
ومن هذه العلوم التي نشأت قديماً علمُ اللغة , فعلم اللغة أو اللسانياتُ الحديثةُ هي نتاجُ الماضي , وهي في الوقت نفسه تشكل مادةً للمستقبل ، لذا علينا ألاَّ نحتقِرَ جُهود القدماء لأنها كانت بالنسبة لهم إنجازاً في ذلك الوقت , فالعلماء في كل جيل لا يبدؤون من الصفر , وإنما ينطلقون من النقطة التي توقَّف عندها القدماء ، ومن هذا المنطلق فإنَّنا نؤكِّدُ أنَّ المعرفةَ عمليَّةٌ تراكميَّةٌ تقدُّميَّةٌ .
بدايات نشوء علم ا للغة وجهود القدماء :
بدأت العلوم اللغوية بالظهور نتيجة عناية الإنسان باللغة , وذلك عندما شعر بأهميتها كونها أداةَ تواصلٍ تُمَيِّزه عن غيره , وتستطيع أن تُخَلِّد فكره , وتحفظ آثاره .
والعناية باللغة كانت في أكثر من مركز من مراكز الحضارات القديمة ؛ في الهند واليونان وبلاد الرافدين وبلاد الشام , لكنَّ ما نشأ في كلِّ مركز من هذه المراكز كان بمعزل عمَّا نشأ عند الآخر , فما تَوَصَّل إليه الهنود كان منعزلاً ومختلفاً عمَّا تَوَصَّل إليه اليونانيُّون , والسبب الأساسي في هذه العزلة هو الحدود الطبيعية من أنهارٍ وجبال وغيرها مما كان يفصل بين الشعوب .
ولكن عندما تواصلت هذه الحضارات عن طريق الحروب أو المعاهدات أو غيرها أخَذَ كُلٌّ منها عن الآخر واغتنى علم اللغة
المنجزات اللغوية عند الهنود القدماء :
تعدُّ الهندُ موطن ولادة علم اللغةِ ، إذ ظهرَ فيها الاهتمامُ بعلمِ اللغةِ أو بدراسةِ اللغةِ ، وذلك لغاياتٍ وأسبابٍ عمليَّةٍ نفعيَّةٍ تطبيقيَّةٍ ، ذلكَ لأنَّ اللغةَ الهنديَّةَ القديمةَ ( السنسكريتيَّةَ ) هي لغة النصوصِ الدينيَّةِ المقدَّسةِ التي تُسمَّى بنصوصِ ( الفيدا ) نصوصِ الديانة البوذيَّة ، هذه الأناشيد أو التَّراتيل الدِّينيَّة التي كتبت بالسنسكريتيَّةِ القديمةِ أضحت غيرَ مفهومةٍ بالنِّسبةِ إلى الأجيالِ الجديدةِ التي تعوَّدت على اللَّهجاتِ بعيداً عن السنسكريتيَّةِ الأصلِ .
وسُمِّيَ النَّحوُ عندَ الهنودِ القدامى باسمِ ( فياكارنا ) وظهرت المعاجم قبل الميلادِ بفترةٍ طويلةٍ ، وكانت تحتوي على الكلماتِ غيرِ المفهومةِ الواردةِ في أناشيدِ الفيدا ، حيث قام اللغوي ( باسكا ) بوضعِ شروحٍ للغةِ الفيدا ، كما يُعدُّ ( براهمن بانيني ) من أشهر اللغويينَ الهنود ، والذي ألَّفَ نحوَ اللغةِ السنسكريتيَّةِ ، وقد سمَّاهُ ( سوزا )  .
يتألَّف نحو بانيني هذا من ثمانيةِ أجزاءٍ ، أو من أربعةِ آلافِ قاعدةٍ شعريَّةٍ قديماً كانت تُحفَظُ غيباً ، ويحتوي هذا الكتابُ على تحليلٍ صرفيٍّ دقيقٍ جدَّاً للُّغةِ السنسكريتيَّةِ ، كما يحتوي على وصفٍ جزئيٍّ لنظامها الصُّوتيِّ .
نظرَ الهنودُ إلى الصَّرفِ على أنَّهُ دراسةٌ لأقسامِ الكلامِ ، كما نظروا إلى اشتقاقِ الكلماتِ وتغيُّرِها ، وميَّزوا بينَ أربعةِ أقسامٍ للكلامِ هي : الاسمُ والفعلُ وحروفُ الجرِّ والأدواتُ الأخرى .
أمَّا في مجالِ الأصواتِ فقد كانَ السَّعيُ إلى التَّوصُّلِ إلى النُّطقِ الصَّحيحِ لأناشيدِ الفيدا وراء اهتمامهم أو ما بعدَ اهتمامهم لدراسةِ الأصواتِ والبحوثِ الصَّوتيَّةِ التي ازدهرت لديهم ، فالصَّوتيُّونَ الهنودُ لم يتوقَّفوا عند الوصفِ الدَّقيقِ لنطقِ الأصواتِ المفردةِ ، بل أنشؤوا مبادئ صحيحةً لتصنيفِ الأصواتِ ، وميَّزوا بينَ الأصواتِ السَّاكتةِ والمتحرِّكةِ ونصفِ المتحرِّكةِ .
أثَّرت البحوثُ اللغويَّةُ الهنديَّةُ في الشُّعوبِ المجاورةِ ، فمع انتشارِ الدِّيانةِ البوذيَّةِ في الصِّين انتشرت أفكارهم اللغويَّةُ عامَّةً ووصلت هذه الأفكارُ إلى الإغريقِ عن طريقِ بلاد فارسَ قبل الميلادِ ، كما أنَّ هنالك من يرى أنَّ هذه الأفكار اللغويَّةَ اليونانيَّةَ قد أثَّرت في اللغويِّينَ العرب ثمَّ انتقلت إلى الأوربيِّينَ بدءاً من القرنِ الثَّامن عشر عندما عُرِفت اللغةُ السنسكريتيَّةُ في أوربَّا .
نُشيرُ هنا إلى أنَّ اللغويِّين الهنود كانوا وصَّافينَ للُّغةِ ، كما درسَ الهنودُ مسألةَ الصِّلةِ بينَ اللفظِ والمعنى أو بينَ الصِّلةِ بينَ الكلمةِ ومدلولِها ، وانقسموا إزاءَ هذه المسألةِ فريقينِ ؛ فريقٌ يرى الصِّلةَ طبيعيَّةً وحتميَّةً ، وفريقٌ يراها صلةً اصطلاحيَّةً اعتباطيَّةً .
يقول اللغوي الهندي ( باتنجالي ) : ( إنَّ الشَّخصَ الذي ينطق نصوص الفيدا بطريقة صحيحة كلمةً كلمةً ونبراً نبراً ومقطعاً مقطعاً حقيق بأن يقف في مقام الفداء أمام الرب ويقدم القرابين له ) .
وبصدد الاعتراف بفضل الهنود في مجال الدِّراسات الصَّوتيَّةِ يقول اللغوي الإنجليزي جون فيرث : ( لقد نشأت الدراسات الصوتية ونَمَتْ في أحضان لغتين مقدَّسَتَيْن : العربيَّة والسنسكريتيَّة ) .
كما يقول بِرْجشتراسر : (لم يَسْبِقِ الأوربيين في هذا العلم إلاَّ قومانِ هما العرب والهنود ) .
المنجزات اللغوية عند الإغريق :
شغلت قضايا علم اللغةِ مكاناً هامَّاً وبارزاً في المناقشات الفلسفيَّةِ عند الفلاسفةِ الإغريق واعتمدوا في هذا على الوظائف المعرفيَّةِ والفلسفيَّةِ والتربويَّةِ والخطابيَّةِ لا على الوظائف الدِّينيَّةِ والعمليَّةِ ، وتركت هذه النَّظرةُ الفلسفيَّةُ إلى اللغةِ أثراً واضحاً في القضايا المدروسةِ لاسيَّما في العلاقةِ بين الكلمةِ والمعنى أو بينَ الأشياءِ ومسمَّياتها .
ويمكن تقسيم الدِّراسات اليونانيَّةِ حولَ اللغةِ إلى فترتين :
- الفترة الفلسفيَّةُ ( 5-3ق.م ).
- الفترة الإسكندرانيَّة ( 3ق.م – 4م ) .

ويُعدُّ الإغريق أوَّلَ من سجَّلَ ودوَّنَ حُروفَ المدِّ في الكتابِ ، كما أنَّهم ميَّزوا بين أقسامِ الكلامِ واهتمُّوا ببنيةِ اللغةِ ونشأتِها أكثرَ من عنايتهم بتطوُّرِ اللغاتِ وتنوُّعِها ، فمن حيثُ مسألة الصِّلةِ بينَ اللفظِ والمعنى انقسَمَ الفلاسِفةُ الإغريقُ فريقينِ : الأوَّلُ يُمثِّلُهُ أفلاطون  427 – 347 )ق.م ) في حوارِهِ ( براتينوس ) ويرى أنَّ الصِّلةَ لازِمةٌ طبيعيَّةٌ ، والفريقُ الثَّاني يُمثِّلُهُ أرسطو ( 384 – 322ق.م ) ويرى أنَّ هذه الصِّلةَ اصطلاحيَّةٌ عرفيَّةٌ .
أمَّا في الإسكندريَّةِ فقد بلغ علم اللغةِ عند اليونانِ أوجَ ازدهارِهِ في الفترةِ الهلنستيَّةِ ( اليونانيَّة – الشَّرقيَّة 334 – 531ق.م )
في الإسكندريَّةِ في مصر وفي منطقة ( بـيرغام ) في آسيا الصُّغرى ، وفي جزيرة رودوس .
قام قواعديو الإسكندريَّةِ بجمعِ كلمات اللغةِ ووضعِها في معاجِمَ، كما قامَ ( ديسكولوس ) بوضعِ نحوٍ وصفيٍّ للُّغةِ اليونانيَّةِ.
المنجزات اللغويَّة عند الرومان :
كانت منجزات اللغويِّين الرومان متواضعةً في هذا المجال ، فقد كانوا تلامذةً للإغريق وطبَّقوا نظام قواعديِّي الإسكندريَّةِ على اللغةِ اللاتينيَّةِ ، حيثُ إنَّ النَّحوَ اليونانيَّ قد وصل إلى روما في القرن الثَّاني قبل الميلاد ، أي في عام ( 167ق.م ) عندما وصل ( كراتيس ) رئيس مدرسة ( بـيرغام) اللغويَّة إلى روما بوصفِهِ سفيراً .
اهتمَّ اللغويُّون الرومان بالبلاغة وأدخلوا في أقسامِ الكلامِ أسلوب النِّداءِ ، وقام ( بولي تسيزار ) بإضافةِ بعضِ الجوانب الإعرابيَّةِ غيرِ الموجودةِ في اليونانيَّةِ .
ويُعدُّ اللغوي ) مارك فارون ) أو ( مارك فارو) من أشهر القواعديين الرومان ( 116 – 27ق.م ) وقد ألَّفَ كتاباً في نحو اللغةِ اللَّاتينيَّةِ سُمِّيَ بـ ( حولَ النَّحو الرُّوماني ) في خمسةٍ وعشرينَ كتاباً وصلَ إلينا منه ستَّةُ كتبٍ فقط .
المنجزات العربية اللغوية في القرون الوسطى :
ظهر النحو العربي بقفزةٍ نوعيَّةٍ عندما ظهر كتاب سيبويه مُحِيطَاً بكافَّةِ نواحي علوم العربيَّةِ , فهو يضمُّ النَّحوَ والصَّرفَ والبلاغة واللغَة والأصواتَ . ويتساءل البعض : ألم تكن هناك بداياتٌ ومقدِّمَاتٌ لكتاب سيبويه ؟
لقد كانت هناك بدايات , لكنها لم تكن مدوَّنة , فقد كان اللغويُّونَ قبلَهُ يذهبون إلى الصَّحراء ليأخذوا اللغة عن الأعراب الفُصحاء , ولكنهم لم يكونوا يدوِّنون ما يَجمَعُون , وربما ألَّف بعضهم شيئاً عن ذلكَ لكنَّ كتبهم لم تصل إلينا .
وربَّمَا كان من أهمِّ منجزات العربِ الكبرى في القرون الوسطى المعاجمُ , إلى جانبِ اهتمامهم بالأصوات والنَّحوِ ، وقد تفنَّن العربُ في المعاجم , ولم تستطع أيَّةُ أمَّةٍ أن تصل إلى هذا المستوى العربي في وضع المعاجم .
لقد صنع العربُ معاجمَ في الألفاظ , وأخرى في المعاني , وقبلها كانت هناك رسائلُ في الخيل والشَّجَرِ والشاة وغيرِها ، ثم ظهر معجم العين للخليل , ثم تلاهُ كتاب سيبويه .
وفي أثناء ذلك وبعده أخذ العرب يتفننون في المعاجم , فرُتِّب العين بحسب مخارج الحروف , ورُتِّبَ غيرُهُ بحسب التَّقَالِيبِ , ومعاجِمُ أخرى رُتِّبتْ حسب أوائل الكلمات أو أواخِرِها , وأخرى رُتِّبت بحسب المعاني , كـ ( فقه اللغة ) للثعالبي , و ( المُخَصَّص ) لابن سِيدَه ( ت 458هـ ) .
أما نظريَّةُ الحقُولِ الدِّلالِيَّةِ التي قال بها اللغويُّونَ في العصر الحديث , حين لجؤوا إلى تقسيم كلماِت أية لغة إلى مجالاتٍ وحقولٍ فقد طبَّقها ابن سيده في معجمه في القرن الخامس الهجري , أي قبل ظهورها في القرن العشرين بقرون .
منجزات عصر النهضة الأوربية إلى نهاية القرن الثامن عشر  :
سادت في هذه الفترة فكرةُ منطقِيَّةِ اللغَةِ , أي محاولةُ إخضاعِ اللغَةِ لقواعِدِ المنطق ، هل تتشابه جميع اللغات في بنيتها ؟ وهل يمكن أن تشترِكَ القواعِدُ بين جميعِ اللغاتِ ؟ وبما أنَّ المنطق واحد فهل يمكن أن تكونَ القواعِدُ التي تحكم اللغاتِ واحدةً ؟ وهل تخضَعُ اللغَةُ لمنطِقِ الحَيَاةِ ؟
سادت فكرة منطقية اللغة في مدرسة بور رويال , حيث قام اثنان من القسس هما ( لانسلو ) و ( أرنو ) عام 1660م بوضع كتاب أُطْلِقَ عليه اسم ( النحو العام والعقلاني ) حيثُ قالا إنَّ النَّمَاذِجَ النَّحويَّةَ ينبغي أن تتطابق مع متطلَّبات المنطق ، ولَمَّا كان المنطِقُ واحداً عند البشر جميعاً كان من الممكن بناءُ نظريَّةٍ نحويَّةٍ جامِعَةٍ تُناسِبُ جوهر اللغاتِ جميعاً .
استمر هذه التيَّارُ المنطقيُّ العقلانِيُّ حتَّى القرنِ الثامن عشر لاسيما في فرنسا , وحتى ذلك التاريخ كان اللغويون يعتدُّون باللغة المكتوبة ، ثم بدأ اهتمام الإنكليز ينصبُّ على اللغة المنطوقَةِ , الأمرُ الذي كان يُعَدُّ شيئاً مبتكراً في ذلك الوقت ؛ ذلك أنَّ اللغَةَ السَّائدَة في الدِّرَاسَاتِ اللغويَّةِ كانت اللغةَ اللاتينيَّةَ ونصوصَها المكتوبَة إلى أن استقلت اللغات القومية كالفرنسية والإسبانية والإيطالية ، والتي كانت مجرد لهجات يُنْظَر إليها نظرةً دُونِيَّةً .
في القرن الثامن عشر بدأت في أوربا حقبةٌ جديدةٌ يمكن أن نطلق عليها اسم ( حقبة التَّأمُّلِ في أصلِ اللغَةِ ) حيث بدأ العلماء يتأملون في أصل اللغة , وظهرت فرضيَّةٌ تَقُولُ بِقِدَمِ اللغة العبرية .
سادت هذه الفكرة طويلاً في أوربا , ثم بدأتِ الدِّرَاسَاتُ الوصفيَّةُ البدائيَّةُ لبعض اللغاتِ في القرن الثامن عشر ، وفي هذه الفترة من عام 1786م تم اكتشاف اللغةِ السنسكريتية على يد ( وليم جونز ) , حيث وجد - من خلال معرفته باللغات - أوجُهَ تشابهٍ وروابطَ وثيقةً بين اللغة السنسكريتية واللغة اللاتينية واللغة الإغريقية , فتوصَّلَ إلى فكرةِ أنَّ هذه اللغات ترجِعُ إلى أصلٍ واحِدٍ , فهيَّأ بذلك الأذهان لتَقَبُّل فكرة الدراسات اللغويَّةِ المقارنة أو المنهج المقارن للتَّوصُّلِ إلى معرفةِ أوجُهِ التَّشابُهِ والاختلافِ بينَ اللغاتِ ، وبالتَّالي محاولة بناء اللغةِ الأمِّ التي انحدرت منها اللغاتُ الشَّقيقةُ .
إلاَّ أنَّ تاريخَ الدِّراساتِ اللغويَّةِ يدلُّنا على أنَّ ( وليم جونز ) قد سُبِقَ إلى اكتشافِ هذه الأمورِ ، فقد تحدَّث ( فُلكانيوس ) قَبْلَه عن السنسكريتية حين وازن بينها وبين لغة الغجر , وكذلك فعل الإيطالي ( ساسيتي ) الذي قارن بينها وبين الإيطالية ، ولاحظ التَّطَابُقَ الصَّرِيحَ بين السنسكريتية والألمانية والكرواتية .
في عام 1763م طلب القسُّ ( بارتلمي ) إلى تلميذه في الهند أن يُزَوِّده بمعجم للغة السنسكريتية ويعطيهِ شيئاً عن قواعدها , وبعد أن اطَّلع عليها تَعَجَّبَ من هذا التَّقَارُبِ والتَّشَابُهِ بينها وبين اليونانيَّةِ , فقال : ( وكيف تَوَفَّر في اللغة السنسكريتية هذا العدد العديد من المفردات المشتركة بينها وبين اليونانيَّةِ وبخاصةٍ اللاتينيةِ ؟!  ) .
وقد ألَّفَ الرَّاهِبُ ( بارتلمي ) كتاباً في القواعد السنسكريتية طُبِعَ في روما عام 1797كما ألَّفَ كتاباً آخر عام 1799م بعنوان ( في قِدَم اللغة الفارسية والسنسكريتية والجرمانية والتشابه بينها ) .
وقد قدَّم ( وليم جونز ) هذا التَّشَابُهَ في بحثٍ له قَدَّمه للجمعية الآسيوية التي أسَّسَها في البنغال , حيثُ قالَ : ( إن للغة السنسكريتية - مهما كان قِدَمُها - بُنْيَةً رائعةً أكمَلَ من الإغريقية , وأغنى من اللاتينيَّةِ , وهي تَنُمُّ عن ثقافةٍ أرقى من ثقافة هاتين اللُّغَتَينِ ) .
ثم قام المستشرق ( سلفستر دي ساسي ) بإحياء مركزٍ للأبحاث في باريس تابعٍ لمدرسةِ اللُّغَاتِ الشَّرقِيَّةِ منذ عام 1796م ، وتوافد اللغويُّونَ الألمانُ إلى هذا المركز للاطِّلاعِ على اللغة السنسكريتية , فاستقبل ( دي ساسي) في هذا المركز عدداً من اللغويين , منهم : الأخوان شليغل , وهمبولدت , وفرانز بوب وغيرهم ، وقد برزت فكرة الدراسات المقارنة على يد فرانز بوب .
المنجزات اللغوية في القرن التاسع عشر ( قرن الاستعمار ) :
ازدهرت في العقود الأولى من القرن التاسع عشر الدراسات المقارنة المُكَثَّفةُ والنَّاجِحَةُ , وانصبَّت بحوثُ المُقارِنين على اللغات التي تنتمي إلى الأُسرَةِ الهندوأوروبية , وكانوا أقلَّ اهتماماً باللغات المُنْتَمية إلى الأُسَرِ اللغويَّةِ الأخرى رغم أنها كانت معروفةً جيِّداً لهؤلاءِ المقارنينَ , إلاَّ أنها لم تَحْظَ باهتمامهم إلاَّ في نهاية القرن التَّاسِعَ عَشَر .
اتسع في هذا القرن نطاقُ المعلومات اللسانية المعروفةِ والوافدةِ من خارج أوربا ، وكانت معرِفَةُ اللغات الأخرى تُشَكِّل إلهاماً بالنسبة إلى همبولدت ، كما تميَّز هذا القرن بظهور النَّزعَةِ النَّفسِيَّةِ في اللسانيَّاتِ .
في السَّبعِينِيَّاتِ من هذا القرن ظهر ما يُسَمَّى بـ ( النُّحاة الشباب ) أو ( مدرسةِ النَّحويِّينَ الشَّبابِ ) في ألمانيا ؛ وتسلَّمُوا زِمَامَ القِيَادَةِ في الدِّرَاسَاتِ اللسانِيَّةِ في نهاية القرن التَّاسِعَ عشر لاسيَّما في ألمانيا , واتَّبَعُوا المنهجَ التَّارِيخِيَّ المقارن الذي اكتسب على أيديهم طابَعَهُ المنهجيَّ وأُسُسَهُ النَّظَرِيَّةَ .
الدراسات المُقارنة في القرن التاسع عشر :
نشأت هذه الدِّرَاسَاتُ مع اكتشاف اللغة السنسكريتيَّةِ , وذلك حين راح اللغويون يُقارِنون بينها وبين اللغات الأوربية .
ويُعَدُّ اللغويُّ فرانز بوب ( 1791 – 1867م ) مؤسِّس النحو المُقارَن , ففي عام 1816م ألَّف كتاباً سمَّاهُ ( نظام التصريف في اللغة السنسكريتية ).
كما اتَّسمتْ الدراسات اللغوية في هذه الفترة بالاستقلالِيَّةِ والنِّظَامِيَّةِ , فأصبحت عِلمَاً قائماً بِذَاتِه , مُسْتَقِلاًّ نسبِيَّاً , إذ لا غِنَى لعِلْمٍ من العلوم عن العلوم الأخرى .
ومِن أهمِّ اللسانيين المُقارِنين في هذه الفترة ياكوب غريم ( 1785 – 1863م ) الذي ألَّف كتاب ( النحو الألماني ) , والذي يُعَدُّ مؤسِّس اللسانيات الجرمانية ؛ ففي هذا الكتاب يُقارِنُ بين اللغات الجرمانية .
كما ألَّف اللغويُّ الروسيُّ ( فوستوكوف ) أوَّلَ كتابٍ عن النظام الصوتي للُّغاتِ السَّلافيَّةِ في كتابه ( بحوثٌ في اللغات السَّلافيَّة ) .
النظرية البيولوجية أو الطبيعية في اللسانيات لِــ ( أوغِسْت شلايشر) :
ظهرت نظرية ( دَارْوِن ) في النُّشُوءِ والارتقاء في منتصف القرن التَّاسِعَ عشر , وأحْدَثَتْ هذه النَّظريَّةُ وما قَدَّمَه دَارْوِن فيها من آراءٍ تأثيراً كبيراً في مُعاصِريه المثقَّفينَ , فأرادوا تطبيقها على العلوم الأخرى - ومن بينها اللسانياتُ - على يد العالِم الألماني ( أوغست شلايشر 1821-1868م ) الذي عمِلَ في مجالِ المقارناتِ اللغويَّةِ .
- رأى شلايشر – متأثِّراً بنظرية دارون – أنَّ اللغة كائنٌ حَيٌّ مُستَقِلٌّ عن الإنسان ؛ فهي تُولَد وتعيش لفترة مُحدَّدَةٍ , ثم تَهَبُ الحياة لِلُغةٍ أخرى أحْدَثَ منها لتَحُلَّ محلها ، فاللغة – إذاً - ذات شجرة سُلاليَّةٍ تُشبِهُ شجَرَةَ السُّلالاتِ البَشَرِيَّةِ .
- نظر شلايشر إلى اللغة على أنها فِكْرٌ مُعَبَّرٌ عنه بالأصوات .
- كما قام شلايشر بتصنيف اللغات في ثلاثِ مجموعاتٍ ، آخِذَاً بعينِ الاعتبارِ اللغةَ الصَّرفيَّةَ لهذه اللغاتِ وهي كالتَّالي :
- اللغات العازلة : أو اللغات الجذريَّةُ ، كاللغة الصينِيَّةِ التي يُعَبَّر فيها عن العلاقاتِ النَّحويَّةِ والوظائف التركيبِيَّةِ عن طريق ترتيب الكلام .
- اللغات اللصقيَّة : أو الإلصاقيَّة ، كاللغة المَجَريَّةِ – على سبيلِ المثالِ - التي يُعَبَّر فيها عن العلاقات النَّحَوِيَّةِ بعناصِرَ لغويَّةٍ مختلفة كاللواصِق ( سوابق , لواحق , مُقحَمات) .
- اللغات التحليليَّةُ : أو المتصرِّفَة أو الاندماجِيَّة ، كاللاتينِيَّةِ والعربِيَّةِ , وهي لغات مُعْرَبة يُعَبَّر عن المعاني النَّحويَّةِ فيها عن طريق عناصِرَ لغويَّةٍ تُضاف إلى الجذر ، كما تتميز بوجودِ أدوات ربطٍ بين عناصِرِ التَّركِيبِ اللغويِّ .
لاقت هذه النظرية اهتماماً كبيراً , كما شكَّك فيها كثيرون , منهم ( يوهان شميدت ) , بينما دافع عنها تلميذه ماكس مولر ( 1823-1900م ) , إلاَّ أنَّهُ لم يَتقبَّلْ أنَّ اللغةَ كائنٌ حيٌّ مستقلٌّ , بل أكَّدَ أنَّ اللغة مُتَّصِلَةٌ مباشرةً بعملية الكلامِ عند البشر .
مذهب هُمْبُوْلْدْتْ اللساني ( نظرية رؤية العالَم من خلال اللغة )  :
يُعَدُّ ( فيلهلم همبولدت 1767 – 1835م ) أعظمَ لسانيِّي القرن التاسع عشر , كما يُعَدُّ مؤسِّس اللسانِيَّاتِ العامَّةِ ، فقد درس همبولدت لُغَةَ جزيرَةِ جاوا الإندونيسيَّة ، واهتمَّ بدراسة اللغة دراسَةً آنيَّةً وصفيَّة وليست تاريخيَّةً ، كما أجرى مقارنة بين اللغات بطريقةٍ تحليليَّةٍ بعيداً عن قضيَّةِ القَرَابَة السُّلاليَّةِ أو الأُسريَّةِ بين اللغاتِ , كما لم يهتم – كما اهتم المُقارِنون – بإعادة بناءِ اللغةِ الأُمِّ , بل كان يرى أنَّ جميع اللغاتِ جديرَةٌ بالاهتمامِ , وليس اللغات الهندوأوروبيَّة فقط .
- من أهم أفكاره أنه عارضَ فكرةَ النَّحو الجامع , ورأى أنَّ القواعِدَ ينبغي أن تُسْتَنْبَط من الحقَائِقِ الخاصَّةِ بِكُلِّ لُغَةٍ على حدةٍ .
- كما رأى أنَّ اللغةَ ظاهرةٌ دِينَامِيَّةٌ مُتَحَرِّكَةٌ مُتَحَوِّلة ، لا تستقرُّ على حالٍ واحدة وليست ثابتةً ، وإنْ كانَ أبناءُ الجيلِ الواحِدِ لا ينتبِهونَ إلى هذه التَّغييراتِ الحاصِلةِ ، فاللغةُ مُلازِمةٌ للمجتمعِ , فإذا تأخَّر المجتمع تأخَّرَتْ اللغة , وهذا يرتبط بالضرورة بالتفوُّق السياسي لأمة من الأمم ؛ فالإنكليزية تنتشر اليوم لهيمنة أمريكا على معظم مناطق العالم .
- اهتم همبولدت بالصِّلَةِ بين اللغَةِ والفِكر , فالنَّشَاطُ الذِّهنيُّ يُجاهِدُ بالضَّرُورَةِ لكي يَتَوَحَّدَ بظاهِرَةِ الصَّوتِ أو الكلامِ ( أي الكلام المتحقق ) , ومن دونِ الاتِّحَادِ بين الفكرةِ والصَّوتِ فإنَّهُ لا يُمكِنُ لِعَالَم الصُّوَر أنْ أن يَنْفَذَ إلى عالَم الأفكار ، وهذا يعني – بالنِّسبةِ إليهِ – انعدامَ الفكرِ السَّليمِ .
- كما تُمَثِّلُ الصلة بين بُنْيَة اللغةِ والعقليَّةِ القوميَّةِ مكانَاً أساسِيَّاً في نظريَّةِ همبولدت اللسانيَّةِ , فاللغةُ عندَهُ نتاجٌ متميِّز لروح أمةٍ بعينها , والتعبيرُ الخارِجِيُّ عن البنيةِ الدَّاخِلِيَّةِ يكشِف عن رؤيةٍ خاصَّةٍ للعالَم , كما دَعَّمَ نظريَّتَهُ - القائلةَ بأن اللغةَ نتاجٌ متميز للرُّوحِ البَشَرِيَّةِ - عن طريقِ استدعائه لحقيقةِ أنَّ النَّاسَ يَجِدُونَ صُعُوبَةً في التَّفَاهُمِ , وأعادَ ذلك إلى عَدَمِ التَّطَابُقِ في رؤيتهم للعالم , وهذا ما نُطلق عليه مُصطَلَحَ النِّسبِيَّةِ اللسانِيَّةِ في اللغةِ لمدرسة همبولدت .
ويشيرُ هذا الجانب إلى عدم جدارَةِ اللغَةِ لأنْ تَكُونَ وسيلةً تَضْمَنُ الفَهمَ التَّامَّ الكَامِلَ المشتَرَكَ .
- كما يرى همبولدت أنَّ التَّغيرات اللغوية تؤدِّي دائماً إلى الهدف الأساسي الوحيد للُّغة , وهو وظيفةُ التَّوَاصُلِ , يقول همبولدت : ( كل تَغَيُّر في اللغة يكون لصالح عملية التواصل اللغوي ) .
أُطْلِقَ على لسانيِّي القرن العشرين الذين أيدوا نظرية همبولدت اسم ( الهمبولدتيون الجُدُد أو المُحْدَثون ) ، ومنهم : إِبْسِن , وترير , وفارتبورغ .
النزعة النفسية في اللسانيات ( شتاينتال )  :
يمثِّل شتاينتال المذهبَ النَّفسِيَّ اللسانِيَّ , وهو لسانيٌّ ألمانِيٌّ استمَدَّ نظرِيَّتَهُ من نظريَّة همبولدت , وآراء العالِم النفسيِّ والتربويِّ ( هِرْبِرْت).
- تبنَّى أفكار هربرت في النِّظام الاستدعائي للرُّوحِ البشرِيَّةِ , ويتمثَّلُ هذا النِّظامُ في أنَّ الأفكار التي يثيرها انطباعٌ خارجيٌّ تلقائيَّاً في العقل ، فتنبثق فكرة عن أخرى وفقاً لتداعٍ غير مقصودٍ ولا شعوريٍّ .
- وصفَ شتاينتال الحقائق النحوية من مُنْطَلَق نفسي ، ونقد فكرةَ شموليَّةِ المنطقِ في النَّحو .
- كما تبنَّى شتاينتال أفكار همبولدت عن اللغة ووسَّعها , فاللغة – في رأيهِ - تعبيرٌ عن نفسيَّةِ المجتمع , كما أنَّ الكلام الفردِيَّ تعبيرٌ عن نفسِيَّةِ الفردِ ، فالكلماتُ لا تكتَسِبُ معناها الحقيقيَّ – في رأيِه - إلاَّ في اللَّحظَةِ التي تُقال فيها , فالمُتَكَلِّمُ يطبَعُ الكلِمَةَ بطابَعِ تَجرُبَتِه الذَّاتية ، وقد أخذ هذه الفكرة الأخيرة بعده فوسلر .
مدرسة القواعديين الشباب أو النحاة الشباب :
في سبعينيَّاتِ أو ثمانينيَّاتِ القرن التاسع عشر تَشَكَّلَ في اللسانيَّات الأوربيَّةِ - لاسيما في ألمانيا - اتجاهٌ لسانِيٌّ جديدٌ قام أنصارُهُ بنقدٍ حادٍّ لوجهات نظرِ اللِّسانِيِّينَ التقليديِّينَ , أو الجيل القديم من اللسانيين المُقارِنين أمثالِ ( فرانز بوب ) و (ياكوب غريم ) و (أوغست شلايشر ) ، وبسبب هذا النقد الحاد أطلقَ مُمَثِّلو الجيلِ القديمِ من اللسانيِّينَ عليهم اسمَ القواعديين الشباب تهويناً من شأنهم ، إلاَّ أنَّ هذه الجماعة سَعِدَت بهذه التسمية ، وما زالت هذه التَّسميةُ تُستَخدَمُ حتَّى الآن عَلَمَاً على اللِّسانِيِّينَ الذين يتبَنَّوْنَ وجهة نظرهم وتصوُّرَاتهم المنهجيَّةَ ، كما تُدعى هذه المدرسةُ أيضاً بمدرسةِ ( لايبزيغ ) .
يرتبط ظهور هذا التيَّارِ اللِّسانِيِّ بأسماء كلٍّ من ( كارل بروغمان ) و (هِرمان باول ) و ( أوغست ليسكين ) و( دِلبروك ) و ( أُسْتْهوف ) ، ومن أهمِّ أعلامِهم من بينِ هؤلاءِ ( أوغست ليسكين ) عالِم اللُّغَاتِ السلافيَّة ، و ( كارل بروغمان ) عالم اللغات الهندوأوربيَّة .
قوبلت دراسة أوغست ليسكين – عالِم اللغات السلافية – ( القوانين الصوتية لا تعرِفُ الشُّذُوذَ ) التي نُشِرَتْ عام 1876م باهتمام واسع , كما عُدَّتْ دراسة بروغمان وأستهوف ( بحوث صرفية ) عام 1878م إعلاناً عن تأسيس المدرسة , وبياناً للعقيدة العلميَّةِ لهؤلاء النُّحاةِ الشَّبَابِ .
- يعود إليهم الفضلُ في إضفاء الانضِبَاطِ التَّامِّ على المنهج التَّاريخي المُقارِن من خلال دراسة التَّغيُّرَات الصوتية وفقَ قوانينَ صارِمَةٍ لا تعرفُ الشُّذوذَ .
- كما أنَّهم أحالوا اللغةَ إلى ذرَّاتٍ ( تذرير اللغة ) من خلال الفحص الدَّقيق للتَّفَاصِيلِ التي تخصُّ اللغَةَ في كلِّ مراحِلِها , وحاولوا إيجاد تفسيرٍ مناسبٍ لكلِّ استثناءٍ من القواعد الصَّارمةِ التي حاولوا إيجادَها أو الخُرُوجَ عن قواعدها . وبذلك افتقدوا رؤيةَ الصُّورَةِ الكُلِّيَّة للبنيةِ اللغويَّةِ بوصفِها نِظَامَاً مُتَكَامِلاً مؤلَّفاً من الأصوات والألفاظِ والتَّراكِيبِ , إذْ لا يوجَدُ في اللغةِ شيءٌ قائم لذاتِهِ مُستَقِلٌّ عن غيره ولا يمكنُ رؤيتُهُ إلاَّ من خلالِ اتِّحادِهِ مع الأجزاءِ الأخرى المكوِّنةِ للكُلِّ .
- إلى جانب ذلك درس القواعديُّونَ الشَّباب تاريخ اللغة , ورأوا أنَّ المنهج التَّارِيخِيَّ في الدراسة يوفِّرُ أنسبَ معالَجَة منهجية تُحَقِّقُ الأهداف الرَّامية إلى المتابعة العمليَّةِ للمعرفة .
- عارض هِرمان باول الوصف البسيط للحالة اللغوية من دون الرُّجُوعِ إلى النَّظرَةِ
التَّاريخية , لذلك لم يسامحه لغويُّو القرن العشرين , ولا سيما أصحاب المنهج الوصفي لدراسة اللغة .
- اهتم هؤلاءِ القواعديُّونَ بمسألةِ اللغات الحيَّةِ , فقاموا بدراستها بمناهِجَ غيرِ ملائِمةٍ لدراسةِ اللَّهجاتِ لذلك لم يُحقِّقوا نتائجَ تُذْكَر في هذا المجال , وتعرَّضت مناهجهم المُتَّبَعة في دراسة اللهجاتِ لنقدٍ حادٍّ من جانبِ علماء اللهجات .
- أعطى هِرمان باول الأولويَّةَ للعامل النَّفسِيِّ بسبب اعتقادِهِ بوجودِ صِلَةٍ مباشرةٍ بين تطوُّرِ الثَّقَافَةِ وتطوُّرِ العالَم الدَّاخِلِيِّ للإنسان ، كما أكد أهمية العامِلِ الفيزيولوجي في التَّغيُّرَاتِ اللُّغَويَّةِ , فالمرء يميل لاشعورياً إلى ما هو أسهل من الحركات النُّطقِيَّةِ لا شُعُورِيَّاً .
- كما أشار هرمان باول أيضاً إلى أهمية العوامل المناخية والجغرافية والاجتماعية في اللغة .
لم ينضمَّ جميعُ اللغويِّينَ الألمان إلى هذا التيَّارِ اللِّساني ، فقد بقيَ الاتِّجاهُ القديمُ ( اللسانيَّات التَّاريخيَّةُ المقارنة ) سائداً في ( غوتنجن ) والتفَّ أنصارُهُ حولَ عالِمِ الإيتمولوجيا ( فيك ) .
كما انضمَّ إلى هؤلاء اللسانيِّينَ من خارج ألمانيا ( تومِسون ) و ( فيرنر ) من اسكندنافيا , و ( ميشيل برييل ) من فرنسا , و ( أسكولي ) من إيطاليا , و ( وِتنِي ) من الولايات المتَّحدة الأمريكيَّةِ .
أما في روسيا فقد نظر كلٌّ من ( فورتوناتوف ) و ( بودوان دي كورتيني ) بعين الشَّكِّ إلى أفكارِ هؤلاء , وأشاروا إلى جوانب النَّقصِ في تيَّارِهم اللِّسانِيِّ .
البحث اللِّساني في القرن العشرين :
شهد القرن العشرون تطوُّرَاً كبيراً في مختلف العلوم بعد أن تم اكتشاف الكثير من النظريات والآراء العلمية ، إذ كانت قد حدثت في نهاية القرن التاسع عشر تطورات علمية كثيرة في مختلَف العلوم الطبيعية والأساسيَّةِ والنَّفسِيَّةِ . فخضعت هذه الحقائق العلميَّةُ لتفكيرٍ عميقٍ , وظهرت آراءٌ جديدةٌ تأخذُ بعينِ الاعتبارِ الطَّبِيعَةَ المعقَّدةَ للظَّواهِرِ العلمِيَّةِ .
لقد اقتنع العلماء في هذا القرن بأن العالَم مبنيٌّ وفق نظامٍ , فلكلِّ شيء نظامٌ , وكُلُّ ظاهِرَةٍ تسيرُ بِحسب نظامٍ دقيقٍ مُحَدَّدٍ ، لأنَّ العالَم كلٌّ مُنَظَّمٌ . لذلك اتخذ العُلَمَاءُ شعاراً لهم ولعملهم المقولة التي تقول : ( لكي نستكمل معرفتنا عن العالَم ينبغي أن نبحث عن بنية النظام ) وسُمِّيَ هذا المنهج الذي اتَّبَعَهُ العلماء بـ ( المنهجِ البنيوي ) وبدأ عصرُ البُنيَوِيَّةِ في البحث العلمي ، إلاَّ أنَّ هذا المنهج البنيوي الجديد في تناولِ الظواهر ودراستها تَعَرَّضَ لمقاومةٍ من جانب التَّقلِيديِّينَ .
كما أضحى التعاونُ الوثيقُ بين المجالات المعرفِيَّةِ المُتَدَاخِلَةِ سِمةً من سِماتِ القرنِ العشرين ؛ فالعملُ العلميُّ الصَّحِيحُ ينبغي أن يرتبط بنظرية المعرفة ، لذا كان على اللِّسانِيِّ الحديثِ أن يتسلَّحَ بالمعرفة التي يُحَصِّلها من العلوم الأخرى , ومن بينها العلوم الدَّقِيقَةُ , كما كان عليه أن يمتلك آفاقاً معرفيةً أوسَعَ بِكَثِيرٍ مِمَّا كان يحلمُ به المرءُ سابقاً ، وبذلك اختلفَت لسانِيَّاتُ القرن العشرين عن لسانيات القرن التاسع عشر بالتَّنظِيم المنهجيِّ للمعرفة ، وفي التَّفسير الجديدِ للحقائق وفي توسيع مجالات اهتمامِها ، وفي انغماسِ دارِسِيها في تعاوُنٍ يَتَّسِمُ بالتَّدَاخُلِ بين التَّخَصُّصَاتِ لإنجازِ مهماتٍ واسِعَةِ النِّطَاقِ بشكلٍ أوسع مما كان متاحاً سابقاً .
لذلك كان على اللِّسَانِيَّاتِ نقلُ الإجراءات المنهجِيَّةِ مِن فروعِ العلم الأخرى ( كالتاريخ , وعلم النفس , والجغرافيا... ) , واستخدامها في تحليل الظَّواهِر اللِّسَانِيَّةِ .
وبذلك ازدهرت اللسانيات على أيدي أنصار اللسانيات البنيوية , لأنَّهم كانوا يجتهدون ويتطلَّعون إلى مناهِجَ جديدَةٍ تُسايِرُ الاتجاهات الأخرى العامَّةَ السَّائِدَةَ في العلوم .
وعليه فقد اكتسبت لسانيَّاتُ النِّصفِ الأوَّلِ من القرن العشرين سِمَتَها الخاصة , وسادت نظرتهم الجديدة إلى الظواهر اللغوية , لكن هذا لا يعني أن اللسانيات التقليديَّة قد اضمحلَّت أو انتهت .
شهدت الصوتيات بوصفها أبسط العناصر اللسانية وأكثرها قابلية للبحث ازدهاراً كبيراً , ( ذلك أن الأصوات هي العنصر المادي المحسوس الوحيد في اللغة , أما المعاني فهي مجردة ) , وشكَّلَتْ حقلاً بِكْرَاً ملائماً لبناء النظريات .
كما أكدت البنيوية ضرورة الفصل بين الدَّرْس الآني ( التَّزَامُنِيِّ ) والدَّرس التَّارِيخِيِّ ( الزَّمَانِيِّ ) بعد أن كان النَّحوُ التَّارِيخِيُّ والمُعاصِرُ مُتَدَاخِلَينِ .
زاد الاهتمام في القرن العشرين باللغات غير الهندوأوروبية , وتوافرت بين أيدي اللِّسانِيِّينَ مادَّةٌ خصبَةٌ مِن تِلكَ اللُّغَاتِ التي تتميَّزُ باختلاف بُنيَتِها عن اللُّغَاتِ غير الهندوأوروبية ، وصَرَفَ البُنيَوِيُّونَ جُلَّ اهتمامهم إلى إقرار الدِّرَاسَةِ الوصفيَّةِ اللسانِيَّةِ في المراحل الأولى , لذلك ذهب بعض الدَّارِسِينَ إلى اتهامهم بإهمال الدراسة التَّارِيخيَّةِ للُّغَةِ . لكنَّ الواقِعَ يُثبت عكس ذلك , فإذا كان هؤلاء البنيوِيُّونَ قد اهتمُّوا اهتماماً كبيراً بالمنهج الوصفيِّ , فذلك لأنَّهم كانوا بصدد ترسِيخِ هذا المنهَجِ وإقرارِهِ .
لكنَّ تاريخ اللغة لديهم اكتسب محتوى مختلفاً , فعلى تاريخ اللغة - في رأيهم - أن يُفَسِّرَ التَّطَوُّرَ اللغويَّ في مُجمَلِهِ , وأن يدرُسَ أسبَابَ هذا التَّطَوُّرِ أو التَّغَيُّرِ اللغويِّ .
حَظِيَ علم اللَّهَجَاتِ باهتمامِ اللُّغَوِيِّـينَ في بداية القرن العشرين ، كما بلغ علم الدِّلالَةِ طَورَ النُّضجِ في هذا القَرنِ ، وكذلك شهِدَت اللِّسَانِيَّاتُ النَّفسِيَّةُ ( علمُ اللغةِ النفسيُّ ) إنجازاتٍ كبرى , إلى جانب النَّحو المنطقِيِّ أو العقلانِيِّ أو التَّولِيدِيِّ ، كما توسَّعَ مفهومُ الدِّرَاسَاتِ الفيلولوجيَّة , فشملت التَّارِيخَ الثَّقَافِيَّ للُّغَةِ , ودِرَاسَةَ العامِّيَّةِ والأدبِ الشَّعبِيِّ .
وهكذا اكتسبت البنيويَّةُ انتشاراً واسعاً , وأضحت فكرة البنيويِّين أنَّ ( اللُّغَةَ نظامٌ تواصلي ينبغي على الباحثين أن يفحصوا بُنيَتَهُ ) مِن المسلَّمات التي لا يمكن للِّسَانِيِّ أن يتَجَاوَزَها .
وأعرضَ كثيرٌ مِن البنيويِّين عن معالجة القضايا اللِّسانية التقليدية التي كانت قد ازدهرت مِن قبلُ , وأضحى التَّعاون المكثَّفُ بين اللسانيين والعلماءِ في المجالات المعرفيَّةِ الأخرى سِمَةً بارِزَةً مِن سِمَاتِ المنهج البنيويِّ , فلجؤوا إلى اقتباس مناهِجِ العلومِ الأخرى وطرائِقِ البحثِ فيها .
اللسانيات البنيوية :
هي علم يقوم على أساسِ أنَّ تحليل أيِّ عنصرٍ مِن عناصر اللغة لا يتم بمعزِلٍ عن بقيَّة العناصر في النِّظامِ اللغويِّ . وهي ( أي اللسانيات البنيوية ) نظريَّةٌ تُطَبِّقُ المنهجَ الوصفِيَّ في دِرَاسَةِ اللغَةِ , فتَنْظُرُ إليها على أنها وحداتٌ صوتية تتجمع لتكوِّن وحداتٍ مورفولوجيَّةً ( صرفيَّةً ) لتكوِّنَ هذه بدورِها عباراتٍ وتراكيبَ وجملاً .
بلغت البُنيويَّةُ أوجَها في الفترة الواقعة بين ( 1925 – 1950م ) وبذلك نستطيعُ القولَ إنَّ المدارس اللغوية منذ فرديناند دي سوسير وحتى تشومسكي تنتمي إلى اللسانيات البنيويَّةِ بصورةٍ أو بأخرى , لأنها جميعاً تؤمن بأنَّ اللغَةَ عبارَةٌ عن نظامٍ مِنَ العلاقات , لذلك سَمَّى اللغوي الفرنسي ( جان بياجيه ) نظرية تشومسكي في النَّحوِ التَّولِيدِيِّ والتَّحويلي باسم ( البنيوية التَّحوِيلِيَّةِ ) .
تعود البنيويَّةُ في اللِّسَانِيَّاتِ إلى ما قبل عام 1930م في أوربا والولايات المتَّحِدَةِ ، وتعني البنيوية - كما رأينا - منهجَاً جديداً في تناوُلِ حقائقَ معروفةٍ بالنَّظرِ إلى وظيفتها في النِّظَامِ كما تَنْظُرُ إلى الوظيفة الاجتماعية في اللُّغَةِ ( الوظيفة التَّواصليَّةِ ) ، إلى جانب التَّميـيز بين الجوانب التَّاريخية , وخصائصِ النِّظَامِ اللغَوِيِّ في لحظةٍ زمنيَّةٍ مُحدَّدَةٍ .
ظهر روَّادُ البنيوية في أماكِنَ مُتَفَرِّقَةٍ في أوائل القرنِ التَّاسِعَ عشر , لكنَّ جُهودَهم كانت مُبَعثَرَةً , ولم تحظَ بالاهتمام عند معاصريهم حتى ظهر فرديناند دي سوسير الذي يُنظَرُ إليه على أنه مؤسِّسُ اللِّسانيِّات البنيوية ، وتتلخص المقولات اللسانية عند دي سوسير فيما يلي :
-1 اللغةُ نظامٌ , وتُدرَسُ على أنها أجزاء من نَسَقٍ كُلِّيٍّ يُنظر إليها تبعاً لمكانها من النِّظَامِ .
-2 اللغةُ ظاهِرَةٌ اجتماعِيَّةٌ وظفتها التَّواصُلُ والتَّفَاهُم المُتَبَادَلُ , والارتباط بين الصَّوتِ والمعنى يجب أن يتولَّد في العقل , والعلامةُ اللغويَّةُ اعتباطيَّةٌ , والتطوُّرُ التَّارِيخِيُّ والحالَةُ الرَّاهِنَةُ للُّغةِ ظاهِرَتَانِ مُختَلِفَتَانِ , ولكُلِّ حالَةٍ منهَجٌ تدرَسُ به اللغةُ .
قامت اللسانيات البنيوية في أوربا على أساسِ أفكارِ دي سوسير . أمَّا في أمريكا فقد كان دي سوسير مجهولاً .
البنيويَّة الأوربيَّة :
يمكن تقسيم البنيوية الأوربية إلى ثلاث مدارس ، هي :
-1 مدرسة جنيف السويسرية :
ويمثِّلُها دي سوسير , ويُطْلَق عليها اسم ( البنيويَّةُ التقليديَّةُ ) , وتأثيرها اليوم في اللسانيات محدودٌ ، وتقومُ على الأسسِ التَّاليةِ :
- التَّفريقُ بين اللُّغَةِ والكلامِ .
- اللغةُ نِظَامٌ ، والعلاقةُ بينَ الدَّالِّ والمدلولِ عُرفيَّةٌ ومُوَاضَعَةٌ .
- العلاقة بينَ الدَّالِّ والمدلولِ علاقةٌ رمزيَّةٌ ، وعلمُ اللغةِ جزءٌ مِن علمٍ أشملَ وأعمَّ هو علم السيميولوجيا .
إضافةً إلى ذلك تُفرِّقُ هذه المدرسةُ بينَ نوعينِ من الدِّراسةِ اللغويَّةِ :
- الدِّراسة الآنيَّةُ أو التَّزامنيَّةُ .
- والدِّراسات التَّعاقبيَّةُ ( الزَّمنيَّة ) .
كانت نظريَّةُ دي سوسير أقربَ إلى الوصفِ والتَّصنيفِ منها إلى التَّعليلِ والتَّفسيرِ ، ورأى تشومسكي أنَّ هذه النَّظريَّةَ قاصِرةٌ عن تفسيرِ الظَّاهرةِ اللغويَّةِ بما لها مِن صلةٍ بالعمليَّاتِ العقليَّةِ والنَّفسيَّةِ عند الإنسانِ .
كانت أفكار دي سوسير متداوَلةً ومعروفةً في عصرِهِ ، فقد كان الكثيرُ من أفكارِهِ معروفاً عند اللغوي بودوان دي كورتيني ( 1845-1929م ) فقد نشر بودوان بحثاً حولَ الفونيم عام 1893م .
ويرى اللغوي الفرنسي جورج مونان أنَّ بودوان دي كورتيني هو الأبُ الحقيقيُّ لعلمِ اللغةِ البنيويِّ ، وأنَّه هو الذي أرسى دعائمَ التَّحليلِ الفونولوجي مقابل التَّحليلِ الصَّوتيِّ المجرَّدِ ، وهو مؤسِّسُ مدرسةِ كازان اللغويَّةِ التي استمدَّ منها دي سوسير أصولَ التَّحليلِ الفونولوجي .
-2 مدرسة براغ:
وتتشكل في الأساسِ مِن لسانيِّي اللُّغَاتِ السلافيَّة , ويطلق عليها اليوم اسم ( اللِّسانيَّات الوظيفيَّة ) لأنها تَهتَم ُّبالطَّرِيقَةِ التي تُؤدِّي بها الوحدةُ الصوتيَّةُ وظيفتَها , كما يُطلق عليها أيضاً تسمية ( المدرسة الفونولوجية ) لاهتمامِ أنصارها بالفونولوجيا.
ولهذه المدرسة تأثير كبير في تطوُّرِ اللِّسَانِيَّاتِ , وهي تمثِّلُ البنيويَّةَ أكثرَ مِن غيرِها وتُعَدُّ المُمَثِّلَ الحقيقيَّ لها , وعُرِفَ أنصارها بالاعتدال و عدم التطرُّفِ ، و الابتعاد عن التجريد في اللغة , كما أنهم لم يُهملوا المعنى كما فعل ليونارد بلومفيلد .
-3 المدرسة الغلوسيميَّة :
وتُعْرَف بالسُّوسيرِيَّةِ المُحدَثةِ , وتميل إلى التَّجريد والتَّحليلِ المنطقِيِّ باستخدام الطُّرُقِ الرِّيَاضِيَّةِ , وهي مَدِينَةٌ لتعاليم دي سوسير والمنطق الرَّمزي ، ومن أهم رُوَّاد هذه المدرسة اللغوي الدانمركي لويس هيلمسليف .
البنيوية في أمريكا :
خرجتْ من جامعة ( ييل ) أو ( يال ) , وتأسَّستْ على يد عدد من اللغويين منهم ليونارد بلومفيلد .
تمتاز المدرسة البنيويَّةُ الأمريكيَّة بالمنهج التَّوزِيعِيِّ في التَّحلِيلِ , وقد عُرِفَتْ هذه المدرسةُ بأسماءٍ أُخرى من مثل جامعة ييل ، وأصحاب بلومفيلد ، والتوزيعيُّون .
لم يكن بلومفيلد البنيويَّ الوحيدَ في اللِّسانيَّاتِ الأمريكيَّةِ ، بل كان يقفُ إلى جانبهِ كلٌّ مِن بوَاز وإدوارد سابـير ، أمَّا بواز فقد درسَ في ألمانيا وعزمَ على التَّخصُّصِ بالفيزيولوجيا ، لكنَّ اشتراكَهُ في البعثاتِ الاستكشافيَّةِ إلى القطبِ الشمالي غيَّرَ خُطَطَهُ وجعله يهتمُّ بدراسةِ لغة الإسكيمو والهنودِ الحمرِ في أمريكا الشماليَّةِ ، وتوصَّلَ إلى نتيجةِ أنَّهُ لا توجَدُ شُعوبٌ متخلِّفةٌ ولا توجَدُ لغاتٌ متخلِّفةٌ .
يشكِّل انتقال اللغوي رومان ياكبسون - ممثل مدرسة براغ - إلى الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية حَدَثاً بارزاً في تاريخ اللسانيات البنيوية , إذِ استطاع أنْ يجعل من جامعة هارفرد مركزاً متميزاً من مراكز مدرسة براغ اللغوية , إذ جرى فيها تدريبُ جيلٍ جديدٍ مِنَ اللِّسانِيِّينَ المُحدَثين , وانتشرت آراؤُهم في الفونولوجيا بشكلٍ خاصٍّ .
مدرسة كازان ( أو حلقة كازان اللغوية ):
يُطلَقُ اسمُ مدرسةِ ( كازان ) اللغويَّةِ على الأفكار التي طوَّرها في سبعينيات القرن التَّاسِعَ عشر كُلٌّ من بودوان دي كورتيني و نيكولاي كروشيفسكي .
تبلورت أفكارُ هذِهِ المدرسةِ في مُحاضَرَاتِ دي كورتيني التي ألقاها في جامعةِ كازان , و كانت تتَّسِمُ بالجِدَّةِ في ذلك الوقت , لكنها لم تأخذ حقَّها في الانتشار إلاَّ مؤخَّراً بسبب البُعدِ الجُغرافِيِّ لِمَدِينَةِ ( كازان ) , ولأنها كُتبَتْ في أغلبها باللُّغَةِ الرُّوسِيَّةِ التي لم تكن منتشرةً آنذاك في أوربا .
أكَّد كلٌّ مِن دي كورتيني و كروشيفسكي الحاجة إلى التمييز بين كلٍّ مِنَ اللُّغَةِ ( الجماعيَّةِ ) والكلام ( الفردي ).
كانَ بودوان دي كورتيني لا يفضل إطلاق اسم ( مدرسة ) على جماعته اللغوية , بل كان يُفَضِّل عليها اسم ( حلقة ) ، وقد كان منذ صغره مولَعاً بالرياضيات و اللسانيات , فانتسب في سِنِّ السَّادِسَة عشرةَ إلى جامعة وارسو في بولندا , وبدأ في دراسة فيزيولوجيا الأصوات إلى جانب اللغة السنسكريتية واللغة اللِّتوَانِيَّةِ واللغات السلافيَّة .
ألَّف كتاباً عن تاريخ اللغة البولنديَّةِ , وظهر هذا الكتاب عام 1868م بعنوان ( بعض حالات القياس في تصريف اللغة البولندية ) تحدَّث فيه عن التَّغَيُّرَاتِ الصَّوتِيَّةِ , ولأوَّل مرة يجري الحديث عن التغيُّرات النَّفسِيَّةِ في اللُّغَةِ .
بعد أن تخرَّج دي كورتيني مِن جامعة وارسو سافر إلى براغ و برلين , ثم ذهب إلى بطرسبرغ , وعمل في إعداد أطروحة الدكتوراه عن اللغة البولندية القديمة , ثم عمل في القواعد المقارِنة للُّغاتِ الهندوأوروبية في جامعة بطرسبرغ . وقد اهتم بالصَّوتِيَّاتِ و صِلَتَها بفيزيولوجيا الأصوات إلى جانب المقارَنَةِ بين اللُّغَاتِ .
في ثمانينيات القرنِ التَّاسِع عشر غادر إلى كازان , ثم إلى جامعة ديربت , حيث درَّس في قسم القواعِدِ المقارِنة للَّهجات السلافيَّة , و أبدى هناك نشاطاً علميَّاً ملحوظاً فدرَس اللغات الأستونية والأرمنية واللاتفية والعربية . وقد أتقن إلى جانب الروسية والبولنديَّةِ الألمانيَّةَ والفرنسيَّةَ والإيطاليَّةَ ، وكتب حوالي 640 مقالاً لغويَّاً و قدَّ بحوثاً بِمُعظَمِ اللُّغَاتِ الأوربيَّةِ .
اُنتُخِبَ عام 1887 عضواً في أكاديمية العلوم في كراكوف , وعَمِلَ في جامعتها مُحاضِراً في الصَّوتِيَّاتِ العامَّة والقواعِدِ المقارِنَةِ , واُنتُخِبَ عضواً في جامعة باريسَ اللُّغَوِيَّةِ مدى الحياة واكتسبَ شهرةً عالميَّةً واسِعةً .
كانت له علاقاتُ صَدَاقَةٍ ومراسلاتٌ معَ اللغويِّيْنَ الأوربيِّينَ أمثال دي سوسير , وأنطوان مييه , وباول , وشوفاردت , ويسبرسن .
عاد عام 1900م إلى بطرسبرغ وعُيِّنَ أُستَاذَاً في قسم علم اللُّغَةِ المقارِن واللغة السنسكريتية , وتجمَّع حوله – كما كان في كازان – الكثيرُ من التلاميذ ، وقد اهتم في هذه الفترة بالمعجمية و الأسُسِ النَّفسِيَّةِ للظَّوَاهِرِ اللُّغَوِيَّةِ إلى جانب قضايا القواعِدِ العَامَّةِ .
في عام 1918م دَعَتْه جامعة وارسو إلى رئاسة قسم اللغات الهندوأوروبية , وخلالَ عامي 1922- 1923م ألقى سلسلة محاضرات في جامعتي باريس وكوبنهاجن وغيرها ، لكنَّه مع ذلك لم يتمكن مِن صياغة نظريَّةٍ لُغَوِيَّةٍ مُتَكَامِلَةٍ .
وقد تلقف دي سوسير كثيراً من أفكار هذه المدرسة في صياغة نظريته اللغوية ، ويبدو هذا جلياً في كتابه ( محاضرات في اللسانيات العامة ) .
مدرسة جنيف اللغوية ( مدرسة دي سوسير ) :
وُلِدَ فرديناند دي سوسير عام 1857م في جنيف . نشر عام 1879م رسالةً بعنوان ( رسالات في التنظيم البدائي للصوائت في اللغات الهندوأوروبية ) .
حصل عام 1880م على الدكتوراه بأطروحةٍ تناول فيها اللغة السنسكريتية . عَمِلَ حتى عام 1891 في معهد الدروس العليا في باريس ، وعاد إلى جنيف في العام نفسه , وعمل – حتى وفاته عام 1913 - في جامعتها أستاذاً للدراسات اللغوية المُقارنة , فقام بدراسة السنسكريتية والجرمانية واللتوانية وغيرها , ولم يهتم باللِّسَانِيَّاتِ العامَّةِ إلاَّ بعد عام 1894م ، ولم ينشر في حياتِهِ سوى عشرينَ مقالاً .
تَعلَّم على أيدي النحويين أو القواعديِّينَ الشَّباب ( بروغمان , أُسْتهوف , ليسكين ) , وكان متحمساً لمدرسة كازان اللغوية بشكل خاصٍ ، والتي كان لها الفضل في نشأة النظريات ( الثَّورِيَّةِ ) عنده , وعند أتباع مدرسة براغ من بعده .
فقد تحدَّث سوسير لتلامذته عمَّا تتميز به أفكار بودوان دي كورتيني وكروشيفسكي من أهميةٍ وأصالة , وأكد أنَّ اللسانيَّاتِ الغربِيَّةَ تضرَّرَت كثيراً لِعَدَمِ معرفتها بآراء دي كورتيني .
شكَّلت مُحَاضَرَاتُهُ التي ألقاها بين عامَيْ 1906 – 1911م كتابَه المُسَمَّى ( محاضراتٌ في علم اللُّغَة العامِّ ) الذي جمع موادَّه بعد وفاتِه تلميذاه شارل بالي , وألبرت سيشيهي .
تقوم نظرية دي سوسير على المبادئ الأساسية التي نجدها في تعاليمه , وهي :
-1 اللغة مادة البحث اللساني : يقول : ( الهدف الرئيسي الوحيد لعلم اللغة هو دراسةُ اللُّغَةِ لِذاتها وبِذاتها , ويُمكِنُ النَّظَرُ إلى اللُّغَةِ بوصفها وسيلةَ تواصُلٍ , وهي الوظيفَةُ الأساسِيَّةُ لها , وبوصفها وعاءً ذا محتوى ثقافي وتاريخي . وهي – أي اللغة - تنظيم من الإشارات يدخل تحت علم أعم يُعْرَف بـ " علم السيمولوجيا " ) .
-2 البُعْد الداخلي والبُعْد الخارجي للألسنية : فالبُعْد الدَّاخِلِيُّ يحتوي على النِّظَامِ اللُّغَوِيِّ . أمَّا البُعدُ الخارِجِيُّ فيرتبط بتاريخ الشَّعب صاحِبِ اللُّغَةِ والحضارة والثَّقَافَةِ والأدب الذي كُتِبَ بها .
فالعناصِرُ الدَّاخِلِيَّةُ لها الصَّدَارةُ , وتتمثَّل بدراسة نظام اللُّغَةِ الدَّاخِلِيِّ . أمَّا العلاقاتُ الخارجيَّةُ فهي ما يُؤَثِّر في اللُّغَةِ مِن عوامِلَ خارِجِيَّةٍ .
ويتَّخِذُ دي سوسير مَثَلَ الشِّطرنج للدِّلالَةِ على عَدَمِ ارتباط البُعْدِيْن الدَّاخِليِّ والخارجيِّ للُّغَةِ ؛ ذلك أنَّ معرِفَة لاعب الشطرنج بشروط اللعبة وقواعِدِها لا تَزيد ولا تَنْقُص عندما يَعرِفُ أنَّ مصدر هذه اللعبة هو بلادُ فارِسَ .
-3الدراسة التاريخية والدراسة الوصفية: يرى دي سوسير أنَّ اللُّغَة تُدرَسُ دِراسَةً وصفيَّة آنيَّةً يسميها ( السينكرونية ) , وتقوم على أساس ثابت ( ستاتيكي ) ليس للزَّمن دخلٌ فيه .
كما تُدرَس دراسةً تاريخية تعاقُبِيَّةً قائمَةً على أساس الحركة تبعاً للتَّغيُّر الزَّمني أو التَّطَوُّرِ التَّارِيخي للُّغَةِ .
الدراسة التاريخيَّة
العصر الجاهلي ( الدراسة الوصفية للعصر الجاهلي ) ( العصر الإسلامي ) الدراسة الوصفية للعصر الإسلامي )
العصر الأموي ( الدراسة الوصفية للعصر الأموي ) العصر العباسي ( الدراسة الوصفية للعصر العباسي ) ............. (الشكل 1 )
يدلُّ السَّهم في أسفل المحور الرَّأسِيِّ على الدِّرَاسَةِ التَّارِيخيَّةِ , ويمكن تقسيم هذا المِحوَرِ بخطوطٍ أفقية توازي المحور الأفقي . إذ ترمز كل مسافة بين خطَّينِ أُفُقِيَّينِ لِمَرحَلَةٍ مِن مراحل عمر اللُّغة يُمكِنُ دراسَتُها دراسَةً وصفِيَّةً ؛ وبالتَّالي لا يمكن أن نقوم بدراسةِ اللُّغَةِ دراسةً تاريخيَّةً إلاَّ بعد الانتهاءِ مِن الدِّرَاسَةِ الوصفِيَّةِ . فاللغَةُ في كُلِّ لحظَةٍ واقعٌ قائمٌ بِذَاتِه مِن جهةٍ , وتَطَوُّرٌ تاريخيٌّ مِن جِهَةٍ أُخرَى .
فلمعرفة التطور الذي أصاب اللغة العربية عبر العصور لا بدَّ لنا من أن نُشَرِّح اللغةَ إلى حِقَبٍ تاريخية معينة ( العصر الجاهلي , الإسلامي ، الأموي ، العباسي ، المملوكي ، العثماني ، الحديث ) ثم نقوم بدراسة اللُّغَةِ في كل حقبةٍ دراسةً وصفيَّةً تفصيليَّةً تُوَضِّحُ خَصَائِصَها والتَّطَوُّرَاتِ التي طَرَأت عليها في كُلِّ مَرحَلَةٍ .
-4 اللغة والكلام: فرَّق دي سوسير بين هذا الثُّنائي الذي كان مترادفاً عند كثيرٍ مِن اللغويِّينَ على أساس أنَّ اللُّغَة في حقيقتها نظامٌ اجتماعِيٌّ مُستَقِلٌّ عن الفرد , وأنَّ الكلامَ هو الأداءُ الفرديُّ لِلُّغَةِ الذي يتحقَّقُ من خلاله هذا النِّظَامُ الاجتماعيُّ , فاللُّغَةُ حقيقَةٌ نفسيَّةٌ واجتماعِيَّةٌ , وتنظيمٌ موجودٌ بالقوَّة في ذهن كلِّ فردٍ من أفراد المجتمعِ , واللغةُ لا تَظهَرُ إلاَّ مِن خِلال الكلامِ .
-5 اللغة نظام يتألف من مجموعةٍ من العلامات اللغوية ( الأصوات ) : والعلامةُ اللُّغَويَّةُ عِبَارَةٌ عن صُورَةٍ صوتِيَّةٍ هي ( الدَّالُّ ) تَتَّحِد مع تصوُّرٍ ذِهنِيٍّ هو ( المدلول ) , والعلاقَةُ بينهما علاقةٌ عُرفِيَّةٌ اعتباطِيَّةٌ , أي لا يحتوي الدَّالُّ على أيَّة قيمَةٍ أو صُورَةٍ لِحَقِيقَةِ المدلولِ .
وعلى هذا فعِلمُ اللُّغَةِ جزءٌ مِن نظامٍ أوسَعَ وأشمل هو النِّظَامُ ( السيمولوجي ) الذي يشمل الرُّسُومَ المتحرِّكَةَ , وتنظِيمَ السَّيرِ , وتنظيمَ الإشارات البَحرِيَّة والعسكريَّة , والإشاراتِ الإعلانِيَّةِ , وما إلى ذلك .
فاللُّغَةُ نِظَامٌ مِن العلامات التي تَتَكَوَّنُ مِن صورةٍ صوتِيَّةٍ , ومِن مفهومٍ مرتبطٍ بها ارتباطاً وثيقاً , والعلامةُ هي علاقةٌ ترابُطِيَّةٌ بين المفهومِ والصُّورَةِ الصَّوتِيَّةِ , لذلك توجَد ثلاثةُ أمور , هي :
أ- المدلول : وهو الشَّيءُ أو الذَّاتُ الخارِجِيَّةُ , والذي نُطلق عليه اسم ( شجرة ) على سبيل المثالِ .
ب- الدَّالُّ : أي اللفظُ , وهو مجموعةٌ مِن الأصواتِ المنطُوقَةِ التي تُشِيرُ إلى هذا الشَّيءِ الخارِجِيِّ ؛ أي الشَّجرة .
ج- العلامة أو الرمز : وهو الصُّورَةُ الذِّهنِيَّةُ التي تَتَكَوَّنُ مِن ائتلافِ الدَّالِّ والمدلُولِ .
آراءٌ حولَ نظريَّةِ دي سوسير :
لقد غالى دي سوسير كثيراً عندما قرر أنَّ الفردَ لا يستطيعُ التَّغيير أو التَّبدِيلَ في اللُّغَةِ , وأنَّ الجماعةَ هي التي تفعلُ ذلك . والواقعُ أنَّ الفردَ هو مصدرُ التَّغييرِ والتَّبديلِ , فثمَّةَ رائدٌ دائماً في ذلك التَّغييرِ ، ويبدأُ أيُّ استخدامٍ لغويٍّ غيرِ معروفٍ ثمَّ يُعمَّمُ ، وتصرُّفُ الفردِ في الكلامِ مشروطٌ بألاَّ يتجاوزَ حُدودَ الإفهامِ الذي هو عامٌّ ومشترك بين أفرادِ الجماعة ، فالكلامُ (الفرديُّ ) مرتبِطٌ بعنصرٍ اجتماعيٍّ هو الإفهامُ .
أمَّا من حيثُ الدِّراسةُ فإنَّ دي سوسير يُفرِّقُ بينَ ثلاثةِ مصطلحاتٍ هي :
- 1الكلام .
-2 اللًّغة .
-3 اللِّسان .
فالكلامُ هو الأحداثُ المنطوقةُ فِعلاً مِن متكلِّمٍ فردٍ ولها واقعٌ مادِّيٌّ مباشرٌ ، ويمكنُ أن يُدرَكَ إدراكاً مباشراً ، وبالتَّالي فالكلامُ حقيقةٌ فرديَّةٌ وليسَ اجتماعيَّاً .
أمَّا اللغةُ فكلامٌ ينقصُهُ التَّكلُّمُ ، أو هي كلامٌ كامِنٌ بالقوَّةِ ، فهي مجموعُ العاداتِ اللغويَّةِ التي يتمُّ بها التَّواصُلُ ، وهي مُلكٌ للفردِ والمجتمعِ في آنٍ واحدٍ . لذا فاللغةُ ليست واقعةً اجتماعيَّةً بحتةً ، لأنَّ الفردَ يتدخَّلُ فيها . ثمَّ إنَّها تقَعُ على تخومِ عدَّةِ ميادينَ فيزيائيَّةٍ وفيزيولجيَّةٍ ونفسيَّةٍ . وتتحقَّقُ بأشكالٍ مختلفةٍ ولا يمكنُ دراستُها دراسةً علميَّةً .
أمَّا اللسانُ فهو اللغةُ المعنيَّةُ الصَّالحةُ للدِّراسةِ . إنَّهُ مجموعةٌ من الصُّورِ اللَّفظِيَّةِ المختزَنَةِ في العقلِ الجماعيِّ . والفردُ ليسَ حُرَّاً في اختيارِ مفرداتِهِ وتنظيمِ قواعِدِهِ ؛ لأنَّهُ يرثُ ذلك ويكتسبه من الجماعةِ اللغويَّةِ . واللسانُ هو الذي يمدُّ الكلامَ بالقواعدِ التي تضبطها في وجودِهِ المادِّيِّ .
نقد نظرية دي سوسير :
يتصدَّى أوتو يسبرسن اللغوي الدانمركي لآراء دي سوسير , ويرى أن الكلامَ واللِّسَانَ جانبانِ لِشَيءٍ واحدٍ . فالكلامُ ، وإن كان نشاطاً فردياً ، إلاَّ أنه يرتبط بعنصرٍ اجتماعيٍّ هو الإفهامُ . ومفرداتُ أيِّ لسانٍ هي جميع ما ينطق به أفراد المجتمع , والعلاقةُ بينَ اللِّسَانِ والكلامِ كعَلاقَةِ النَّوعِ بالفردِ .
أي : فرد + فرد + فرد + فرد = جماعة لغوية .
كلام فردي + كلام فردي + كلام فردي + = لسان .
ويأخذ يسبرسن بتقسيمٍ ثُلاثِيٍّ آخرَ , فيقدِّمُ ثلاثةَ مُصطَلَحَاتٍ بَدِيلةٍ لمصطلحاتِ دي سوسير السَّابِقَةِ ( الكلام واللغة واللسان ) هي :
-1 الحَدَثُ اللُّغَوِيُّ : وهو نطقُ فردٍ معين بعبارة ٍ معينة مرةً واحدة , وهو حالةٌ فردةٌ , ولا يتكرَّرُ ذاتُهُ في موقِفَين مُختَلِفَين.
- 2لغة الفرد : وهي القِيَمُ اللُّغَوِيَّةُ الموجُودَةُ لدى فردٍ ما .
-3 لغة الجماعة : وهي القِيَمُ اللُّغَوِيَّةُ الموجودَةُ لدى أفرادِ جماعةٍ لغويَّةٍ ما .
وبالتَّالي يرى يسبرسن أن الواقِعَ اللغويَّ يُشَكِّل أحداثاً لغويَّةً , أمَّا العلاقاتُ والقواعِدُ فهي لغةٌ , وهذه اللُّغَةُ إمَّا أن تكون فردِيَّةً أو جَمَاعِيَّةً .
كما يرى فيرث أنَّ اللُّغَةَ تُدرَس باعتبارها جزءاً من عمليَّةٍ اجتماعيَّةٍ , ولا يرى للِّسانِ وُجُودَاً ذهنِيَّاً مُختَلِفَاً عن الكلام الفعليِّ الفردِيِّ . فالفردُ ، وإن كانت له شخصيتُهُ المستقلَّةُ المتميِّزَةُ مِن غيرها ، إلاَّ أنها تشترِكُ معها في أمورٍ كَثِيرَةٍ .
لقد كانت المفاهيمُ والأصولُ التي وَرَدَت عند دي سوسير معروفةً ومتداولةً في زَمَانِه , فقد نشر اللغويُّ الرُّوسيُّ بودوان دي كورتيني بحثاً عن الفُونِيم عام 1893 وهو صاحب هذا المصطلح .
ويرى بعضُ اللُّغَويين أنَّ دي كورتيني هو الأبُ الحقيقِيُّ للِّسانيَّاتِ البُنيَويَّةِ , وهو الذي أرسى دعائم التَّحليلِ الفونولوجي في مدرسة كازان الرُّوسيَّةِ , وقد استمَدَّ منها دي سوسير أُصُولَ التَّحلِيلِ الفونولوجي . كما أنَّ دي سوسير مَدينٌ لعالِم الاجتماعِ الفرنسي إميل دوركهايم , ولِعِلم النَّفسِ الجماعي عند تارد , كما أنه مَدينٌ لتعاليم الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو في كتابِه ( العِقدُ الاجتماعي ) .
المصطلحات والثُّنائيَّات الواردة في نظريَّةِ دي سوسير:
إنَّ المصطلحاتِ والثُّنَائيَّاتِ التي وردت عند دي سوسير هي نفسُها التي وردت عند دي كورتيني , من ذلك :
-1 الفونيم .
-2 التَّمييز بين اللُّغةِ بوصفِها نِظَامَاً , وبينَ اللُّغَةِ بوصفِها مَسَارَاً مُتَكَرِّرَاً ( الصلة بين اللسان والكلام عند سوسير ) .
-3 التَّمييز بين ديناميَّةِ ( حركية ) اللُّغَةِ , وبين واقِعِها الحاليِّ ( الدِّرَاسَة الوصفيَّةُ والدِّرَاسَةُ التَّاريخيَّةُ عند سوسير ) .
-4 التَّمييزُ بين اللُّغة المحكيَّةِ ( الكلام ) واللُّغة المكتوبَةِ .
-5 دراسةُ الألسُنِيَّةِ دِرَاسَةً عِلمِيَّةً .
-6 دراسةُ اللُّغَةِ بوصفِهَا نِظَامَاً .
-7 السِّمَةُ الرَّمزِيَّةُ لِلُّغةِ .  
                        

* منقول *

التوقيع
وقل رب زدني علما


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
عرض مشاركات سابقة منذ:  مرتبة بواسطة  
إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ مشاركة واحده ] 

جميع الأوقات تستخدم GMT
اليوم هو الأربعاء أكتوبر 22, 2014 12:11 pm


الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 1 زائر


لا تستطيع كتابة مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لا تستطيع كتابة ردود في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع حذف مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع إرفاق ملف في هذا المنتدى

البحث عن:
الانتقال الى:  
Powered by phpBB © 2014 phpBB Group
ترجم بواسطة phpBBArabia | Design AdevConsulting:AdevConsulting
  AdevConsulting   http://www.AdevConsulting.com